Thursday, March 17, 2022

مرايا الذات والآخر: أوكرانيا وأزمة الضمير العربي

 

ما إن بدأت الدبابات والمقاتلات والسفن الحربية الروسية في تصويب نيران مدافعها نحو جارتها، وارتفع منسوب القلق من التأثيرات المحتملة للحرب على الاستقرار والاقتصاد العالميين، حتى ارتفعت في أوساط المجتمعات العربية أصوات لا تخفي إعجابها بالرئيس الروسي بل وتأييدها لعدوانه على أوكرانيا. على سبيل المثال، وقع العشرات من المثقفين وقادة الرأي من مصر وعدة دول عربية على بيان أدانوا فيه الحملة الغربية على روسيا معتبرين أن النظام الرأسمالي العالمي "لا يجد مخرجاً من أزماته إلا بسفك الدماء ونهب ثروات الشعوب"، وعوضاً عن إدانة الغزو الروسي، أعلنوا عن تفهمهم "الكامل" لمتطلبات روسيا الأمنية. كما انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي المختلفة وسوم أعرب من خلالها الكثيرون عن دعمهم أو على الأقل تعاطفهم مع الدب الروسي وحوافره الطويلة المدببة.

            الحرب حدث جلل مزلزل ينذر بأبشع المآسي الإنسانية. فكيف طاوعتهم قلوبهم على تأييد غزو عسكري صريح عصف بسيادة دولة مستقلة ووضع حياة الآلاف على المحك ودفع الملايين على النزوح من ديارهم بل وهدد بوضع العالم بأسره على شفير مواجهة نووية؟ ألا تأبى الفطرة السليمة البغي والعدوان بكافة أشكاله وتميل إلى التعاطف مع المغدورين والمستضعفين أياً كانوا وحيثما أقاموا؟ كيف يمكن أن نفسح لهم جانب العذر؟ لا محيص إزاء هذا العجب والاستنكار عن طرح سؤالين رئيسيين: لماذا هذا المسلك؟ ولماذا انحرف هذا المسلك عن جادة الصواب وطبيعة البشر؟ تقتضي الإجابة عن هذين السؤالين أن نعرج على علم النفس وأن نصحبه في جولة في دروب وأزقة القوة والقانون والغرب وإسرائيل الكامنة في العقل العربي.

           في دراسات علم النفس حديث طويل عن عقدة النقص والوسائل الدفاعية التي يستعملها الأفراد (وكذلك المجتمعات) للتملص من شدتها. يقول المتخصصون في التحليل النفسي - لاسيما عالم النفس النمساوي المرموق ألفريد أدلر - إن من أهم هذه الوسائل التعويض؛ عقدة الفقر تعوَّض بالمال والدونية بالتفوق والضعف بالقوة. كان نيتشه مثلاً ضعيفاً عليلاً لكنه أغرم بفلسفة القوة وبشر بالرجل السوبرمان. ولا تفتر همة الإنسان أو تتوقف مساعيه لنيل الراحة النفسية إذا تعذر التعويض المباشر عن النقص الموجود، بل يلجأ إلى وسائل دفاعية أخرى، مثل الاقتراب ممن يملكون ما يفتقد إليه واستعارته منهم معنوياً من خلال هذه المخالطة؛ أو إسقاط مشاعر النقصان الداخلية على طرف آخر، فيما يعرف بنظرية "كبش الفداء"؛ أو الانسحاب من الحياة والاستقالة من تحدياتها بالكلية.

للضعف واليأس إذن تبعات نفسية وذهنية وسلوكية. وقد أوغلنا في بلاد العرب في تجرع كليهما حتى الثمالة: فشلنا في معركة النهضة وتحدي العلم، ويئسنا من تحرير وشيك لفلسطين، ورزحنا تحت وطأة التخلف والاستبداد والفقر لقرون طوال. تبلور لدى بعضنا بالتالي إعجاب عميق بالقوة ليس فقط لأننا لا نملكها بل لأننا لا نملك حتى الأمل في امتلاكها في يوم قريب. ولأن الأمل مفقود في أن نستعيد مجدنا التليد، يوم كنا "سادة العالم" كما يقال في الأدبيات العربية، فقد ارتضى بعضنا البحث عن وكيل قوي يلتحق بردائه فتمده قوته بوهم القوة وسكينة خدرها. فعلوا هذا وهم يزينون الأمر لأنفسهم قائلين: ومن يدري؟ لعل الوكيل المرتجى نعائمه يقبل أن يحارب بدلاً منا، ويقتص من أولئك الذين تفوقوا علينا وأذاقونا علقم الخسران مرة بعد الأخرى.

ولا ينبغي أن يخفى على أحد أن في الإعجاب المستتر بالقوة منزوعة الحق والمنطق انعكاس لعقدة أخرى دفينة. إنها عقدة "الرجولة" المجروحة في مجتمعات ذكورية تعلي من شأن الرجل وتتغزل، سراً وجهراً، في فحولته وقوته. لكن خمر القوة تبخر في زوابع الواقع مرة تلو الأخرى، وعلى رؤوس الأشهاد، حين شهد الرجال "اغتصاب" فلسطين وضياع الأرض "البكر" وهيمنة "أنصاف الرجال" على مقادير الأمور دون أن تحرك قوتهم المتصورة ساكناً أو تبدل واقعاً. صارت القوة شهوة عاصية، نار تندلع وماء ينقطع.

الأمر كما هو واضح منبت الصلة بنفسية المقهورين الذين هجروا الأمل وهجرهم وغصت نفوسهم بالمرارة فانغمسوا في معانقة أقدار بائسة يرون أنه لا فكاك منها. في أيام الحرب العالمية الثانية، مثلاً، تطلع نفر من المستَعمَرين على يد الإنجليز بإعجاب إلى القائد النازي هتلر، آملين في أن يربح الحرب والعالم ويدحر من ثم الاستعمار الانجليزي الجاثم فوق صدورهم. إلى هذا الحد من السذاجة يمكن أن تدفع عُقَد المرء أفكاره: أن يعتقد أن النازيين الذين أشعلت طموحاتهم الإمبراطورية نير حرب عالمية يمكن أن يصبحوا من دعاة الاستقلال الوطني وتحرير الشعوب. اليوم يعيد ورثتهم في الحنين إلى القوة الكرَّة مرة أخرى: يراهنون على روسيا متوهمين أن بوتين - الحالم بالمجد القيصري الذي تقمص طيرانه دور طائر الموت في سوريا - قادر على التصدى للهيمنة الغربية وراغب في منح القضايا العربية، عن طيب خاطر، زخماً أكبر في النظام الدولي. ولو جالت بخاطرهم لهنيهة فكرة أن ثمن دعم الغزو الروسي هو التضحية بمباديء القانون الدولي، لطردوها سريعاً. أبناء المجتمعات التي لا يُحترم في قلبها القانون المحلي لن يكترثوا كثيراً بالقانون الدولي في ما وراء البحار.

هو نمط من التفكير - أو بالأخرى حالة من الوجدان - تملأ الثقوب كلاً من صلاحيته ومشروعيته. حديث المصلحة متعدد العناصر، ويتضمن أن قاعدة "عدو عدوي هو صديقي" قد تلائم نزاعات الطفولة البريئة، لكنها أبسط كثيراً من أن تصلح كبوصلة للإبحار في خضم عالم معقد ومتشابك. كما أن بوتين ليس قائداً لحركة تحرير أو مناضلاً يروم العدل في الأرجاء، بل ديكتاتوراً لا يتورع عن دس السم لمعارضيه والإغارة على جيرانه. ثم أن الاستقرار العالمي وصل من الهشاشة إلى درجة لا يصبح فيها من الحكمة دعم ما يزيد من ضعفه ورخاوته. فضلاً عن ذلك، فإن دعم القوة الغاشمة من حيث المبدأ يفرز معضلة كؤود: إذا كنا سندعم نظاماً دولياً تكون السيادة فيه للقوة فحسب، دون وازع من قانون أو احترام لسيادة الدول، فسنكون نحن أول من يكتوي بناره لأننا ببساطة لا نمتلك من القوة مثلما نمتلك من الحق. ولذلك، فحتى في السعي المحض وراء المصلحة، مثلنا يجب أن يكون رهانه على الحق لا القوة.

