Thursday, February 18, 2021

لغتنا الجميلة .. لغتنا الفاسدة

 

          حين سئل الفيلسوف الصيني الكبير كونفوشيوس قبل ألفي وخمسمائة عام عما كان سيفعل لو كان حاكماً للبلاد، أجاب بوضوح وحسم: سأصلح اللغة. واستطرد موضحاً: إذا كانت اللغة غير سليمة، فإن ما يقال ليس ما هو مقصود، وإذا كان ما يقال ليس ما هو مقصود، فإن ما يجب أن يُفعل لا يُفعل، وإذا حدث ذلك، تتدهور الأخلاق والآداب، وتضل العدالة السبيل، ويصيب الناس حالة من الارتباك العاجز. والحق أن المرء يحار حين يتأمل تدهور أحوال اللغة العربية المعاصرة ما بين ميل إلى الاعتقاد بأن فساد الواقع هو الذي عاث في اللغة فساداً وميل مضاد يرى أن فساد اللغة هو الذي ألحق ضرراً بالواقع، وهي حيرة يعقبها غالباً استدراك بأن المسألة برمتها ما هي إلا جدلية دائرية الحركة: واقع أفسد تهتكه اللغة، ولغة مبتذلة تعيد إنتاج تهتك الواقع. 

            غني عن البيان أن أهمية اللغة لا تكمن فقط في أنها اداة للتعبير ووسيلة للتواصل بين الناس، بل أيضاً في كونها - قبل أي شيء - وسيلة للتفكير والفهم والتأمل في أمر الذات والمجتمع والكون. وبالتالي، فحين تكون اللغة فقيرة وخاملة أو آلية وارتجاعية، وحين تكون مترعة بالعبارات الجاهزة والقوالب المعتادة والتعبيرات النمطية، فإنها تُفقد العقل وظائف التأمل والتفكير والإبداع وتدفع به نحو فخاخ الإلقاء والمحاكاة والتكرار. بعبارة أخرى، هنا لا يفكر العقل تماماً، بل يستدعي من مخزونه القائم ألفاظاً وأفكاراً ويعيد ويزيد ويكرر في استعمالها، كالحمار يحمل أسفاراً. أيضاً، حين تفقد اللغة وضوحها وصفاءها، يسهل استخدامها كأداة للتلاعب بالعقول وتضليل الوعي واستبدال ما هو واقعي وحقيقي بما هو متصور ووهمي. ومن البديهي، كذلك، أنه في حين أن واقعنا العربي - السياسي والاجتماعي والثقافي - يتغير بسرعة هائلة في عصر العولمة وثورات الاتصالات ونظم المعلومات، فإن تحجر اللغة وغموضها يبقي العقل متأخراً ومنفصلاً عما يدور في العالم وعاجزاً عن اللحاق بركبه. وبالطبع، فإن لكل ذلك تأثيراً ملموساً على الهوية. ألم يكتب محمود درويش: من أنا؟ أنا لغتي أنا.

            فساد اللغة في الفضاءين السياسي والثقافي العربي واضح لكل عينين مدققتين. على المنابر والقنوات وصفحات القرطاس، ثمة كلمات وتعبيرات لا تعكس معانيها، بل يقصد بها معان أخرى، وكلمات أخرى مائعة لا تعني شيئاً محدداً أو لا تعني شيئاً على الإطلاق، وأخرى تحتفي بالنظم والنغم على حساب المعنى. مغبة كل ذلك هي نزع المعرفة عن اللغة وتحويلها إلى محض أداة استعمالية لتحقيق أهداف وحصد مغانم. الأمثلة في تاريخنا المعاصر لا تحصى كثرة. مثلاً، إلحاح الأنظمة العربية التقدمية في خمسينات وستينات القرن العشرين في الحديث عن "الحرية" ترافق مع مغيب الحريات واستشراء القمع. كان المقصود بالحرية شيئاً آخر هو "الاستقلال"، أي الاستقلال عن الاستعمار والقوى الدولية، وليس الحرية بأي معنى سياسي أو اجتماعي. في نفس المرحلة المترعة بالهزائم العسكرية، انتشرت كلمة "نصر" في كل مكان، شعاراً في خطب الزعيم وبرامج الأثير ومناهج التعليم واسماً معلقاً على واجهات المتاجر والشركات الحكومية ومناسبة لاحتفالات سنوية صاخبة. وعلى نفس النحو، وبعدما انقلبت الموازين وتبدلت الشخوص، ذاعت كلمة "السلام" من السبعينات فصاعدا، على خلفية استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية وضم الجولان وغزو لبنان وقصف العراق وتونس. مفارقة هي إذن لا يضاهيها سوى الكلام المتكرر عن "الجماهير" فيما سمي تندراً "جمهوريات بلا جماهير". هذه تناقضات تثير التساؤل: هل حقاً تنبع كل المشاكل، كما كتب ألبير كامو في رواية "الطاعون"، من الفشل في استخدام لغة جلية وواضحة؟


