Showing posts with label the Arab world. Show all posts
Showing posts with label the Arab world. Show all posts

Thursday, February 18, 2021

لغتنا الجميلة .. لغتنا الفاسدة

 

          حين سئل الفيلسوف الصيني الكبير كونفوشيوس قبل ألفي وخمسمائة عام عما كان سيفعل لو كان حاكماً للبلاد، أجاب بوضوح وحسم: سأصلح اللغة. واستطرد موضحاً: إذا كانت اللغة غير سليمة، فإن ما يقال ليس ما هو مقصود، وإذا كان ما يقال ليس ما هو مقصود، فإن ما يجب أن يُفعل لا يُفعل، وإذا حدث ذلك، تتدهور الأخلاق والآداب، وتضل العدالة السبيل، ويصيب الناس حالة من الارتباك العاجز. والحق أن المرء يحار حين يتأمل تدهور أحوال اللغة العربية المعاصرة ما بين ميل إلى الاعتقاد بأن فساد الواقع هو الذي عاث في اللغة فساداً وميل مضاد يرى أن فساد اللغة هو الذي ألحق ضرراً بالواقع، وهي حيرة يعقبها غالباً استدراك بأن المسألة برمتها ما هي إلا جدلية دائرية الحركة: واقع أفسد تهتكه اللغة، ولغة مبتذلة تعيد إنتاج تهتك الواقع. 

            غني عن البيان أن أهمية اللغة لا تكمن فقط في أنها اداة للتعبير ووسيلة للتواصل بين الناس، بل أيضاً في كونها - قبل أي شيء - وسيلة للتفكير والفهم والتأمل في أمر الذات والمجتمع والكون. وبالتالي، فحين تكون اللغة فقيرة وخاملة أو آلية وارتجاعية، وحين تكون مترعة بالعبارات الجاهزة والقوالب المعتادة والتعبيرات النمطية، فإنها تُفقد العقل وظائف التأمل والتفكير والإبداع وتدفع به نحو فخاخ الإلقاء والمحاكاة والتكرار. بعبارة أخرى، هنا لا يفكر العقل تماماً، بل يستدعي من مخزونه القائم ألفاظاً وأفكاراً ويعيد ويزيد ويكرر في استعمالها، كالحمار يحمل أسفاراً. أيضاً، حين تفقد اللغة وضوحها وصفاءها، يسهل استخدامها كأداة للتلاعب بالعقول وتضليل الوعي واستبدال ما هو واقعي وحقيقي بما هو متصور ووهمي. ومن البديهي، كذلك، أنه في حين أن واقعنا العربي - السياسي والاجتماعي والثقافي - يتغير بسرعة هائلة في عصر العولمة وثورات الاتصالات ونظم المعلومات، فإن تحجر اللغة وغموضها يبقي العقل متأخراً ومنفصلاً عما يدور في العالم وعاجزاً عن اللحاق بركبه. وبالطبع، فإن لكل ذلك تأثيراً ملموساً على الهوية. ألم يكتب محمود درويش: من أنا؟ أنا لغتي أنا.

            فساد اللغة في الفضاءين السياسي والثقافي العربي واضح لكل عينين مدققتين. على المنابر والقنوات وصفحات القرطاس، ثمة كلمات وتعبيرات لا تعكس معانيها، بل يقصد بها معان أخرى، وكلمات أخرى مائعة لا تعني شيئاً محدداً أو لا تعني شيئاً على الإطلاق، وأخرى تحتفي بالنظم والنغم على حساب المعنى. مغبة كل ذلك هي نزع المعرفة عن اللغة وتحويلها إلى محض أداة استعمالية لتحقيق أهداف وحصد مغانم. الأمثلة في تاريخنا المعاصر لا تحصى كثرة. مثلاً، إلحاح الأنظمة العربية التقدمية في خمسينات وستينات القرن العشرين في الحديث عن "الحرية" ترافق مع مغيب الحريات واستشراء القمع. كان المقصود بالحرية شيئاً آخر هو "الاستقلال"، أي الاستقلال عن الاستعمار والقوى الدولية، وليس الحرية بأي معنى سياسي أو اجتماعي. في نفس المرحلة المترعة بالهزائم العسكرية، انتشرت كلمة "نصر" في كل مكان، شعاراً في خطب الزعيم وبرامج الأثير ومناهج التعليم واسماً معلقاً على واجهات المتاجر والشركات الحكومية ومناسبة لاحتفالات سنوية صاخبة. وعلى نفس النحو، وبعدما انقلبت الموازين وتبدلت الشخوص، ذاعت كلمة "السلام" من السبعينات فصاعدا، على خلفية استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية وضم الجولان وغزو لبنان وقصف العراق وتونس. مفارقة هي إذن لا يضاهيها سوى الكلام المتكرر عن "الجماهير" فيما سمي تندراً "جمهوريات بلا جماهير". هذه تناقضات تثير التساؤل: هل حقاً تنبع كل المشاكل، كما كتب ألبير كامو في رواية "الطاعون"، من الفشل في استخدام لغة جلية وواضحة؟