الأهم من صوت الواقع هو صوت الواجب. ثمة مطب أخلاقي عميق يفرض عدة أسئلة. هل كان هؤلاء يشجبون احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية وغزوها لبنان والغزو الأمريكي للعراق فقط لأن المعتدى عليهم جيراننا ومن بني جلدتنا، يتحدثون لغتنا ويدينون بديننا ويشبهوننا في الشكل والملبس؟ أم كان موقفهم قائماً على قاعدة أخلاقية صلدة هي استقباح العنف والغزو والاحتلال وشجبه دائماً وأبداً؟ بعبارة أخرى، كيف يرفض المرء العدوان الإسرائيلي ثم يؤيد - أو يقبل أو يتعاطف مع أو يغض الطرف عن - العدوان الروسي دون أن يقع في تناقض أخلاقي، بل ودون أن ينزع عن نفسه مشروعية كل اعتراضاته السابقة؟

غني عن البيان أن إشكالية العلاقة مع الغرب تفرض حضورها الثقيل على كل الموضوعات، أمس واليوم وغداً وفي كل الأيام. لأسباب كثيرة، تمتد من الحملات الصلبيبة قديماً وحتى معارك الاستعمار وإسرائيل والحداثة حديثاً، تولد تربص وتباغض. عقداً وراء عقد وقرناً إثر قرن، استمر العداء وتواصلت الهزيمة واستحكم النقص، فانبثقت أزمة واستحالت عقدة وباتت مركبة. ولأنها عقدة، صار البعض، بالفكر والسلوك، يعادون بشكل ألي كل ما يفعله الغرب، فإن دلف إلى اليمين استداروا إلى اليسار، وإن انعطف يساراً هرولوا يميناً، وإن وقف في مكانه اعتراهم الشك وضربوا أخماساً في أسداس. متحدثاً عن المشروع الإسلامي، يقول المفكر خالد أبو الفضل: "بدلاً من أن يكون الإسلام رؤية أخلاقية تقَدَم للبشرية، فإنه يتحول إلى نقيض للغرب"، وبالتالي ففي هذا الإطار "لا يوجد إسلام؛ هناك فقط معارضة للغرب". ويتفق معه الأكاديمي طارق رمضان قائلاً إنه "كلما كانت (الأمور) أقل غربية، كلما كانت أكثر إسلامية". ولا يختلف الفكر اليساري في بلادنا كثيراً عن "شقيقه" اليميني في مقاربة قضية العلاقة مع الغرب. ولذلك، ولأن الأزمة الحالية تحوي في أحد جوانبها مواجهة بين روسيا من جانب والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من جانب آخر، فقد وجد هؤلاء أنفسهم لاشعورياً في المعسكر المناوئ للغرب، يضمرون له العداء ويتمنون له الانكسار. يبدو الأمر وكأن وعيهم بالذات لا يستمد إلا من خلال الوعي بالآخر، وكأن الرضا عن النفس لا يتحقق إلا عبر مخالفة الآخر.

لا ينبغي السهو عن حقيقة أن الغرب ما عاد مفهوماً جغرافياً ولا اقتصرت عضويته على العالم المسيحي، بل بات مفهوماً حضارياً واسع النطاق ومتشعب الميادين. ولذلك شاركت دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة في حملة فرض العقوبات الاقتصادية على روسيا. والواقع أن الشرق المسلم، وبعيداً عن ادعاء روديارد كبلينج منذ زهاء القرن أن "الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا"، جزء من الغرب تماماً كما أن الغرب جزء من الشرق، ولو لم يشعر الطرفان بذلك. لكن التفكير القديم العائد إلى زمن الحرب الباردة، أو ما قبل ذلك بعقود أو قرون، مازال مهيمناً ومعرقلاً. يقدم الغرب نموذجاً حضارياً، ناجحاً، به مكتسبات وثغرات وتحديات، وأهم مكتسباته الديمقراطية والحرية وحكم القانون وتوازن العلاقة بين الدولة والمجتمع، أما روسيا ومن لفها من دول وأشباه دول فتقدم نموذجاً لاحضارياً يتصدره حكم الفرد المدعوم من أخوية (brotherhood) تضم بارونات المخابرات وأباطرة الأعمال (أو السيلوفيكي والأوليجاركية بلغة أدبيات السياسة الروسية) ويشيع فيه الاستبداد والفساد وحجب المعلومات. في الواقع، يجمع نظام بوتين بين عناصر من الفاشية والشيزوفرينيا (schizo-fascism)، وفق وصف أستاذ التاريخ الأوروبي البارز، أو الأبرز، تيموثي سنايدر. فأي النموذجين أجدر بالاختيار؟

وفي الخلفية، أو الصدارة، من إشكالية العلاقة مع الغرب تكمن عقدة أخرى هي عقدة إسرائيل المزمنة. إنها لعنتنا المزدوجة: استيطان الأرض واستيطان العقل. وإذا كانت اللعنة الأولى من صنع غيرنا، فاللعنة الثانية من صنعنا أو بالأحرى صنع بعضنا. لعنة إسرائيل الثانية ترى العالم على اتساعه من خلال عدسة إسرائيل، فكل شيء يقاس بمسطرتها، وكل تطور لابد أن له علاقة بها، وكل أزمة أو خطر يحدق بنا لابد أنه من صنع أياديها الشيطانية. اللعنة الأولى هزيمة، والثانية عقدة ترتبت على الهزيمة.

على أهمية القضية الفلسطينية مادياً ووجدانياً، لا مفر من الإعلان أنها ليست قضيتنا الوحيدة، بل وليست الأكثر مركزية لكل بلد عربي. قضيتنا المركزية هي التخلف الحضاري وتأثيراته المختلفة على مجالات السياسة والاقتصاد والتنمية والتعليم والبحث العلمي، وما هزيمتنا على أيدي إسرائيل إلا إحدى مظاهر هذا التخلف. من زاوية أخرى، إذا كان حجر الزاوية في الاحتجاج على إسرائيل هو استخدامها القوة منزوعة الشرعية لفرض إرادتها على الشعب الفلسطيني، فلدينا عشرون قضية مماثلة في الوطن العربي. أكثر من هذا، فإن حل هذه القضايا من جذورها يعزز من قدرتنا على مواجهة إسرائيل ونصرة الحق الفلسطيني. أما العكس، أي إبقاء جذوة القضية الفلسطينية مشتعلة على حساب القضايا الأخرى، فيجعلنا نخسر كل القضايا من المحيط الأطلسي إلى الخليج الفارسي مروراً بفلسطين، كما هو الحال منذ نيف وسبعين عاماً. فصل القول أن الطريق إلى بغداد وصنعاء والرباط وغيرها لا يبدأ من القدس، بل أن الطريق إلى القدس يبدأ من هذه العواصم.

***

ثمة هوة سحيقة في الفضاء العربي. لا يمل القوم ليلاً ونهاراً من ترديد الحكمة العربية الشهيرة التي تقول إن الرجال يُعرفون بالحق ولا يُعرف الحق بالرجال، ومن تكرار مقولة أن المبادئ لا تتجزأ. كيف تناسى المؤيدون للغزو الروسي هذه العبارات المأثورة؟ أم أنها محض كلمات؟ ما أبعد الشقة بين ما تنطقه شفاههم وما يختلج في قلوبهم، وما أقرب الصلة بين ما يختلج في قلوبهم وما ترسب في أرواحهم.

حين تستبدل بالمنطق الرغبة ويستعاض عن المعرفة بالإغواء، لن يبقى ماثلاً أمامنا، في الموقف من أوكرانيا وغيرها، سوى أشباح فرويد وصحبه، يحدقون بنا ويشيرون علينا بالطريق.

 

د. نايل شامة

Thursday, August 26, 2021

ويحدثونك عن الدكر


            في معرض رصده الدقيق للتغيرات الاجتماعية والثقافية العارمة التي مر بها المجتمع المصري في أتون النصف الثاني من القرن العشرين، أشار الدكتور جلال أمين في كتابه الشهير "ماذا حدث للمصريين" (1998م) عرضاً إلى لفظة عامية شائعة صارت تقال كثيراً في غير سياقها وللإشارة إلى مدلول مختلف. الكلمة هي "ريّس" التي كانت تستخدم من قبل للإشارة إلى المراكبي (فيقال "ريّس مراكبي") أو الحرفيين على اختلاف تخصصاتهم، ثم صارت بعد أن انقلبت أحوال المجتمع رأساً على عقب تستعمل على نطاق واسع للإشارة إلى رئيس الجمهورية، فيقال مثلاً "الريّس جمال" أو "الريّس السادات".