بأية حال، نزفت اللغة على مذبح السياسة ومصالحها وأيديولوجيتها، فالهزيمة النكراء نكسة، والثورة البيضاء مؤامرة، والاستبداد الفج وطنية، وفداء الأوطان خيانة؛ باختصار، المحاسن نقائص والنقائص محاسن، عتمة الليل نور وديجور الظلام ضياء. ويلاحظ أنه ما يلبث أن يعمد مسئول عربي رفيع أو أحد كتبته المحظيين إلى صك وتكرار مقولة أو شعار ما حتى تتلقفها بسرعة البرق جيوش جرارة من المسئولين والإعلاميين متواضعي الفكر فيلوكونه ويترنمون به أطراف الليل وآناء النهار حتى يصبح جزءاً من الخطاب العام للدولة (وحتى المجتمع) مهما غمض معناه أو فسد مضمونه. من أمثلة ذلك في التاريخ العربي الحديث تعبيرات مثل "الاشتراكية العربية" و"اليمن السعيد" و"الثورة الخضراء" و"أخلاق القرية" و"خادم الحرمين" و"أم المعارك" و"أهل الشر" و"الأسد إلى الأبد". وكما أبان الروائي والناقد الإنجليزي جورج أورويل (1903-1950م) في مقاله الشهير عن تداعي اللغة الإنجليزية الصادر في عام 1946م، فإن استخدام التعبيرات الجاهزة يوفر الكثير من الجهد الذهني لكنه يزيغ عن المعنى جاعلاً إياه غامضًا أو غير دقيق.

هنا يتجلى كيف يمكن أن تكون "اللغة فيروساً"، بحسب الكاتب الأمريكي ما بعد الحداثي ويليام بوروز (1914-1997م)، حيث تنتقل كالعدوى من شخص للآخر وتتغذى على العقل كالطفيليات ثم تعيش وتكبر وتتوسع بشكل يبدو مستقلاً عن البشر. بإمكان الوعي أن يداوي فيروسية اللغة، لكن السلطوية تغذيها وتعظمها، وذلك بميلها إلى شح المفردات وتماثلها وتوحدها ورفض التنوع والاختلاف. ألم تر كيف تعشق كلمات مثل "إجماع" و"اصطفاف"؟ ولذلك، فإن أولى خطوات التصدي للسلطوية بكافة أشكالها يكمن في تحديها باللغة: بالإفلات من لغتها الروتينية الجوفاء، وبالإصرار على تحرير المعجم وتوسيعه. عندئذ فقط، يهلك الإنسان الدمية ويزدهر الإنسان المفكر.  


ثم هناك الخواء الذي يُملأ بالكلمات. ففي بلاد العرب كلمات تقال وتعاد على سبيل العادة والمواظبة أو التمثل والاحتذاء، لكنها لم تعد "تعني" شيئاً سوى التظاهر بوجود شيء غير موجود أو فعال. ماذا يعني، مثلاً، الإيغال في الحديث عن "الشعب" ودوره في "المسيرة الوطنية الكبرى" في حين يغيب الشعب فعلياً عن كل شيء بما فيه المشاركة في صنع القرارات التي تحدد مصيره وترسم مستقبله؟ الواقع أنه في أقطار عربية كثيرة، لم يعد هناك شعب بالمعنى السوسيولوجي للكلمة، بل مجرد أفراد، نويات منفصلة منغلقة على ذواتها الصغيرة ومحتجبة عن أي نشاط اجتماعي. وفي حين كان يتم استدعاء "الشعب" في زمن الجماهير الغفيرة لأداء دور ما في الساحات العامة - تماماً كإكسسوار المسرحيات - صار ذلك غير ضروري في عصر الإنترنت والقنوات الفضائية. إذ يكفي أن يحضر ممثلون عن الشعب على الشاشات - في صورة مقدمي البرامج والضيوف الدائمين وكلاهما منتقى بعناية - ليعبروا عن رأي الشعب ويتحدثوا باسمه. كذلك، ما معنى الحديث المكرر عن "تكريم المرأة" في مجتمعات أبوية وصائية تحرم فيه المرأة من بعض حقوقها، وتحصل على البعض الآخر بشق الأنفس؟ يفترض باللغة التعبير الصادق عن الواقع، لكن حين يحدث العكس، يشيع الاغتراب ويكتشف الناس، بوعي أو بلا وعي، أن الحقيقة لا تقبع في اللغة، بل في مكان آخر. ولذلك تزدهر اللغة العامية، أو حتى العامية السوقية، كإطار يمكن من خلاله تعويض تقاعس اللغة الرسمية، مصداقاً لقول الشاعر: أنا المنفي في لغتي .. باللغة انتقمت من الغياب.