بأية حال، نزفت اللغة على مذبح السياسة ومصالحها وأيديولوجيتها، فالهزيمة النكراء نكسة، والثورة البيضاء مؤامرة، والاستبداد الفج وطنية، وفداء الأوطان خيانة؛ باختصار، المحاسن نقائص والنقائص محاسن، عتمة الليل نور وديجور الظلام ضياء. ويلاحظ أنه ما يلبث أن يعمد مسئول عربي رفيع أو أحد كتبته المحظيين إلى صك وتكرار مقولة أو شعار ما حتى تتلقفها بسرعة البرق جيوش جرارة من المسئولين والإعلاميين متواضعي الفكر فيلوكونه ويترنمون به أطراف الليل وآناء النهار حتى يصبح جزءاً من الخطاب العام للدولة (وحتى المجتمع) مهما غمض معناه أو فسد مضمونه. من أمثلة ذلك في التاريخ العربي الحديث تعبيرات مثل "الاشتراكية العربية" و"اليمن السعيد" و"الثورة الخضراء" و"أخلاق القرية" و"خادم الحرمين" و"أم المعارك" و"أهل الشر" و"الأسد إلى الأبد". وكما أبان الروائي والناقد الإنجليزي جورج أورويل (1903-1950م) في مقاله الشهير عن تداعي اللغة الإنجليزية الصادر في عام 1946م، فإن استخدام التعبيرات الجاهزة يوفر الكثير من الجهد الذهني لكنه يزيغ عن المعنى جاعلاً إياه غامضًا أو غير دقيق.

هنا يتجلى كيف يمكن أن تكون "اللغة فيروساً"، بحسب الكاتب الأمريكي ما بعد الحداثي ويليام بوروز (1914-1997م)، حيث تنتقل كالعدوى من شخص للآخر وتتغذى على العقل كالطفيليات ثم تعيش وتكبر وتتوسع بشكل يبدو مستقلاً عن البشر. بإمكان الوعي أن يداوي فيروسية اللغة، لكن السلطوية تغذيها وتعظمها، وذلك بميلها إلى شح المفردات وتماثلها وتوحدها ورفض التنوع والاختلاف. ألم تر كيف تعشق كلمات مثل "إجماع" و"اصطفاف"؟ ولذلك، فإن أولى خطوات التصدي للسلطوية بكافة أشكالها يكمن في تحديها باللغة: بالإفلات من لغتها الروتينية الجوفاء، وبالإصرار على تحرير المعجم وتوسيعه. عندئذ فقط، يهلك الإنسان الدمية ويزدهر الإنسان المفكر.  