            مسيرة الكلمة من استخدامها كنية لبسطاء الناس إلى اعتمادها لقباً لصاحب أرفع منصب في الدولة أرجعها أمين إلى الخلخلة الشديدة التي تعرض لها السلم الاجتماعي للبلاد، بعد أن هرولت عليه بعض الطبقات صعوداً وانزلق من عليه بعضها  الآخر هبوطاً. اللغة إذن من حيث التعريف ظاهرة اجتماعية، وهي بالتالي ليست ثابتة ولا محايدة، بل هي تعبير كاشف عما يعتمل في أحشاء المجتمع، سياسياً واقتصادياً وثقافياً. بالفعل، سيبدو الآن غريباً، أو حتى طريفاً، تخيل أن يستعمل أحد المصريين في ثلاثينات أو أربعينات القرن الماضي كلمة "ريّس" للإيماء إلى شخص الملك فاروق أو رئيس الوزراء مصطفى النحاس أو غيرهما من كبار السياسيين والبورجوازيين في البلاد. 

            في الزمن المعاصر، وعلى نفس منوال تحول مدلولات اللغة في إثر التغيرات الاجتماعية، لا يمكن للمتابع ثاقب النظرة لحركة المجتمع المصري ألا يلحظ ذلك الصعود ثم الانتشار الواسع لكلمة أو وصف "دكر"، لاسيما في السنوات الأخيرة. في المحادثات الشخصية وعلى وسائل التواصل الاجتماعي وفي الأعمال الدرامية، تقال الكلمة مراراً على سبيل الإشادة والثناء. وكما هو واضح من تأمل السياقات والحالات، يكتسب المرء "شرف" اللقب إذا ما ارتأى الآخرون أن سلوكه في محيطه الاجتماعي يرتقي لنيل ذلك الإطراء الواضح.

            لكن ما دلالة ذلك التطور اللغوي؟ وكيف يمكن قراءته في ضوء الأوضاع الراهنة للمجتمع المصري؟

            بادئ ذي بدء، ومن ناحية الشكل، لا يخفى على أحد ثقل الشحنة الذكورية التي تفيض بها الكلمة. فلفظة "دكر" كما هو واضح هي الكلمة العامية المقابلة لكلمة "ذكر" في العربية الفصحى. للوهلة الأولى، وبالنسبة لمن لا يقرأون بين سطور الثقافة المحلية، قد لا يتعدى الأمر نطاق الترجمة المباشرة والمحايدة، فتبدو الكلمة مجرد إشارة إلى نوع الجنس (ذكر مقابل أنثى). لكن الذكورية المتأصلة في مجتمعنا كانت قد تسللت إلى ساحة اللغة وأقامت فيها صرحاً وبنياناً، إذ دأبت كثرة كاثرة من الناس على الربط من خلال اللغة بين الرجولة ومجموعة من القيم الإيجابية، وكذلك الربط بين الأنوثة ومجموعة من القيم السلبية. ولا يقتصر الآمر على اعتبار الرجولة مرادفاً للشهامة والنخوة والعنفوان وما إلى ذلك من مناقب، بل يشمل أيضاً الإيغال في الربط بين هذه القيم والأعضاء التناسلية الذكرية، خاصة إسباغ صفات مثل الإقدام والبأس والنشاط على العشو الذكري، مقابل المضاهاة بين الأعضاء التناسلية الأنثوية ومعان أخرى مذمومة مثل الاستكانة والخنوع والنجاسة.

            كذلك لا ريب أن الكلمة محل النظر ليست لحناً منفرداً في معزوفة هامشية منفصلة، وإنما تعد جزءاً من كل، فهي متسقة مع حالة السوقية العامة الناشبة مخالب من غضب وضجيج وهمجية في أضلع المجتمع. ومن اللافت، والمؤسف في نفس الوقت، أن تلك السوقية، وإن فاض نهرها العطن - الطافح بالذكورية والعنصرية والعنف - ابتداءً من أسفل لأعلى مع الحراك الاجتماعي، إلا أنها لم تعد تقتصر على الطبقات الدنيا أو الأقل تعليماً وثقافة، بل امتدت عبر جميع الطبقات في تناغم شبه تام.  

            لكن بعيداً عن الشكل وما ينطق به، تختزن كلمة "دكر" بين ظهرانيها دلالة أعمق من ذلك، إذ يبدو أن لشعبيتها المتنامية علاقة مباشرة بقضيتي القانون والعنف وحالتهما العامة في البلاد. للولوج إلى مناقشة ذلك بقدر من الاستفاضة، ينبغي اولاً طرح سؤال مبدأي: ما مفهوم كلمة "دكر" في الاستخدام الشعبي المعاصر في مصر؟ والواقع أن المرء لا يحتاج إلى كثير من الفطنة أو قوة الملاحظة ليدرك مدلول الكلمة في أعين المتلفظين بها، إذ يكفي أن يتأمل مواضع استخدامها وهويات الموصوفين بها - ومنهم شخصيات عامة اقتاتت شهرتها على موائد السياسة والإعلام والرياضة في العقود الأخيرة - حتى يتيقن من عدة أمور.

            أول تلك الأمور وأكثرها جلاءً هو أن الكلمة محل التأمل تستخدم وصفاً للرجل "القوي"، أو بالأحرى من يتصور القائل أنه يتمتع بالقوة والشدة. القوة بالطبع مفهوم شائك ومتعدد الأوجه والتفسيرات، لكنها هنا يقيناً لا تعني قوة التحمل أو قوة الصبر أو قوة الإيمان، بل القوة في صورتها البدائية، بكل ما يرتبط بها من خشونة وفجاجة. لذا، فالدكر في أغلب الأحوال هو من يعتمد الغلظة سلاحاً والعنف اللفظي (بما فيه البذاءة وطول اللسان) منهجاً، يرهب بهما خصومه ويجتذب إعجاب مناصريه! إذن، القوة المقصودة هنا ترتبط بقدر من الشراسة والفظاظة، وأصحابها لا ينفكون عن إسماع الاخرين قعقعة سيوفهم وحمحمة خيولهم لإثبات حضورهم وفرض سطوتهم.

            لا ريب أن لهذا السلوك في جوهره صلة مباشرة بوضع ومكانة القانون في المجتمع. ففي غياب القانون أو ضعف تطبيقه، فضلاً عن سقوط هيبته واحترام الناس له، لا تكمن القيمة المجتمعية الأعلى في احترام القانون، ولا يمتدح الشخص الصالح لإنه مواطن ممتثل للقانون (law-abiding citizen كما يقال في المجتمعات ذات الأنظمة الديمقراطية الراسخة، بل على النقيض من ذلك، تكمن القيمة - والشطارة - في القدرة على المناورة والالتفاف على القانون، ذوداً عن النفس أو انتزاعاً للحقوق أو فرضاً للذات. والواقع أنه بعد مرور زمن مديد من رسوخ هذه الأوضاع المختلة، لا يصبح الالتفاف على القانون مجرد ضرورة يلجأ إليها البعض اضطراراً وعلى مضض، بل يغدو ممارسة اعتيادية يتباهى بها الناس ويسعدون، بل يتطوعون بحماسة لمعاونة بعضهم البعض عليها. على سبيل المثال، يعرف مرتادو الطرق الزراعية السريعة في مصر جيداً كيف يبادر قائدو المركبات إلى استخدام وميض مصابيح سياراتهم لتحذير أقرانهم القادمين في الاتجاه المعاكس من وجود أماكن رادارات السرعة في مكان قريب.

            وسواء بالإرشاد المباشر أو الإدراك غير المباشر، يتعلم الذكر المصري تلك الديناميات منذ أن يعي الدنيا من حوله في سنوات المراهقة الأولى. يعرف سريعاً أن المجتمع حلبة صراع لا مضمار تعاون، وأن القانون لا يشفع دائماً، وأن ركوب أمواج الحياة في هذا المجتمع يستلزم أمرين: زيادة عدد الأصدقاء والمعارف؛ وتنمية حس الدعابة. كثرة الأصدقاء، أو ما يسمى "العزوة"، توفر طبقة من الحماية يمكن التعويل عليها في حال الدخول في مشاجرات، وهي لذلك من الآليات المطلوبة لحفظ النفس في ظل عدم جدوى الاعتماد على القانون لتسوية المنازعات. ثم أن توسيع شبكة المعارف مفيد أيضاً لتيسير العديد من الأمور الضرورية، مثل الحصول على وظيفة ما وإنجاز المعاملات الحكومية وما إلى ذلك. هنا، ولأن تلك الممارسة صارت قيمة اجتماعية، فقد وجدت لها انعكاساً جلياً في اللغة، إذ يقال على سبيل تقريظ شخص ما أنه "يعرف طوب الأرض" أو أن "حبايبه كتير"، أو أنه يعرف زرافات من الناس في مواقع مختلفة يحبون أن "يخدموا".