            في مقابل التكرار المخل، ثمة فقر لغوي صارخ، ومفردات وعبارات تكاد أن تكون ممنوعة من التداول، وبيئة سياسية وثقافية لا تحض على الخيال والابتكار في مجال اللغة والخطاب. مسترجعاً ذكرياته أثناء الحكم الفاشي لإيطاليا، يحكي الفيلسوف والروائي أومبرتو إيكو (1932-2016م) أنه تصفح جرائد الصباح عشية سقوط موسوليني في عام 1943م، ففوجيء - ببراءة الأطفال - بقراءة مفردات لم يسبق له أن سمعها من قبل، مثل "الحرية" و"الديكتاتورية". بالمثل، وبعد مرور سبع عقود ونيف على سقوط الفاشية في أوروبا، توجد دول عربية لا تتداول فيها تقريباً كلمات مثل "الديمقراطية" و"المجتمع المدني" و"حقوق الإنسان"، وإن ذكرت، فإن ذلك يدور في إطار من الاستقباح والاستهزاء، لا المدح والاستحسان. وتجديد الفكر واللغة، بالمثل، إما ممنوع أو محدود في علوم الدين، اتكاءاً على قواعد فقهية راسخة تقدس اللفظ القديم بحذافيره مثل "لا اجتهاد مع النص" و"العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب".   

ولا يقتصر الإملاق اللغوي على متون اللغة السياسية أو الدينية، بل انبسطت أجنحته على اللغة الاجتماعية أيضاً. فالمتابع للبرامج الفنية والرياضية العربية، لا يرى لغة حية نابضة، بل كلمات وجمل مستهلكة وصور مقولبة تكررت على ألسنة المضيفين والضيوف آلاف المرات، عقوداً وراء عقود، ولا تعبر عن المقصود بأفضل طريقة أو حتى لا تعني في حقيقة الأمر أي شيء على الإطلاق. لقد تقلص بلا شك حجم معجم اللغة الاجتماعية الفصيحة ونقص عدد المضطلعين بها والمتمكنين منها. خذ/ي كمثال كلمة "مكتبة" التي باتت تستعمل للإشارة إلى ثلاثة أشياء مختلفة: المكتبة العامة أو الجامعية؛ ومتجر بيع الكتب؛ وحانوت الأدوات الدراسية (حيث تباع الأقلام والكراريس)، في حين أن في الإنجليزية كلمة مختلفة لكل منها (library-bookstore-stationary). كذلك تستعمل كلمة "مطعم" ككلمة جامعة، أو وعاء عام يشمل أشياءاً مختلفة. العلة ليست في فصاحة اللغة العربية التي يوجد في دوحتها مترامية الأطراف ومرعاها الخصيب ما يفيد الغرض ويزيد (مثلاً: قرطاسية - مقصف)، ولذلك قال حافظ إبراهيم على لسانها: أنا البحر في أحشائه الدر كامن. ولكن العلة تكمن في التفكير الذي تعطل، والببغائية التي استشرت، واللغة التي ضاقت علينا بما رحبت. يتسق هذا مع ما طرحه عالم اللسانيات البريطاني بازيل بيرنشتاين (1924-2000م) من تمييز بين شفرتين لغويتين: "الكود المفصل"، حيث اللغة واسعة وخصبة ومترابطة ومعبرة؛ و"الكود المحدود" حيث المعجم مسلوب الخصب واللغة ضعيفة ومفككة وتراكيبها عاجزة عن التعبير.