ثم هناك الخواء الذي يُملأ بالكلمات. ففي بلاد العرب كلمات تقال وتعاد على سبيل العادة والمواظبة أو التمثل والاحتذاء، لكنها لم تعد "تعني" شيئاً سوى التظاهر بوجود شيء غير موجود أو فعال. ماذا يعني، مثلاً، الإيغال في الحديث عن "الشعب" ودوره في "المسيرة الوطنية الكبرى" في حين يغيب الشعب فعلياً عن كل شيء بما فيه المشاركة في صنع القرارات التي تحدد مصيره وترسم مستقبله؟ الواقع أنه في أقطار عربية كثيرة، لم يعد هناك شعب بالمعنى السوسيولوجي للكلمة، بل مجرد أفراد، نويات منفصلة منغلقة على ذواتها الصغيرة ومحتجبة عن أي نشاط اجتماعي. وفي حين كان يتم استدعاء "الشعب" في زمن الجماهير الغفيرة لأداء دور ما في الساحات العامة - تماماً كإكسسوار المسرحيات - صار ذلك غير ضروري في عصر الإنترنت والقنوات الفضائية. إذ يكفي أن يحضر ممثلون عن الشعب على الشاشات - في صورة مقدمي البرامج والضيوف الدائمين وكلاهما منتقى بعناية - ليعبروا عن رأي الشعب ويتحدثوا باسمه. كذلك، ما معنى الحديث المكرر عن "تكريم المرأة" في مجتمعات أبوية وصائية تحرم فيه المرأة من بعض حقوقها، وتحصل على البعض الآخر بشق الأنفس؟ يفترض باللغة التعبير الصادق عن الواقع، لكن حين يحدث العكس، يشيع الاغتراب ويكتشف الناس، بوعي أو بلا وعي، أن الحقيقة لا تقبع في اللغة، بل في مكان آخر. ولذلك تزدهر اللغة العامية، أو حتى العامية السوقية، كإطار يمكن من خلاله تعويض تقاعس اللغة الرسمية، مصداقاً لقول الشاعر: أنا المنفي في لغتي .. باللغة انتقمت من الغياب.

            في مقابل التكرار المخل، ثمة فقر لغوي صارخ، ومفردات وعبارات تكاد أن تكون ممنوعة من التداول، وبيئة سياسية وثقافية لا تحض على الخيال والابتكار في مجال اللغة والخطاب. مسترجعاً ذكرياته أثناء الحكم الفاشي لإيطاليا، يحكي الفيلسوف والروائي أومبرتو إيكو (1932-2016م) أنه تصفح جرائد الصباح عشية سقوط موسوليني في عام 1943م، ففوجيء - ببراءة الأطفال - بقراءة مفردات لم يسبق له أن سمعها من قبل، مثل "الحرية" و"الديكتاتورية". بالمثل، وبعد مرور سبع عقود ونيف على سقوط الفاشية في أوروبا، توجد دول عربية لا تتداول فيها تقريباً كلمات مثل "الديمقراطية" و"المجتمع المدني" و"حقوق الإنسان"، وإن ذكرت، فإن ذلك يدور في إطار من الاستقباح والاستهزاء، لا المدح والاستحسان. وتجديد الفكر واللغة، بالمثل، إما ممنوع أو محدود في علوم الدين، اتكاءاً على قواعد فقهية راسخة تقدس اللفظ القديم بحذافيره مثل "لا اجتهاد مع النص" و"العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب".   

ولا يقتصر الإملاق اللغوي على متون اللغة السياسية أو الدينية، بل انبسطت أجنحته على اللغة الاجتماعية أيضاً. فالمتابع للبرامج الفنية والرياضية العربية، لا يرى لغة حية نابضة، بل كلمات وجمل مستهلكة وصور مقولبة تكررت على ألسنة المضيفين والضيوف آلاف المرات، عقوداً وراء عقود، ولا تعبر عن المقصود بأفضل طريقة أو حتى لا تعني في حقيقة الأمر أي شيء على الإطلاق. لقد تقلص بلا شك حجم معجم اللغة الاجتماعية الفصيحة ونقص عدد المضطلعين بها والمتمكنين منها. خذ/ي كمثال كلمة "مكتبة" التي باتت تستعمل للإشارة إلى ثلاثة أشياء مختلفة: المكتبة العامة أو الجامعية؛ ومتجر بيع الكتب؛ وحانوت الأدوات الدراسية (حيث تباع الأقلام والكراريس)، في حين أن في الإنجليزية كلمة مختلفة لكل منها (library-bookstore-stationary). كذلك تستعمل كلمة "مطعم" ككلمة جامعة، أو وعاء عام يشمل أشياءاً مختلفة. العلة ليست في فصاحة اللغة العربية التي يوجد في دوحتها مترامية الأطراف ومرعاها الخصيب ما يفيد الغرض ويزيد (مثلاً: قرطاسية - مقصف)، ولذلك قال حافظ إبراهيم على لسانها: أنا البحر في أحشائه الدر كامن. ولكن العلة تكمن في التفكير الذي تعطل، والببغائية التي استشرت، واللغة التي ضاقت علينا بما رحبت. يتسق هذا مع ما طرحه عالم اللسانيات البريطاني بازيل بيرنشتاين (1924-2000م) من تمييز بين شفرتين لغويتين: "الكود المفصل"، حيث اللغة واسعة وخصبة ومترابطة ومعبرة؛ و"الكود المحدود" حيث المعجم مسلوب الخصب واللغة ضعيفة ومفككة وتراكيبها عاجزة عن التعبير.