            أما التمكن من حس الدعابة ومهارة إطلاق النكات وقول "القفشات" فآليات أخرى ناجعة يمكن التعويل عليها لاستمالة القلوب واستجلاب المنافع، ومن ثم تأمين الحصول على خدمة أفضل وأسرع في الأماكن العامة كالمصالح الحكومية والمطاعم والمقاهي. هي مرة أخرى وسيلة التفافية في مجتمع ما عادت أموره تمضي في خط مستقيم واضح، فأجبر أهله على اتقان فنون المراوغة والمناورة والمداورة للوصول إلى أهدافهم، كما نرى بشكل مجسد فيما آلت إليه "فنون" قيادة السيارات في شوارع القاهرة المنهمرة ازدحاماً وفوضى.

            يقول عالم الاجتماع ذائع الصيت بيتيريم سوروكين في كتابه "الديناميات الاجتماعية والثقافية" أن الفئات الدنيا والريفية الأقل تحضراً تحاكي الطبقات العليا المتمدينة والأكثر تحضراً في عصور الثبات الاجتماعي بينما يحدث العكس في فترات الحراك الاجتماعي. ولا جدال في أن الكلمة محل التأمل بنت عمليات الصعود الاجتماعي للطبقات المتواضعة منذ أن دارت الأرض دوراتها في مصر مع انفتاح السبعينات وعولمة التسعينات. وكما أن الأخلاق السائدة هي أخلاق السائدين، والقيم السائدة هي قيم السائدين، فكذلك اللغة السائدة هي تعبير عن لغة ومفردات وثقافة السائدين، الصاعدين بلهفة درجات السلم الاجتماعي، الفارضين وجودهم الثرثار في كل محفل، الناشرين ثقافتهم الرثة، بكل ما تنطوي عليه من قيم لاحداثية، في كل واد.

            هكذا، ولأن الفراغات تظما إلى ما يملؤها، فبعد ردح من الدهر على غروب شمس القانون، يشيع الاعتماد على القوة، أو الإيحاء بامتلاكها، كما نرى في كلمات التهديد والوعيد التي تنطلق من أفواه الناس كالرصاص لدى نشوب أصغر خلاف (وخصوصاً التعبير الأشهر: "أنت مش عارف أنا مين؟"). ثم، شيئاً فشيئاً، يسري بين صفوف بعض الناس، عوامهم ومثقفيهم على السواء، قدر من الإعجاب - المستتر أو الظاهر - بالقوة في حد ذاتها. بعبارة أخرى، لا تعد القوة مجرد خيار يلجأ إليه الناس مكرهين، بل اختيار يتماهون معه معجبين. وحسبنا في هذا المقام مثالان دالان من السنوات الأخيرة، فقد خرج علينا أحد المثقفين مطالباً بتطبيق "الحل البرازيلي" مع أطفال الشوارع، والمقصود تشكيل فرق للموت بغية تصفيتهم والتخلص من صداعهم؛ كما دعا مثقف آخر مرموق إلى تشكيل ميليشيات سرية لتصفية القتلة والمخربين بعيداً عن مظلة القانون وضماناته. يأتي في الإطار نفسه الإعجاب بشخصيات دموية مثل بوتين وهتلر (الذي أثني عليه رئيس مجلس النواب المصري السابق)، وكذلك ما شهدناه في السنين الفائتة من دعوة قطاعات واسعة من الشعب لاستخدام العنف والتصفية الجسدية كحل لإشكالات سياسية واجتماعية، أيضاً على خلفيات التهليل "للدكر" الذي سيقتل ويفرم ويكتسح.

            لكن المفارقة المريرة في كل ما تقدم أنه فيما يسعى الأفراد إلى تعزيز قوتهم الشخصية، محاولين تقمص شخصية "الدكر" الصنديد، يغشى العجز الأمة بأكملها، وهو عجز متعدد الأوجه ومنبسط عبر الزمن: عجز عن توفير متطلبات العيش الكريم، وعجز عن ردم الهوة مع الآخر المتفوق علينا علمياً وتكنولوجياً، وعجز عن ردع اسرائيل، وعجز عن فراق العصور العتيقة واعتناق الحداثة، وعجز عن رؤية المجد الكاذب في مرايا التاريخ والواقع. فمرحى للأشاوس المغاوير انتشاءهم بخمر الذكورة المغشوشة، "بالعنتريات التي ما قتلت ذبابة"؛ وواسفاه على وطن عاقر فيه الرعد لا يعقبه مطر؛ وطن جفت غدرانه في فلوات الوهن وقلة الحيلة.

            يبقى أن كل ذلك في التحليل الأخير منبت الصلة بمفهوم الوطن وماهيته. لا جدال في أن ثمة وطن حيث يشعر الإنسان بالأمان والاطمئنان، والأمان في الدولة الحديثة منوط بتطبيق عادل ومنهجي وكفء للقانون على كل المواطنين على حد سواء. وفي المقابل، ثمة شبه وطن حيث القانون أعجف كشجرة نحيلة الاغصان؛ وحيث الغربة الواجمة مصير كل عاقل يمتطى فجيعة أمته؛ وحيث الآخرون سادرون في غي "الدكر" وأوهامه.

 

د. نايل شامة

 

* نشر هذا المقال على موقع "جيم" بتاريخ 26 أغسطس 2021م.

Thursday, April 15, 2021

Does Politics Vanish? Insights from Syria

Syrian President Bashar al-Assad appears to have triumphed. He remains in power, the Syrian conflict is nearly over, and efforts are underway in the Arab world to normalize relations with his regime. Yet, while the level of violence may have gone down after ten years of destruction, can one say that Assad has changed his method of ruling? Has Syria’s experience altered his views about the essence of politics?

To answer those questions, we must recall what happened at the beginning of the Arab uprisings. In early 2011, even after massive social mobilization had overthrown two longstanding strongmen in the span of a few weeks, Assad stated that those events had no relevance for Syria. He told the Wall Street Journal that “Syria was stable.” Referring to what had happened in Tunisia and Egypt, the president remarked that his country was “outside of this.”

A few weeks later, revolution came banging on Bashar’s door, revealing how out of touch with reality he had been. A decade on, it is still legitimate to ask why the Syrian dictator overlooked the harbingers of his own vulnerability. Three mechanisms explain this disconnect.

I.  Speak, so that I may see you. The first was that the Assad family was myopic about the fact that excessive control reduced its exposure to the true workings of Syrian society, hindering its foresight. Politics is a dynamic process that involves expression, negotiation, and conflict. By 2011, the Assad regime had established a ‘controlocracy,’ a tight and elaborate system of control, with tentacles throughout society. In having tightened its grip on power structures, security agencies, political parties, and public space, the regime had placed nearly all visible aspects of politics under its stringent authority.

The problem with this is that the Assads failed to realize that by placing politics in a straightjacket, they pushed it into murkier recesses, so that political opinion and contestation shifted from party politics, parliamentary debates, and media outlets into private conversations and subtle forms of dissent. Small facts speak to large issues—“winks to epistemology or sheep raids to revolution,” as the cultural anthropologist Clifford Geertz once wrote. Under the Assads, ellipses of speech, allegorical phrases, nods of desperation, exhalations of anger, or even silence, spoke volumes about what was rankling in the hearts of people.

From the People’s Palace, a hilltop fortress sitting perched on Mount Mezzeh overlooking the enduring city of Damascus, Bashar al-Assad saw a different picture. Silence implied loyalty, self-censorship consent. The uprising in March 2011 showed how deeply he had misread reality.

II. Private Truths, Public Lies. Not only had Syrians concealed their true preferences in response to political pressures, they also feigned many of their reactions and support for the regime. Economist Timur Kuran has called this “preference falsification” in his 1995 book Private Truths, Public Lies. Privately, this may mean faking a smile or compliment in a social gathering. Under authoritarian regimes, however, the practice is more consequential.