ومن علامات فساد اللغة العربية، أيضاً، ذلك الولع الشديد بالسجع، والنزعة المستمرة إلى الإفراط في استخدامه ولو جاء على حساب المعنى. هذا نتاج إرث قديم امتدت ظلاله حتى عصرنا الحاضر. فالأمثال الشعبية وعناوين أغلب الكتب القديمة (وحتى نصوصها) اتخذت هذا المنحى، بما فيها تلك الحديثة نسبياً، أي الصادرة في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين (مثل "تخليص الإبريز في تلخيص باريز" للطهطاوي و"البيان في الإنجليز والأفغان" لجمال الدين الأفغاني و"طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد" لعبد الرحمن الكواكبي). الأزمة في التراكيب السجعية أن القائل والسامع يطربان للإيقاع والنغم دون الالتفات لفساد المعنى. وإلا كيف يمكن أن نفسر انتشار شعار مثل "الحجاب قبل الحساب"، والذي يفتقر لأي قوة إقناعية أو أساس معرفي سواء أكانت مرجعيتنا دينية أو قانونية أو منطقية؟ من أمثلة ذلك أيضاً القول أن صراعنا مع إسرائيل "صراع وجود لا حدود"، وكذلك، من عالم الأمثال الشعبية، الزعم أن "ضرب الحبيب مثل أكل الزبيب" وأن "العلم في الراس مش في الكراس" (ومقابلها بالفصحي "العلم في الصدور وليس في السطور"). بالتكرار، جيلاً وراء جيل، يودي الولع بالسجع إلى منزلق التفكير بالسجع، فلكل موقف أو حدث طازج إجابة معلبة جاهزة ذات جرس موسيقي أخاذ ونافذ، لكنها متهافتة المعنى وضعيفة الحجة وسيئة العقبى.   

إلام تشير كل هذه الأنساق والأمثلة؟ تشير إلى أن لغتنا غنية ورحبة - وقد وصفها السلف من أهل البيان باللغة الإعجازية - لكن تفكيرنا ضيق ومهلهل، سادر في غياهب التقليد، موغل في الشكل وتائه عن المعنى. كما تشير إلى أن ثمة ميراثاً ثقافياً وواقعاً سياسياً أسهما في إفساد اللغة عبر إحلال التكرار والمحاكاة محل التفكير والابتكار. هكذا السلطة، بمقدورها التلاعب باللغة بغية تضليل الوعي وترويج المغالطات وتجميل القبائح ونسيان الماضي وتبرير الأخطاء وإيجاد كباش فداء. وبالتبعة، أدى فساد اللغة وقصور التفكير إلى إعادة إنتاج الواقع البائس. فاللغة يمكن أن تستخدم لكل من الإظهار والإخفاء، لتحفيز التفكير ولتثبيطه، لإيقاظ الوعي ولإنامته. والاختيار لنا: فإما لغة نتحرر بها ونعلو وإما لغة نُستَعبد بها ونهوي.    

 

د. نايل شامة

Tuesday, December 29, 2020

ميت غمر .. رسوب الحداثة في مصر

 


يمكن النظر إلى وقائع ما جرى منذ بضعة أسابيع في مدينة ميت غمر باعتباره خبراً عادياً، مجرد موجة أخرى في تيار الحياة الجاري بلا هوادة. لكن يمكن أيضاً التأمل فيه ملياً، وحينها - ربما - يتضح أنه مؤشر على ظواهر أكبر ومعانٍ أعمق مما يبدو للوهلة الأولى، بل ومن يدري؛ فلعل مزيد من التأمل المستبصر في موارد الأمور يكشف أن الواقعة محل النظر مرآة تعكس بجلاء تاريخ مصر الحديث برمته، طموحه الرحيب ومأزفه العتيد. في المدينة الصغيرة الكائنة بمحافظة الدقهلية، وقع حدث اعتيادي، أو صار اعتيادياً في مصر: تحرش مجموعة من الشباب بفتاة جامعية. لكن الناجية هذه المرة سارعت بتقديم بلاغ إلى الشرطة، فأجريت التحريات، وفُحصت الكاميرات، واستجوب الشهود، وضُبط المتهمون.

ماذا في ذلك الحدث المألوف يستدعي النظر أو التفكير؟ لا مفر من عودة خاطفة إلى أوراق التاريخ لتبيان المعنى والمغزى.