ومن علامات فساد اللغة العربية، أيضاً، ذلك الولع الشديد بالسجع، والنزعة المستمرة إلى الإفراط في استخدامه ولو جاء على حساب المعنى. هذا نتاج إرث قديم امتدت ظلاله حتى عصرنا الحاضر. فالأمثال الشعبية وعناوين أغلب الكتب القديمة (وحتى نصوصها) اتخذت هذا المنحى، بما فيها تلك الحديثة نسبياً، أي الصادرة في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين (مثل "تخليص الإبريز في تلخيص باريز" للطهطاوي و"البيان في الإنجليز والأفغان" لجمال الدين الأفغاني و"طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد" لعبد الرحمن الكواكبي). الأزمة في التراكيب السجعية أن القائل والسامع يطربان للإيقاع والنغم دون الالتفات لفساد المعنى. وإلا كيف يمكن أن نفسر انتشار شعار مثل "الحجاب قبل الحساب"، والذي يفتقر لأي قوة إقناعية أو أساس معرفي سواء أكانت مرجعيتنا دينية أو قانونية أو منطقية؟ من أمثلة ذلك أيضاً القول أن صراعنا مع إسرائيل "صراع وجود لا حدود"، وكذلك، من عالم الأمثال الشعبية، الزعم أن "ضرب الحبيب مثل أكل الزبيب" وأن "العلم في الراس مش في الكراس" (ومقابلها بالفصحي "العلم في الصدور وليس في السطور"). بالتكرار، جيلاً وراء جيل، يودي الولع بالسجع إلى منزلق التفكير بالسجع، فلكل موقف أو حدث طازج إجابة معلبة جاهزة ذات جرس موسيقي أخاذ ونافذ، لكنها متهافتة المعنى وضعيفة الحجة وسيئة العقبى.   

إلام تشير كل هذه الأنساق والأمثلة؟ تشير إلى أن لغتنا غنية ورحبة - وقد وصفها السلف من أهل البيان باللغة الإعجازية - لكن تفكيرنا ضيق ومهلهل، سادر في غياهب التقليد، موغل في الشكل وتائه عن المعنى. كما تشير إلى أن ثمة ميراثاً ثقافياً وواقعاً سياسياً أسهما في إفساد اللغة عبر إحلال التكرار والمحاكاة محل التفكير والابتكار. هكذا السلطة، بمقدورها التلاعب باللغة بغية تضليل الوعي وترويج المغالطات وتجميل القبائح ونسيان الماضي وتبرير الأخطاء وإيجاد كباش فداء. وبالتبعة، أدى فساد اللغة وقصور التفكير إلى إعادة إنتاج الواقع البائس. فاللغة يمكن أن تستخدم لكل من الإظهار والإخفاء، لتحفيز التفكير ولتثبيطه، لإيقاظ الوعي ولإنامته. والاختيار لنا: فإما لغة نتحرر بها ونعلو وإما لغة نُستَعبد بها ونهوي.    

 

د. نايل شامة

Wednesday, December 16, 2020

المؤرخون العرب الجدد: ألم يئن الأوان؟

 

             منذ ثلاثين عاماً ونيفاً، بزغت في إسرائيل مجموعة من الكتابات التاريخية التي سعى مؤلفوها إلى إعادة قراءة وكتابة تاريخ إسرائيل وتاريخ الصراع العربي-الإسرائيلي بعين نقدية ومقاربة استقامت على مقتضى الأمانة المهنية والصلابة المنهجية. كان هدف هذه الجماعة من المؤلفين - التي ضمت أسماء لامعة مثل أفي شلايم وإيلان بابيه وبيني موريس - هو تلافى جملة الانحيازات والضغوط والإغواءات التي طبعت نظرة التيار الرئيسي لأجيال المؤرخين والكتاب السابقين. بمرور السنوات، انضمت إليهم في ذات المنحي طائفة من حملة المحابر من علماء السياسة والاجتماع والأدباء والنقاد، والذين أطلق عليهم - مجتمعين - تعبير "المؤرخين الجدد".