It is telling that for both those who supported the Assads and their critics, fear was the Syrian regime’s trademark. While critics called it a “republic of fear,” the regime was fond of upholding the notion of “the prestige of the state,” or haybat al-dawla, albeit blended with awe and dread. Between 1970 and 2011, the politics of terror had been institutionalized in Syria. In the thick of fear, people acquired a knack for survival. They would bend with the wind, withdraw into their shells, go into mental exile, or simulate devotion.

An astute poet from the early Islamic era, Abu al-Atahiya, stated it well: “If life narrows on you, silence is wider.” And so a spiral of silence pervaded Syria before 2011. Yet, silence is more often a mark of patience than a sign of fidelity. Nor, because it is essentially a burden, does it last eternally.

Rather than reading between the lines of silence, the Assad regime had been busy constructing a personality cult around its leader and craving eternal rule: “Assad forever,” or “Al-Assad ila al-abad,” was its favorite slogan. However, it took no great insight to see that sycophancy had bred arrogance.

III. Caged Behind the Walls of Time. Time widens the disparity between reality and fantasy. The Assad regime suffered from its longevity, so that time had effectively encaged it. Often, the longer an autocrat stays in power, the greater his propensity to rely on a small coterie of confidants who share his opinions and delusions. The leader’s inner sanctum limits his exposure, so that reality becomes “like a night in which all cows are black,” as the German philosopher Hegel put it.

By early 2011, the Assads, Hafez and Bashar, had spent 40 years in an ivory tower. A former advisor to Bashar observed that the president “lives in a cocoon.” In fact, Bashar was probably never fully aware of the inner workings of his own state organs, particularly the unbridled security agencies. Becoming a family heirloom had turned the Syrian state into a compartmentalized dictatorship in which a shadow state had emerged, personal fiefdoms had proliferated and public institutions had been emptied of all relevance.

However deep the wounds of the Syrian conflict, the lessons of its outbreak should not be lost on anyone. The Syrian uprising took the dictator by surprise, stripped him of his aura, and demonstrated that politics could not be eliminated or forever buried. If the regime repeats its mistakes after the uprising’s conclusion, then the dark events of the past decade will reappear again.

 

Nael Shama

* This article appeared first in Diwan (Carnegie Middle East Center) on April 15, 2021.

Thursday, February 18, 2021

لغتنا الجميلة .. لغتنا الفاسدة

 

          حين سئل الفيلسوف الصيني الكبير كونفوشيوس قبل ألفي وخمسمائة عام عما كان سيفعل لو كان حاكماً للبلاد، أجاب بوضوح وحسم: سأصلح اللغة. واستطرد موضحاً: إذا كانت اللغة غير سليمة، فإن ما يقال ليس ما هو مقصود، وإذا كان ما يقال ليس ما هو مقصود، فإن ما يجب أن يُفعل لا يُفعل، وإذا حدث ذلك، تتدهور الأخلاق والآداب، وتضل العدالة السبيل، ويصيب الناس حالة من الارتباك العاجز. والحق أن المرء يحار حين يتأمل تدهور أحوال اللغة العربية المعاصرة ما بين ميل إلى الاعتقاد بأن فساد الواقع هو الذي عاث في اللغة فساداً وميل مضاد يرى أن فساد اللغة هو الذي ألحق ضرراً بالواقع، وهي حيرة يعقبها غالباً استدراك بأن المسألة برمتها ما هي إلا جدلية دائرية الحركة: واقع أفسد تهتكه اللغة، ولغة مبتذلة تعيد إنتاج تهتك الواقع. 

            غني عن البيان أن أهمية اللغة لا تكمن فقط في أنها اداة للتعبير ووسيلة للتواصل بين الناس، بل أيضاً في كونها - قبل أي شيء - وسيلة للتفكير والفهم والتأمل في أمر الذات والمجتمع والكون. وبالتالي، فحين تكون اللغة فقيرة وخاملة أو آلية وارتجاعية، وحين تكون مترعة بالعبارات الجاهزة والقوالب المعتادة والتعبيرات النمطية، فإنها تُفقد العقل وظائف التأمل والتفكير والإبداع وتدفع به نحو فخاخ الإلقاء والمحاكاة والتكرار. بعبارة أخرى، هنا لا يفكر العقل تماماً، بل يستدعي من مخزونه القائم ألفاظاً وأفكاراً ويعيد ويزيد ويكرر في استعمالها، كالحمار يحمل أسفاراً. أيضاً، حين تفقد اللغة وضوحها وصفاءها، يسهل استخدامها كأداة للتلاعب بالعقول وتضليل الوعي واستبدال ما هو واقعي وحقيقي بما هو متصور ووهمي. ومن البديهي، كذلك، أنه في حين أن واقعنا العربي - السياسي والاجتماعي والثقافي - يتغير بسرعة هائلة في عصر العولمة وثورات الاتصالات ونظم المعلومات، فإن تحجر اللغة وغموضها يبقي العقل متأخراً ومنفصلاً عما يدور في العالم وعاجزاً عن اللحاق بركبه. وبالطبع، فإن لكل ذلك تأثيراً ملموساً على الهوية. ألم يكتب محمود درويش: من أنا؟ أنا لغتي أنا.

            فساد اللغة في الفضاءين السياسي والثقافي العربي واضح لكل عينين مدققتين. على المنابر والقنوات وصفحات القرطاس، ثمة كلمات وتعبيرات لا تعكس معانيها، بل يقصد بها معان أخرى، وكلمات أخرى مائعة لا تعني شيئاً محدداً أو لا تعني شيئاً على الإطلاق، وأخرى تحتفي بالنظم والنغم على حساب المعنى. مغبة كل ذلك هي نزع المعرفة عن اللغة وتحويلها إلى محض أداة استعمالية لتحقيق أهداف وحصد مغانم. الأمثلة في تاريخنا المعاصر لا تحصى كثرة. مثلاً، إلحاح الأنظمة العربية التقدمية في خمسينات وستينات القرن العشرين في الحديث عن "الحرية" ترافق مع مغيب الحريات واستشراء القمع. كان المقصود بالحرية شيئاً آخر هو "الاستقلال"، أي الاستقلال عن الاستعمار والقوى الدولية، وليس الحرية بأي معنى سياسي أو اجتماعي. في نفس المرحلة المترعة بالهزائم العسكرية، انتشرت كلمة "نصر" في كل مكان، شعاراً في خطب الزعيم وبرامج الأثير ومناهج التعليم واسماً معلقاً على واجهات المتاجر والشركات الحكومية ومناسبة لاحتفالات سنوية صاخبة. وعلى نفس النحو، وبعدما انقلبت الموازين وتبدلت الشخوص، ذاعت كلمة "السلام" من السبعينات فصاعدا، على خلفية استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية وضم الجولان وغزو لبنان وقصف العراق وتونس. مفارقة هي إذن لا يضاهيها سوى الكلام المتكرر عن "الجماهير" فيما سمي تندراً "جمهوريات بلا جماهير". هذه تناقضات تثير التساؤل: هل حقاً تنبع كل المشاكل، كما كتب ألبير كامو في رواية "الطاعون"، من الفشل في استخدام لغة جلية وواضحة؟


بأية حال، نزفت اللغة على مذبح السياسة ومصالحها وأيديولوجيتها، فالهزيمة النكراء نكسة، والثورة البيضاء مؤامرة، والاستبداد الفج وطنية، وفداء الأوطان خيانة؛ باختصار، المحاسن نقائص والنقائص محاسن، عتمة الليل نور وديجور الظلام ضياء. ويلاحظ أنه ما يلبث أن يعمد مسئول عربي رفيع أو أحد كتبته المحظيين إلى صك وتكرار مقولة أو شعار ما حتى تتلقفها بسرعة البرق جيوش جرارة من المسئولين والإعلاميين متواضعي الفكر فيلوكونه ويترنمون به أطراف الليل وآناء النهار حتى يصبح جزءاً من الخطاب العام للدولة (وحتى المجتمع) مهما غمض معناه أو فسد مضمونه. من أمثلة ذلك في التاريخ العربي الحديث تعبيرات مثل "الاشتراكية العربية" و"اليمن السعيد" و"الثورة الخضراء" و"أخلاق القرية" و"خادم الحرمين" و"أم المعارك" و"أهل الشر" و"الأسد إلى الأبد". وكما أبان الروائي والناقد الإنجليزي جورج أورويل (1903-1950م) في مقاله الشهير عن تداعي اللغة الإنجليزية الصادر في عام 1946م، فإن استخدام التعبيرات الجاهزة يوفر الكثير من الجهد الذهني لكنه يزيغ عن المعنى جاعلاً إياه غامضًا أو غير دقيق.