في تاريخ مصر الحديث، ليس هناك أكثر محورية ومصيرية من القرن التاسع عشر، عصر الأسئلة الكبرى وجسر التحولات العظمى. على حافته وفدت الحملة الفرنسية بالمدافع والعلماء وصدمة التحرر من الوهم؛ وفي مستهله شرع محمد علي باشا في إنشاء الدولة الحديثة، بالجيش النظامي والدواوين والمطبعة والبعثات التعليمية؛ وفي نهايته رست بوارج الاحتلال البريطاني على شواطئ الإسكندرية. في القرن التاسع عشر، دلف المجتمع المصري إلى العصر الحديث بعد قرون من التخلف الحضاري تحت سبات الحكم العثماني، فانقلبت أحواله بغتة رأساً على عقب: ولدت هياكل اجتماعية جديدة، كالمدارس والوزارات والمحاكم الأهلية والأحزاب السياسية والنقابات المهنية؛ وانبلج البرلمان والدستور والانتخابات؛ وبزغت مفاهيم جديدة مثل الوطن والشعب والمواطن والطبقة (ولاحقاً الديمقراطية والعلمانية)؛ وانبثقت مهن لم تكن معروفة من قبل، مثل المدرس (بعد مزاحمة المدارس الحديثة للكتاتيب) والصحفي (بعد اختراع الطباعة وصدور الصحف) والمحامي والقاضي (بعد كسر احتكار المحاكم الشرعية للعملية القضائية).          

إذن، بعد قرون طوال من العيش في ظل مجتمع تقليدي مستقر، اجتاحت مصر رياح التحديث العاتية ودارت دواماتها بالطول والعرض لتلون كافة مناحي الحياة. استدعى التغيير في البنى المادية المشار إليها آنفاً بدوره تغييراً في القيم المعنوية والتصورات الذهنية. لكن مصر نجحت بمقدار في الأولى وتعثرت بمقادير في الثانية. ذلك أن التحديث (modernization) الذي هو ابن الحداثة (modernity) إنما هو، في لبابه، اكتشافات علمية وميكنة صناعية ومؤسسات تعليمية وهياكل سياسية، لكنه أيضاً، كتفاً لكتف، قيم ومعانٍ. وقد كان من سمت الحداثة أن تمت ترجمة قيمها الرئيسية، مثل الحرية والعقلانية والفردانية والنقد الذاتي، في صورة قوانين وتشريعات استبدلت بالذنب الديني فلسفة الخطأ والعقوبة. المراد أن التحديث تدرع بالقانون، فصار الأخير البوصلة والمرجع والحكم، ينصاع إليه الجميع بلا جلبة أو ازدراء. وإن عنَّ لأحد أن يعترض على تشريع ما، وهو حق، حدث ذلك من داخل إطار القانون وبآلياته، إما بمحاولة تعديله أو إعادة تفسيره.

الدولة الحديثة والقانون وحرية الفرد هم بيت القصيد في البون الشاسع بين المجتمع الحديث والمجتمع التقليدي. ففي المجتمع ما قبل الحديث، عمت السيولة التنظيمية وغابت صرامة القانون من ناحية، وهيمن التحجر الاجتماعي والثقافي من ناحية أخرى. تقلص إجمالاً نطاق الدولة (التي لم تكن حتى حدودها قد رُسمت بدقة)، فالسلطة موزعة بين الأمراء وزعماء الطوائف وشيوخ العشائر وكبراء العائلات؛ واستبدل بعقل الفرد عقلية الجماعة؛ وهيمنت على التعاملات مفاهيم التراتبية والطاعة والامتثال لا المساواة والاستقلال والتجديد؛ وصارت التركيبة البطريركية الوصائية السلطوية، بفعل التكرار والاجترار، شعبة من شعب الإيمان يخر لها الجميع سجدا. جملة الحال، لم يكن آنذاك ثمة ذاتية ولا حرية ولا نقد ذاتي. ويمكن عموماً تلخيص النقلة الحضارية الهائلة على النحو التالي: في المجتمع الحديث تسود المتتابعة الخطية العقل-المصلحة-الدولة-القانون-النقد الذاتي، فيما طغت قديماً المتوالية الدائرية اللاعقل-العاطفة-الانتماء التقليدي-العرف.

خمسمائة عام حافلة من تاريخ الإنسانية أثبتت أن الحداثة - على علاتها - ليست اختياراً ولا ترفاً، بل نمط حضاري نفذ سهمه وسيرورة تاريخية لا فكاك من استيعابها والاندماج في طياتها. وحتى تتأصل الحضارة الحديثة في مجتمع ما وتنبت من كل زوج بهيج، يجب أن تفرض وجودها كالحقيقة الأولى من بين كل الحقائق، كالمرجعية الأولى من بين كل المرجعيات. وكيما يحدث ذلك، ينبغي أن يترسخ القانون في الأعماق وأن يمتثل له الجميع، سراً وجهراً، دون نصب الغوائل أو تربص الدوائر. ذلك أن ذهاب القانون يعود بالمجتمع أدراج البلبلة الأولى. أما تصور أن الدولة والمجتمع يمكنهما أن يقفا على قدميهما ويحلقا بدون القانون، فمحض وهم. تماماً كما هو محال أن تنطلق سيارة دون إطارات، ولو امتلكت أفضل المحركات وأجهزة الملاحة. ولذلك فإن أفول القانون في العصر الحديث، كمرجعية مجتمعية وقيمة عليا، يعود بالناس إلى ناموس المجتمعات التقليدية حيث يتحيزون لدوائرهم الاجتماعية، فهي العزوة والسند، ويأنسون إلى أهوائهم وخطرات قلوبهم، ويوغلون في أنماط سلوكهم ومشاربهم العهيدة، ويرتشفون من كأس التقليد ثمالته.