           في نفس الفترة الزمنية التي انصب عليها اهتمام هؤلاء المثقفين، أي النصف الثاني من القرن العشرين، دارت في الوطن العربي رحى أحداث جسام، مثل نكبة فلسطين وثورة يوليو وحروب الأعوام 1956م و1967م و1973م وطفرة البترودولار وغزو لبنان، وجملة من التطورات الاجتماعية والثقافية عظيمة التأثير والنطاق. على أهميتها، احتجب كنه هذه التطورات والأحداث المفصلية خلف غلائل التجاهل والنسيان والمصلحة. فالوثائق محجوبة والروايات الرسمية مثقوبة والجامعات ومراكز الفكر متوعكة والروايات المتاحة لا تشفي غلة ولا تبري علة. وكما اضطرب تاريخ الأحداث، غاب تاريخ اللغة والخطاب، وتوارى التاريخ الثقافي والأنثروبولوجي، وأفل تاريخ المهمشين والأقليات. فهل يحتاج الوطن العربي اليوم إلى قيام حركة من المؤرخين الجدد؟ أم لم يئن الأوان بعد لنفض الغبار وإماطة اللثام وبث نفثات الأقلام؟

            الواقع أن كثيراً مما استقر في الوعي الجمعي العربي عن تاريخ المنطقة الحديث - وحتى الوسيط والقديم - إما غير دقيق أو غير مكتمل أو حتى ملفق بالكلية. لا غرو في ذلك، فكثير من صحائف التاريخ كُتبت تحت ظلال العصبية الأيديولوجية أو فوق سحائب العاطفة والتفكير بالتمني أو على أسنة رماح السلطة وتحت سنابك خيلها. وبالتالي، فتاريخنا المكتوب مليء بالثقوب: ثمة أبطال منسيون وحقائق مهملة ووقائع متغافل عنها؛ وأشباح من ورق رُفعت إلى مصاف أنصاف الآلهة، وأمجاد أسطورية زاعقة صنعت بمداد لا ينقطع من الزيف والاحتيال؛ بل وسرديات كبرى محصنة، من الأساس، من التناول أو النقد. وبعيداً عن خبث القصد وسوء الطوية، يلاحظ في النظرة العامة للتاريخ في بلادنا هيمنة نزعتين رئيسيتين: 1) النظرة الأحادية النافية لكل ما عداها، فهذا يوم مجيد من أيام الأمة ولا يمكن أن يكون شيئاً غيره، وذاك ليل حالك الجلباب وليس بالإمكان أن يقال إن فيه ثمة مثقال ذرة من خير؛ 2) المبالغة في تصوير الأحداث والأبطال، فهذا ليس قائداً وطنياً فحسب، بل هو بطل الأبطال وإمام الفرسان، وهذا العدو اجتمع فيه كل شر مستطير وبلاء كبير، وهكذا دواليك (ولذلك، مثلاً، يستوي في اللاتاريخية وصف ثورة يناير 2011م بالمؤامرة مع النظر إلى ميدان التحرير كجمهورية فاضلة). وبالتكرار والاجترار جيلاً وراء جيل، صار لسرديات هذا التاريخ رسوخاً وجلالاً في ذاكرة ومخيال الجماهير. لكن هل يعبر هذا الرسوخ عن الحقيقة الحقة أو يمثلها؟ بالقطع لا، فالتكرار لا يعكس الحقيقة، والسطوة الزمنية لا تعبر بالضرورة عن العمق المعرفي، وكتابة التاريخ عملية مستمرة لا فعل منفرد يمكن الفروغ منه والركون إليه (ولذلك يتندر المؤرخون أن الماضي - كالمستقبل - لا يمكن التنبؤ به).