هنا يتجلى كيف يمكن أن تكون "اللغة فيروساً"، بحسب الكاتب الأمريكي ما بعد الحداثي ويليام بوروز (1914-1997م)، حيث تنتقل كالعدوى من شخص للآخر وتتغذى على العقل كالطفيليات ثم تعيش وتكبر وتتوسع بشكل يبدو مستقلاً عن البشر. بإمكان الوعي أن يداوي فيروسية اللغة، لكن السلطوية تغذيها وتعظمها، وذلك بميلها إلى شح المفردات وتماثلها وتوحدها ورفض التنوع والاختلاف. ألم تر كيف تعشق كلمات مثل "إجماع" و"اصطفاف"؟ ولذلك، فإن أولى خطوات التصدي للسلطوية بكافة أشكالها يكمن في تحديها باللغة: بالإفلات من لغتها الروتينية الجوفاء، وبالإصرار على تحرير المعجم وتوسيعه. عندئذ فقط، يهلك الإنسان الدمية ويزدهر الإنسان المفكر.  


ثم هناك الخواء الذي يُملأ بالكلمات. ففي بلاد العرب كلمات تقال وتعاد على سبيل العادة والمواظبة أو التمثل والاحتذاء، لكنها لم تعد "تعني" شيئاً سوى التظاهر بوجود شيء غير موجود أو فعال. ماذا يعني، مثلاً، الإيغال في الحديث عن "الشعب" ودوره في "المسيرة الوطنية الكبرى" في حين يغيب الشعب فعلياً عن كل شيء بما فيه المشاركة في صنع القرارات التي تحدد مصيره وترسم مستقبله؟ الواقع أنه في أقطار عربية كثيرة، لم يعد هناك شعب بالمعنى السوسيولوجي للكلمة، بل مجرد أفراد، نويات منفصلة منغلقة على ذواتها الصغيرة ومحتجبة عن أي نشاط اجتماعي. وفي حين كان يتم استدعاء "الشعب" في زمن الجماهير الغفيرة لأداء دور ما في الساحات العامة - تماماً كإكسسوار المسرحيات - صار ذلك غير ضروري في عصر الإنترنت والقنوات الفضائية. إذ يكفي أن يحضر ممثلون عن الشعب على الشاشات - في صورة مقدمي البرامج والضيوف الدائمين وكلاهما منتقى بعناية - ليعبروا عن رأي الشعب ويتحدثوا باسمه. كذلك، ما معنى الحديث المكرر عن "تكريم المرأة" في مجتمعات أبوية وصائية تحرم فيه المرأة من بعض حقوقها، وتحصل على البعض الآخر بشق الأنفس؟ يفترض باللغة التعبير الصادق عن الواقع، لكن حين يحدث العكس، يشيع الاغتراب ويكتشف الناس، بوعي أو بلا وعي، أن الحقيقة لا تقبع في اللغة، بل في مكان آخر. ولذلك تزدهر اللغة العامية، أو حتى العامية السوقية، كإطار يمكن من خلاله تعويض تقاعس اللغة الرسمية، مصداقاً لقول الشاعر: أنا المنفي في لغتي .. باللغة انتقمت من الغياب.

            في مقابل التكرار المخل، ثمة فقر لغوي صارخ، ومفردات وعبارات تكاد أن تكون ممنوعة من التداول، وبيئة سياسية وثقافية لا تحض على الخيال والابتكار في مجال اللغة والخطاب. مسترجعاً ذكرياته أثناء الحكم الفاشي لإيطاليا، يحكي الفيلسوف والروائي أومبرتو إيكو (1932-2016م) أنه تصفح جرائد الصباح عشية سقوط موسوليني في عام 1943م، ففوجيء - ببراءة الأطفال - بقراءة مفردات لم يسبق له أن سمعها من قبل، مثل "الحرية" و"الديكتاتورية". بالمثل، وبعد مرور سبع عقود ونيف على سقوط الفاشية في أوروبا، توجد دول عربية لا تتداول فيها تقريباً كلمات مثل "الديمقراطية" و"المجتمع المدني" و"حقوق الإنسان"، وإن ذكرت، فإن ذلك يدور في إطار من الاستقباح والاستهزاء، لا المدح والاستحسان. وتجديد الفكر واللغة، بالمثل، إما ممنوع أو محدود في علوم الدين، اتكاءاً على قواعد فقهية راسخة تقدس اللفظ القديم بحذافيره مثل "لا اجتهاد مع النص" و"العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب".   

ولا يقتصر الإملاق اللغوي على متون اللغة السياسية أو الدينية، بل انبسطت أجنحته على اللغة الاجتماعية أيضاً. فالمتابع للبرامج الفنية والرياضية العربية، لا يرى لغة حية نابضة، بل كلمات وجمل مستهلكة وصور مقولبة تكررت على ألسنة المضيفين والضيوف آلاف المرات، عقوداً وراء عقود، ولا تعبر عن المقصود بأفضل طريقة أو حتى لا تعني في حقيقة الأمر أي شيء على الإطلاق. لقد تقلص بلا شك حجم معجم اللغة الاجتماعية الفصيحة ونقص عدد المضطلعين بها والمتمكنين منها. خذ/ي كمثال كلمة "مكتبة" التي باتت تستعمل للإشارة إلى ثلاثة أشياء مختلفة: المكتبة العامة أو الجامعية؛ ومتجر بيع الكتب؛ وحانوت الأدوات الدراسية (حيث تباع الأقلام والكراريس)، في حين أن في الإنجليزية كلمة مختلفة لكل منها (library-bookstore-stationary). كذلك تستعمل كلمة "مطعم" ككلمة جامعة، أو وعاء عام يشمل أشياءاً مختلفة. العلة ليست في فصاحة اللغة العربية التي يوجد في دوحتها مترامية الأطراف ومرعاها الخصيب ما يفيد الغرض ويزيد (مثلاً: قرطاسية - مقصف)، ولذلك قال حافظ إبراهيم على لسانها: أنا البحر في أحشائه الدر كامن. ولكن العلة تكمن في التفكير الذي تعطل، والببغائية التي استشرت، واللغة التي ضاقت علينا بما رحبت. يتسق هذا مع ما طرحه عالم اللسانيات البريطاني بازيل بيرنشتاين (1924-2000م) من تمييز بين شفرتين لغويتين: "الكود المفصل"، حيث اللغة واسعة وخصبة ومترابطة ومعبرة؛ و"الكود المحدود" حيث المعجم مسلوب الخصب واللغة ضعيفة ومفككة وتراكيبها عاجزة عن التعبير.


ومن علامات فساد اللغة العربية، أيضاً، ذلك الولع الشديد بالسجع، والنزعة المستمرة إلى الإفراط في استخدامه ولو جاء على حساب المعنى. هذا نتاج إرث قديم امتدت ظلاله حتى عصرنا الحاضر. فالأمثال الشعبية وعناوين أغلب الكتب القديمة (وحتى نصوصها) اتخذت هذا المنحى، بما فيها تلك الحديثة نسبياً، أي الصادرة في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين (مثل "تخليص الإبريز في تلخيص باريز" للطهطاوي و"البيان في الإنجليز والأفغان" لجمال الدين الأفغاني و"طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد" لعبد الرحمن الكواكبي). الأزمة في التراكيب السجعية أن القائل والسامع يطربان للإيقاع والنغم دون الالتفات لفساد المعنى. وإلا كيف يمكن أن نفسر انتشار شعار مثل "الحجاب قبل الحساب"، والذي يفتقر لأي قوة إقناعية أو أساس معرفي سواء أكانت مرجعيتنا دينية أو قانونية أو منطقية؟ من أمثلة ذلك أيضاً القول أن صراعنا مع إسرائيل "صراع وجود لا حدود"، وكذلك، من عالم الأمثال الشعبية، الزعم أن "ضرب الحبيب مثل أكل الزبيب" وأن "العلم في الراس مش في الكراس" (ومقابلها بالفصحي "العلم في الصدور وليس في السطور"). بالتكرار، جيلاً وراء جيل، يودي الولع بالسجع إلى منزلق التفكير بالسجع، فلكل موقف أو حدث طازج إجابة معلبة جاهزة ذات جرس موسيقي أخاذ ونافذ، لكنها متهافتة المعنى وضعيفة الحجة وسيئة العقبى.   