هذا ما رأيناه متجسداً في ميت غمر التي ثارت ثائرتها عقب واقعة التحرش. فبعد أن قامت قوات إنفاذ القانون والنيابة بدورهما في ضبط المتهمين والتحقيق معهم، انفلت لجام الجميع مستخدمين حفنة من الذرائع والحجج الواقعة جملة وتفصيلا خارج نطاق القانون بل والمناقضة له. فأهالي المتهمين طالبوا بعدم القضاء على "مستقبل أولادهم"، وآخرون كثر ادعوا أن الفتاة "استفزت" الشباب وأنها ارتدت ملابس "غير لائقة"، ومحامي أحد المتهمين شدد على أننا مجتمع شرقي وأن النساء عليهم "الحفاظ على القيم الأخلاقية والإسلامية" وألا "يتجاوزن حدودهن"، فيما أشار محام آخر إلى أن صور الفتاة على حساباتها الإليكترونية "تغرر" بالشباب "الذين بلغوا للتو"، وجموع من المواطنين أثار حنقهم القبض على المتهمين فانطلقوا يكيلون للفتاة الشتائم والاتهامات. ثم ثار جدال واسع على مواقع التواصل الاجتماعي حول ما إذا كانت ملابس النساء وطريقة كلامهن ومشيهن تبرر التحرش الجنسي أم لا. 

جرياً على نفس النسق، وقبل واقعة ميت غمر بأسابيع قليلة، كان مدير منطقة آثار سقارة قد صرح أن الصور التي التقطت لإحدى عارضات الأزياء في المنطقة وتم بموجبها تحويلها للنيابة "لا تليق بالحضارة المصرية ولا وضع الآثار"، وأنها تعد "ازدراءً للحضارة المصرية القديمة". وعن نفس الواقعة، عقب العالم الأثري ووزير الدولة السابق لشئون الآثار زاهي حواس أن "الفستان غير لائق ولا يليق بهرم عمره 5000 سنة".  

وتصل المفارقة إلى أوج وضوحها في كلمات أمين مساعد أمانة المرأة (عن حزب مستقبل وطن) بمحافظة الدقهلية التي شاركت في حملة الهجوم على الفتاة، حيث كتبت على صفحتها على فيسبوك أن وظيفتها "تهذيب أخلاق" النساء، وأن سبب المشكلة هو "استهتار الفتاة بملابسها المثيرة"، الأمر الذي أدى بشكل مباشر لتحرش الفتيان بها. منبع المفارقة أن هذه المرأة ما كانت لتصل إلى موقعها الحالي إلا بالتحديث، فظهور الأحزاب السياسية وانتشار تعليم الفتيات وسموق مفهوم حقوق المرأة كلها نواتج مباشرة لعملية التحديث، ومع ذلك فإنها استنامت، بالسطح الشعوري أو العمق اللاشعوري، إلى عقلية عصر ما قبل الحداثة وسيادة القانون.     