            ولا تكمن الثقوب في ثوب التاريخ فحسب، بل تمتد أيضاً إلى المفاهيم الرئيسية في العلوم الاجتماعية ومعانيها ومدلولاتها، والتي يعتري فهم ماهيتها في البلاد العربية الكثير من الخلط والتشويش. آية ذلك أن كثيراً من المفردات صارت تلقى جزافاً على القنوات والمنابر وصفحات القرطاس، بلا أي مضمون ذي أساس معرفي يستند إلى تعريف محدد وبنية تحليلية واضحة، وأن هناك مفردات أخرى صارت توظف حصرياً لكسب الجماهير أو لحسم معارك سياسية وأيديولوجية. من رحم هذا التبلبل الفوضوي، حار القوم في توصيف ما جرى في مصر في الخامس والعشرين من يناير لعام 2011م، مختلفين إن كان ثورة أم انقلاباً أم مجرد "أحداث" ما لا وصف لها. وكانوا قبلها قد اختلفوا أيضاً حول أمر الثالث والعشرين من يوليو لعام 1952م، وهل يعد انقلاباً أم ثورة. أيضاً، ثمة تشوش عميق يحيط بمفهوم "الدولة"، وبالتمايز بينها وبين مفاهيم الحكومة والنظام والوطن والأمة. وحتى مفهوم غير عسير الفهم مثل "حقوق الإنسان" استعصى على الأذهان وأحاط به اللبس والبهتان.

            ومع ذلك، فإن الساحة ليست مقفرة تماماً. على سبيل المثال، اجتهد المفكر الراحل عبد الوهاب المسيري (1938-2008م) لعقود طوال لتبيان أن الكيفية التي تستخدم بها - بأريحية عادة - توصيفات "يهودي" و"صهيوني" في الفضاء العام لا تصلح كإطار لإدراك الواقع اليهودي والصهيوني. كذلك يعد كتاب "كل رجال الباشا" (1997م) للمؤرخ البارز خالد فهمي محاولة جادة ورصينة لإعادة كتابة جزء من تاريخ مصر في القرن التاسع عشر، وهو ما واظب عليه فهمي بأناة ودأب في أعماله اللاحقة. وبعيداً عن الصخب الإعلامي والجدل اللجوج، تجيء - ربما - بعض تصريحات يوسف زيدان عن تاريخ القدس وسيرة صلاح الدين الأيوبي في إطار مراجعة السردية التاريخية الشائعة وتسليط الضوء على سرديات أخرى بديلة. وهناك، إضافة إلى ذلك، محاولات جادة عديدة لكنها قابعة خلف أسوار الأبحاث الأكاديمية المتخصصة، بعيداً عن الأضواء وبمنأى عن إطلاع عموم الجماهير.  

            تلك محاولات فردية محمودة، لكن الواقع المنهمر من حولنا واستشراء منظومة لامعرفية جارفة بين جنباته يتطلب جهوداً أكبر في ثلاثة مجالات على الأقل: إعادة النظر في وقائع التاريخ السياسي والاجتماعي للبلاد العربية؛ والضبط الدلالي لجملة المفاهيم والمصطلحات السابحة في سماء واقعنا الثقافي دون رابط أو وازع من فهم أو ضمير؛ وتعديل مناهج التعليم بحذف كل ما شابها من اختلاق وأخطاء وتحيز وتحامل. يجدر بهذا الجهد أن يضع نصب أعينه أمرين رئيسيين. الأول هو التركيز على تاريخ الإنسان لا تاريخ السلطات والمؤسسات والنخب والقادة فحسب، وما يتصل به من مقاربات مثل "نظرية الرجل العظيم" (Great man theory) ونظرية سمات القيادة (Trait theory). فحين يكون الهدف هو فك الارتباط بين علائق القوة والتاريخ، ومن ثم إعادة الاعتبار للإنسان، أي لجموع المنسيين الذين تهملهم عادة سرديات التاريخ التقليدي، نكون قد اكتشفنا أن تاريخنا أكبر وأعمق وأجمل من تاريخ البنى والقادة، وظفرنا بذاكرة أكثر توازناً ودقة، وحظينا على سجل باعث على الثقة في النفس والفعالية والأمل.

أما الأمر الثاني فهو التخلي في تناول التاريخ عن النظرة الأحادية للذات والمجتمع والكون. ذلك أن هذه النظرة تجتمع فيها دواعي التسلط وبواعث الاستسهال وتغيب عنها مقتضيات المنطق التاريخي. من هنا، لم يكن غريباً في الكتاب العمدة "ما التاريخ؟" أن يختار المؤرخ ذائع الصيت إدوارد كار تعبير "المؤرخ وحقائقه" (The Historian and His Facts) عنواناً لفصله الأول، وليس "المؤرخ والحقيقة" أو ما شابه. ذلك أن بحور التاريخ أوسع وأشمل من أن تضم مجرد حقيقة واحدة وسردية واحدة، وبالتالي فإن الاختيار بين لججها هو فريضة، والتجريب ووجهة النظر ضرورة، لأن التاريخ ليس محض مصفوفة من المعلومات مكومة في موسوعة لا حد لاتساعها. المؤرخ إذن لا يدور مع التاريخ اضطراراً بل يتحرك بين جنباته اختياراً. بالمثل، يجدر بنا نبذ التاريخ كأداة أو كعظة أو كدوجما، وبعث التاريخ كفلسفة وحوار وبحث عن الذات وعن المعنى. هنا فقط، نكون بصدد تاريخ يهزم الزمن لا تاريخ يهزمه الزمن.