إلام تشير كل هذه الأنساق والأمثلة؟ تشير إلى أن لغتنا غنية ورحبة - وقد وصفها السلف من أهل البيان باللغة الإعجازية - لكن تفكيرنا ضيق ومهلهل، سادر في غياهب التقليد، موغل في الشكل وتائه عن المعنى. كما تشير إلى أن ثمة ميراثاً ثقافياً وواقعاً سياسياً أسهما في إفساد اللغة عبر إحلال التكرار والمحاكاة محل التفكير والابتكار. هكذا السلطة، بمقدورها التلاعب باللغة بغية تضليل الوعي وترويج المغالطات وتجميل القبائح ونسيان الماضي وتبرير الأخطاء وإيجاد كباش فداء. وبالتبعة، أدى فساد اللغة وقصور التفكير إلى إعادة إنتاج الواقع البائس. فاللغة يمكن أن تستخدم لكل من الإظهار والإخفاء، لتحفيز التفكير ولتثبيطه، لإيقاظ الوعي ولإنامته. والاختيار لنا: فإما لغة نتحرر بها ونعلو وإما لغة نُستَعبد بها ونهوي.    

 

د. نايل شامة

Tuesday, December 29, 2020

ميت غمر .. رسوب الحداثة في مصر

 


يمكن النظر إلى وقائع ما جرى منذ بضعة أسابيع في مدينة ميت غمر باعتباره خبراً عادياً، مجرد موجة أخرى في تيار الحياة الجاري بلا هوادة. لكن يمكن أيضاً التأمل فيه ملياً، وحينها - ربما - يتضح أنه مؤشر على ظواهر أكبر ومعانٍ أعمق مما يبدو للوهلة الأولى، بل ومن يدري؛ فلعل مزيد من التأمل المستبصر في موارد الأمور يكشف أن الواقعة محل النظر مرآة تعكس بجلاء تاريخ مصر الحديث برمته، طموحه الرحيب ومأزفه العتيد. في المدينة الصغيرة الكائنة بمحافظة الدقهلية، وقع حدث اعتيادي، أو صار اعتيادياً في مصر: تحرش مجموعة من الشباب بفتاة جامعية. لكن الناجية هذه المرة سارعت بتقديم بلاغ إلى الشرطة، فأجريت التحريات، وفُحصت الكاميرات، واستجوب الشهود، وضُبط المتهمون.

ماذا في ذلك الحدث المألوف يستدعي النظر أو التفكير؟ لا مفر من عودة خاطفة إلى أوراق التاريخ لتبيان المعنى والمغزى.

في تاريخ مصر الحديث، ليس هناك أكثر محورية ومصيرية من القرن التاسع عشر، عصر الأسئلة الكبرى وجسر التحولات العظمى. على حافته وفدت الحملة الفرنسية بالمدافع والعلماء وصدمة التحرر من الوهم؛ وفي مستهله شرع محمد علي باشا في إنشاء الدولة الحديثة، بالجيش النظامي والدواوين والمطبعة والبعثات التعليمية؛ وفي نهايته رست بوارج الاحتلال البريطاني على شواطئ الإسكندرية. في القرن التاسع عشر، دلف المجتمع المصري إلى العصر الحديث بعد قرون من التخلف الحضاري تحت سبات الحكم العثماني، فانقلبت أحواله بغتة رأساً على عقب: ولدت هياكل اجتماعية جديدة، كالمدارس والوزارات والمحاكم الأهلية والأحزاب السياسية والنقابات المهنية؛ وانبلج البرلمان والدستور والانتخابات؛ وبزغت مفاهيم جديدة مثل الوطن والشعب والمواطن والطبقة (ولاحقاً الديمقراطية والعلمانية)؛ وانبثقت مهن لم تكن معروفة من قبل، مثل المدرس (بعد مزاحمة المدارس الحديثة للكتاتيب) والصحفي (بعد اختراع الطباعة وصدور الصحف) والمحامي والقاضي (بعد كسر احتكار المحاكم الشرعية للعملية القضائية).          

إذن، بعد قرون طوال من العيش في ظل مجتمع تقليدي مستقر، اجتاحت مصر رياح التحديث العاتية ودارت دواماتها بالطول والعرض لتلون كافة مناحي الحياة. استدعى التغيير في البنى المادية المشار إليها آنفاً بدوره تغييراً في القيم المعنوية والتصورات الذهنية. لكن مصر نجحت بمقدار في الأولى وتعثرت بمقادير في الثانية. ذلك أن التحديث (modernization) الذي هو ابن الحداثة (modernity) إنما هو، في لبابه، اكتشافات علمية وميكنة صناعية ومؤسسات تعليمية وهياكل سياسية، لكنه أيضاً، كتفاً لكتف، قيم ومعانٍ. وقد كان من سمت الحداثة أن تمت ترجمة قيمها الرئيسية، مثل الحرية والعقلانية والفردانية والنقد الذاتي، في صورة قوانين وتشريعات استبدلت بالذنب الديني فلسفة الخطأ والعقوبة. المراد أن التحديث تدرع بالقانون، فصار الأخير البوصلة والمرجع والحكم، ينصاع إليه الجميع بلا جلبة أو ازدراء. وإن عنَّ لأحد أن يعترض على تشريع ما، وهو حق، حدث ذلك من داخل إطار القانون وبآلياته، إما بمحاولة تعديله أو إعادة تفسيره.

الدولة الحديثة والقانون وحرية الفرد هم بيت القصيد في البون الشاسع بين المجتمع الحديث والمجتمع التقليدي. ففي المجتمع ما قبل الحديث، عمت السيولة التنظيمية وغابت صرامة القانون من ناحية، وهيمن التحجر الاجتماعي والثقافي من ناحية أخرى. تقلص إجمالاً نطاق الدولة (التي لم تكن حتى حدودها قد رُسمت بدقة)، فالسلطة موزعة بين الأمراء وزعماء الطوائف وشيوخ العشائر وكبراء العائلات؛ واستبدل بعقل الفرد عقلية الجماعة؛ وهيمنت على التعاملات مفاهيم التراتبية والطاعة والامتثال لا المساواة والاستقلال والتجديد؛ وصارت التركيبة البطريركية الوصائية السلطوية، بفعل التكرار والاجترار، شعبة من شعب الإيمان يخر لها الجميع سجدا. جملة الحال، لم يكن آنذاك ثمة ذاتية ولا حرية ولا نقد ذاتي. ويمكن عموماً تلخيص النقلة الحضارية الهائلة على النحو التالي: في المجتمع الحديث تسود المتتابعة الخطية العقل-المصلحة-الدولة-القانون-النقد الذاتي، فيما طغت قديماً المتوالية الدائرية اللاعقل-العاطفة-الانتماء التقليدي-العرف.

خمسمائة عام حافلة من تاريخ الإنسانية أثبتت أن الحداثة - على علاتها - ليست اختياراً ولا ترفاً، بل نمط حضاري نفذ سهمه وسيرورة تاريخية لا فكاك من استيعابها والاندماج في طياتها. وحتى تتأصل الحضارة الحديثة في مجتمع ما وتنبت من كل زوج بهيج، يجب أن تفرض وجودها كالحقيقة الأولى من بين كل الحقائق، كالمرجعية الأولى من بين كل المرجعيات. وكيما يحدث ذلك، ينبغي أن يترسخ القانون في الأعماق وأن يمتثل له الجميع، سراً وجهراً، دون نصب الغوائل أو تربص الدوائر. ذلك أن ذهاب القانون يعود بالمجتمع أدراج البلبلة الأولى. أما تصور أن الدولة والمجتمع يمكنهما أن يقفا على قدميهما ويحلقا بدون القانون، فمحض وهم. تماماً كما هو محال أن تنطلق سيارة دون إطارات، ولو امتلكت أفضل المحركات وأجهزة الملاحة. ولذلك فإن أفول القانون في العصر الحديث، كمرجعية مجتمعية وقيمة عليا، يعود بالناس إلى ناموس المجتمعات التقليدية حيث يتحيزون لدوائرهم الاجتماعية، فهي العزوة والسند، ويأنسون إلى أهوائهم وخطرات قلوبهم، ويوغلون في أنماط سلوكهم ومشاربهم العهيدة، ويرتشفون من كأس التقليد ثمالته.