لا ريب أن التعثر الذي طال عملية التحديث في بلادنا له أكثر من أب. من ناحية، وإذا كانت العملية قد بدأت على يد الدولة، فإن النكوص عنها أيضاً جرى على يد الدولة. بحثاً عن شرعية مفقودة، لم تفتأ الدولة - بالخطاب والممارسة - تبني جسوراً مع التقليد وتحفر خنادقاً مع الحداثة. يستوي في ذلك الإلحاح في الإشارة، عبر العقود، إلى "أخلاق القرية" و"الرئيس المؤمن" و"القائد الأب" و"أهلي وعشيرتي" وقانون العيب وقيم الأسرة، فكلها تعبيرات تشف عما تحتها من منطق لاحداثي. كما تغلغلت في مدونة سلوكها قيم الأبوية والذكورية والزعامة والإكراه والشللية والزبائنية والتوريث والولاء والغضب والثأر. باختصار، باتت "السياسة أقوى من الحداثة" (وهو عنوان كتاب صدر منذ سنوات للباحثة في علم الاجتماع دلال البزري). وعلى العكس من النموذج الأوروبي، غابت اجتماعياً الطبقة-القاعدة القادرة على دفع العملية للأمام والدفاع عنها عند الحاجة، واتسم سلوك سدنة مشعل الحداثة من المثقفين بالنخبوية وممالأة السلطة وهجران الواقع بل وحتى خيانة القيم التي يدعون حمايتها من الأساس. وزاد الطين بلة إخفاق الحركة الإسلامية، على اختلاف مشاربها ومسالكها، في التعاطي مع تحدي الحداثة "الدخيلة"، واستنادها بالكلية تقريباً على منطق وقيم ولغة تجافي منطقها. وما الحديث المكرر عن الخلافة والأمة والجهاد إلا عزفاً على نفس اللحن. وإذ قضى كل إربه وتزاوجت الانتهازية مع العنف مع مزيج متضاد من النزعة التطهيرية والعدمية الأخلاقية، أفضت كل تلك الأوضاع مجتمعة إلى قيام عصر ما يسمى أحياناً "بالعصور الوسطى الجديدة".

ثقافياً، استحكمت حلقات الجهل، إذ استمرت غلبة الحفظ على الفهم والملاحظة والتجريب، واتسعت شقة الخلاف بين النص والواقع، وزادت سطوة ما رث من التراث بالمقارنة بنهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. فبعد أن كان طه حسين هو "أبو الحداثة العربية" في الثقافة والنقد، صارت مؤلفات الشيخين متولي الشعراوي وعائض القرني هي الأكثر مبيعاً في مصر والمنطقة العربية. ويلاحظ في واقعة ميت غمر أن أغلب المدافعين عن المتهمين هم من خريجي الجامعات، بل إن المتهمين أنفسهم طلاب في مدارس وكليات حديثة. هذا التعليم هو أحد الآثار المباشرة للحداثة، لكن كل هؤلاء، كما هو واضح، لم يغن عنهم تعليمهم شيئاً، ولم يدنهم قيد أنملة من روح الحداثة. وفيما انبرى هؤلاء بغضب وارتياع وحمية للتدقيق والتمحيص فيما يلبس النساء في غدوهن ورواحهن، نراهم لاهين غافلين ساهين عن واقع مزرٍ يغلف حياتهم مكانياً من قمة الهامة حتى أخمص القدم، وزمانياً من المهد إلى اللحد. هل تنطبق على هذا المقام كلمات الكاتب جلال عامر الدالة حين كتب عن "مجتمع لا يهمه الجائع إلا إذا كان ناخباً، ولا يهمه العاري إلا إذا كانت إمرأة"؟

ميت غمر ليست بالطبع استثناءً، بل قاعدة، فحالها حال كل المدن المصرية بما فيها القاهرة، بل وكل المدن العربية. والواقع أن الأزمة هنا عميقة ومتعددة المستويات. أولها أزمة أن يوجد في خضم القرن الحادي والعشرين مجتمع لم يدخل العصر الحديث أو يبرح العصر القديم بعد. وثانيها أن يصل التناقض بين الواقع والعقل، بين العمارة الخارجية والبنية الداخلية، إلى درجة أن تكون السيارات والحاسوبات والهواتف الذكية في متناول الجميع، بينما لا يزال العقل يفكر بمنطق قرنين أو أكثر مضيا، أو كما قال نزار قباني: خلاصة القضية، توجز في عبارة، لقد لبسنا قشرة الحضارة والروح جاهلية. ولذلك استفاض الباحثون في شرح أن الحداثة في البلاد العربية ما هي إلا حداثة خلاسية (أي هجينة) أو ماسخة أو رثة. أما ثالثة الأثافي، وما يزيد من وطأة الإحساس بالأزمة، فهي غياب كل من مقومات الحداثة المادية والمعنوية ولو لمعت ظواهرها، فالعقل الحداثي غائب والمنتوجات الحداثية التي في أيدي الكافة هي من اختراع وصناعة الآخر.

فصل الخطاب أنه ليس في مصر المعاصرة حضارة، بل محض ثقافة أو ثقافات، موسومة بالضعف والهزال. تلك هي المسألة.    

 

د. نايل شامة    

 

* نُشر هذا المقال أولاً على موقع "مدينة" بتاريخ 28 ديسمبر 2020.

* الصورة: حسن إبراهيم.