وبالطبع، تكتسب الدعوة إلى قيام حركة نشطة من المؤرخين الجدد تتوخى تلك الأهداف أهمية إضافية في ظل عصر "ما بعد الحقيقة" (post-truth) الذي أطل بجناحيه الثقيلين هذه الأيام، حيث تختلط الحقائق الموضوعية بالأكاذيب الموضوعة، وتستبدل بمناهج العلم ألاعيب الإعلام، وتتحول هندسة الرأي العام - أو "صناعة الإجماع" بتعبير نعوم تشومسكي وإدوارد هيرمان - إلى صناعة متكاملة الأركان نافذة التأثير.

ورغم أن دبيب الحياة في أوصال ما يجدر فعله، أي هجران الأحادية والتركيز على الإنسان واعتناق فلسفة التاريخ، لن يتحقق بغير الحرية (حرية الصحافة واستقلال الجامعات ومراكز الأبحاث وحق الاطلاع على أرشيف الوثائق القومية) وهي اليوم غائبة في المجمل، إلا أن ثمة مؤشرات تبعث على بعض التفاؤل. منها أن ثورة المعلومات القائمة تفتح الطريق واسعاً نحو كتابة للتاريخ تقع خارج سطوة المؤسسات الكلاسيكية، على صعيد كل من الفاعلين (المؤرخين) والمصادر. الأمر أشبه بدمقرطة كتابة التاريخ، من حيث انخراط الكثيرين من غير المؤرخين التقليديين في العملية التاريخية، ومن حيث عدم الاعتماد الكلي على الأرشيف الرسمي، والالتفات إلى مصادر أخرى للحدث التاريخي مثل المواقع والمدونات ووسائل التواصل. من هنا، يمكن أن يولد "المؤرخ العضوي"، الملتحم بالناس والمعبر عن حيواتهم والمنصف لتاريخهم وقصصهم وموتاهم.

ومن هذه المؤشرات، أيضاً، تغير خريطة القيم إلى ما هو أفضل نسبياً في العقود الأخيرة. بزغت مفاهيم الذكورية والأبوية والعنصرية والتنمر بعد طول احتجاب، وفُهم ما تنطوي عليه من قبح وضرر، وانتشرت مفاهيم أخرى مثل حقوق الإنسان والهوية الجندرية والمسئولية المجتمعية والتعددية الثقافية واحترام البيئة. ولو أن ذلك الوعي ما زال حبيس صفوف الأقلية، إلا أن تلك هي طبيعة الأشياء: طليعة تتقدم الركب ثم تتبعها على استحياء فصائل وفرق أخرى حتى يقبل الجميع في نهاية المطاف زرافات ووحدانا.

            التاريخ ألصق بنا من ظلنا؛ نراه بأعين الحاضر ونرى الحاضر من خلال أعينه. وكما يمكن أن يكون التاريخ مصباحاً وضاءً ينير الطريق نحو بداية جديدة، يمكن أيضاً أن يكون قفصاً نؤسر بداخله، أو حبلاً غليظاً يلتف رويداً رويداً حول أعناقنا. فالتاريخ ليس واحد أحد، والحقائق لا تتحدث عن نفسها كما يقال عادة، بل يتم كشف النقاب عنها بقرارات واعية وبوصلة قيمية وانحيازات إنسانية، والمستقبل يهرول أمام ناظرينا دون التفاتة أو اكتراث. فهل نحن فاعلون شيئاً؟ أم أن "آفة حارتنا النسيان" صار قانوننا الأزلي الأثير؟    

 

د. نايل شامة

* نُشر هذا المقال أولاً على موقع إضاءات بتاريخ 15 ديسمبر 2020.