هذا ما رأيناه متجسداً في ميت غمر التي ثارت ثائرتها عقب واقعة التحرش. فبعد أن قامت قوات إنفاذ القانون والنيابة بدورهما في ضبط المتهمين والتحقيق معهم، انفلت لجام الجميع مستخدمين حفنة من الذرائع والحجج الواقعة جملة وتفصيلا خارج نطاق القانون بل والمناقضة له. فأهالي المتهمين طالبوا بعدم القضاء على "مستقبل أولادهم"، وآخرون كثر ادعوا أن الفتاة "استفزت" الشباب وأنها ارتدت ملابس "غير لائقة"، ومحامي أحد المتهمين شدد على أننا مجتمع شرقي وأن النساء عليهم "الحفاظ على القيم الأخلاقية والإسلامية" وألا "يتجاوزن حدودهن"، فيما أشار محام آخر إلى أن صور الفتاة على حساباتها الإليكترونية "تغرر" بالشباب "الذين بلغوا للتو"، وجموع من المواطنين أثار حنقهم القبض على المتهمين فانطلقوا يكيلون للفتاة الشتائم والاتهامات. ثم ثار جدال واسع على مواقع التواصل الاجتماعي حول ما إذا كانت ملابس النساء وطريقة كلامهن ومشيهن تبرر التحرش الجنسي أم لا. 

جرياً على نفس النسق، وقبل واقعة ميت غمر بأسابيع قليلة، كان مدير منطقة آثار سقارة قد صرح أن الصور التي التقطت لإحدى عارضات الأزياء في المنطقة وتم بموجبها تحويلها للنيابة "لا تليق بالحضارة المصرية ولا وضع الآثار"، وأنها تعد "ازدراءً للحضارة المصرية القديمة". وعن نفس الواقعة، عقب العالم الأثري ووزير الدولة السابق لشئون الآثار زاهي حواس أن "الفستان غير لائق ولا يليق بهرم عمره 5000 سنة".  

وتصل المفارقة إلى أوج وضوحها في كلمات أمين مساعد أمانة المرأة (عن حزب مستقبل وطن) بمحافظة الدقهلية التي شاركت في حملة الهجوم على الفتاة، حيث كتبت على صفحتها على فيسبوك أن وظيفتها "تهذيب أخلاق" النساء، وأن سبب المشكلة هو "استهتار الفتاة بملابسها المثيرة"، الأمر الذي أدى بشكل مباشر لتحرش الفتيان بها. منبع المفارقة أن هذه المرأة ما كانت لتصل إلى موقعها الحالي إلا بالتحديث، فظهور الأحزاب السياسية وانتشار تعليم الفتيات وسموق مفهوم حقوق المرأة كلها نواتج مباشرة لعملية التحديث، ومع ذلك فإنها استنامت، بالسطح الشعوري أو العمق اللاشعوري، إلى عقلية عصر ما قبل الحداثة وسيادة القانون.     

لا ريب أن التعثر الذي طال عملية التحديث في بلادنا له أكثر من أب. من ناحية، وإذا كانت العملية قد بدأت على يد الدولة، فإن النكوص عنها أيضاً جرى على يد الدولة. بحثاً عن شرعية مفقودة، لم تفتأ الدولة - بالخطاب والممارسة - تبني جسوراً مع التقليد وتحفر خنادقاً مع الحداثة. يستوي في ذلك الإلحاح في الإشارة، عبر العقود، إلى "أخلاق القرية" و"الرئيس المؤمن" و"القائد الأب" و"أهلي وعشيرتي" وقانون العيب وقيم الأسرة، فكلها تعبيرات تشف عما تحتها من منطق لاحداثي. كما تغلغلت في مدونة سلوكها قيم الأبوية والذكورية والزعامة والإكراه والشللية والزبائنية والتوريث والولاء والغضب والثأر. باختصار، باتت "السياسة أقوى من الحداثة" (وهو عنوان كتاب صدر منذ سنوات للباحثة في علم الاجتماع دلال البزري). وعلى العكس من النموذج الأوروبي، غابت اجتماعياً الطبقة-القاعدة القادرة على دفع العملية للأمام والدفاع عنها عند الحاجة، واتسم سلوك سدنة مشعل الحداثة من المثقفين بالنخبوية وممالأة السلطة وهجران الواقع بل وحتى خيانة القيم التي يدعون حمايتها من الأساس. وزاد الطين بلة إخفاق الحركة الإسلامية، على اختلاف مشاربها ومسالكها، في التعاطي مع تحدي الحداثة "الدخيلة"، واستنادها بالكلية تقريباً على منطق وقيم ولغة تجافي منطقها. وما الحديث المكرر عن الخلافة والأمة والجهاد إلا عزفاً على نفس اللحن. وإذ قضى كل إربه وتزاوجت الانتهازية مع العنف مع مزيج متضاد من النزعة التطهيرية والعدمية الأخلاقية، أفضت كل تلك الأوضاع مجتمعة إلى قيام عصر ما يسمى أحياناً "بالعصور الوسطى الجديدة".

ثقافياً، استحكمت حلقات الجهل، إذ استمرت غلبة الحفظ على الفهم والملاحظة والتجريب، واتسعت شقة الخلاف بين النص والواقع، وزادت سطوة ما رث من التراث بالمقارنة بنهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. فبعد أن كان طه حسين هو "أبو الحداثة العربية" في الثقافة والنقد، صارت مؤلفات الشيخين متولي الشعراوي وعائض القرني هي الأكثر مبيعاً في مصر والمنطقة العربية. ويلاحظ في واقعة ميت غمر أن أغلب المدافعين عن المتهمين هم من خريجي الجامعات، بل إن المتهمين أنفسهم طلاب في مدارس وكليات حديثة. هذا التعليم هو أحد الآثار المباشرة للحداثة، لكن كل هؤلاء، كما هو واضح، لم يغن عنهم تعليمهم شيئاً، ولم يدنهم قيد أنملة من روح الحداثة. وفيما انبرى هؤلاء بغضب وارتياع وحمية للتدقيق والتمحيص فيما يلبس النساء في غدوهن ورواحهن، نراهم لاهين غافلين ساهين عن واقع مزرٍ يغلف حياتهم مكانياً من قمة الهامة حتى أخمص القدم، وزمانياً من المهد إلى اللحد. هل تنطبق على هذا المقام كلمات الكاتب جلال عامر الدالة حين كتب عن "مجتمع لا يهمه الجائع إلا إذا كان ناخباً، ولا يهمه العاري إلا إذا كانت إمرأة"؟

ميت غمر ليست بالطبع استثناءً، بل قاعدة، فحالها حال كل المدن المصرية بما فيها القاهرة، بل وكل المدن العربية. والواقع أن الأزمة هنا عميقة ومتعددة المستويات. أولها أزمة أن يوجد في خضم القرن الحادي والعشرين مجتمع لم يدخل العصر الحديث أو يبرح العصر القديم بعد. وثانيها أن يصل التناقض بين الواقع والعقل، بين العمارة الخارجية والبنية الداخلية، إلى درجة أن تكون السيارات والحاسوبات والهواتف الذكية في متناول الجميع، بينما لا يزال العقل يفكر بمنطق قرنين أو أكثر مضيا، أو كما قال نزار قباني: خلاصة القضية، توجز في عبارة، لقد لبسنا قشرة الحضارة والروح جاهلية. ولذلك استفاض الباحثون في شرح أن الحداثة في البلاد العربية ما هي إلا حداثة خلاسية (أي هجينة) أو ماسخة أو رثة. أما ثالثة الأثافي، وما يزيد من وطأة الإحساس بالأزمة، فهي غياب كل من مقومات الحداثة المادية والمعنوية ولو لمعت ظواهرها، فالعقل الحداثي غائب والمنتوجات الحداثية التي في أيدي الكافة هي من اختراع وصناعة الآخر.

فصل الخطاب أنه ليس في مصر المعاصرة حضارة، بل محض ثقافة أو ثقافات، موسومة بالضعف والهزال. تلك هي المسألة.    

 

د. نايل شامة    

 

* نُشر هذا المقال أولاً على موقع "مدينة" بتاريخ 28 ديسمبر 2020.

* الصورة: حسن إبراهيم.