Wednesday, December 16, 2020

المؤرخون العرب الجدد: ألم يئن الأوان؟

 

             منذ ثلاثين عاماً ونيفاً، بزغت في إسرائيل مجموعة من الكتابات التاريخية التي سعى مؤلفوها إلى إعادة قراءة وكتابة تاريخ إسرائيل وتاريخ الصراع العربي-الإسرائيلي بعين نقدية ومقاربة استقامت على مقتضى الأمانة المهنية والصلابة المنهجية. كان هدف هذه الجماعة من المؤلفين - التي ضمت أسماء لامعة مثل أفي شلايم وإيلان بابيه وبيني موريس - هو تلافى جملة الانحيازات والضغوط والإغواءات التي طبعت نظرة التيار الرئيسي لأجيال المؤرخين والكتاب السابقين. بمرور السنوات، انضمت إليهم في ذات المنحي طائفة من حملة المحابر من علماء السياسة والاجتماع والأدباء والنقاد، والذين أطلق عليهم - مجتمعين - تعبير "المؤرخين الجدد".

           في نفس الفترة الزمنية التي انصب عليها اهتمام هؤلاء المثقفين، أي النصف الثاني من القرن العشرين، دارت في الوطن العربي رحى أحداث جسام، مثل نكبة فلسطين وثورة يوليو وحروب الأعوام 1956م و1967م و1973م وطفرة البترودولار وغزو لبنان، وجملة من التطورات الاجتماعية والثقافية عظيمة التأثير والنطاق. على أهميتها، احتجب كنه هذه التطورات والأحداث المفصلية خلف غلائل التجاهل والنسيان والمصلحة. فالوثائق محجوبة والروايات الرسمية مثقوبة والجامعات ومراكز الفكر متوعكة والروايات المتاحة لا تشفي غلة ولا تبري علة. وكما اضطرب تاريخ الأحداث، غاب تاريخ اللغة والخطاب، وتوارى التاريخ الثقافي والأنثروبولوجي، وأفل تاريخ المهمشين والأقليات. فهل يحتاج الوطن العربي اليوم إلى قيام حركة من المؤرخين الجدد؟ أم لم يئن الأوان بعد لنفض الغبار وإماطة اللثام وبث نفثات الأقلام؟

            الواقع أن كثيراً مما استقر في الوعي الجمعي العربي عن تاريخ المنطقة الحديث - وحتى الوسيط والقديم - إما غير دقيق أو غير مكتمل أو حتى ملفق بالكلية. لا غرو في ذلك، فكثير من صحائف التاريخ كُتبت تحت ظلال العصبية الأيديولوجية أو فوق سحائب العاطفة والتفكير بالتمني أو على أسنة رماح السلطة وتحت سنابك خيلها. وبالتالي، فتاريخنا المكتوب مليء بالثقوب: ثمة أبطال منسيون وحقائق مهملة ووقائع متغافل عنها؛ وأشباح من ورق رُفعت إلى مصاف أنصاف الآلهة، وأمجاد أسطورية زاعقة صنعت بمداد لا ينقطع من الزيف والاحتيال؛ بل وسرديات كبرى محصنة، من الأساس، من التناول أو النقد. وبعيداً عن خبث القصد وسوء الطوية، يلاحظ في النظرة العامة للتاريخ في بلادنا هيمنة نزعتين رئيسيتين: 1) النظرة الأحادية النافية لكل ما عداها، فهذا يوم مجيد من أيام الأمة ولا يمكن أن يكون شيئاً غيره، وذاك ليل حالك الجلباب وليس بالإمكان أن يقال إن فيه ثمة مثقال ذرة من خير؛ 2) المبالغة في تصوير الأحداث والأبطال، فهذا ليس قائداً وطنياً فحسب، بل هو بطل الأبطال وإمام الفرسان، وهذا العدو اجتمع فيه كل شر مستطير وبلاء كبير، وهكذا دواليك (ولذلك، مثلاً، يستوي في اللاتاريخية وصف ثورة يناير 2011م بالمؤامرة مع النظر إلى ميدان التحرير كجمهورية فاضلة). وبالتكرار والاجترار جيلاً وراء جيل، صار لسرديات هذا التاريخ رسوخاً وجلالاً في ذاكرة ومخيال الجماهير. لكن هل يعبر هذا الرسوخ عن الحقيقة الحقة أو يمثلها؟ بالقطع لا، فالتكرار لا يعكس الحقيقة، والسطوة الزمنية لا تعبر بالضرورة عن العمق المعرفي، وكتابة التاريخ عملية مستمرة لا فعل منفرد يمكن الفروغ منه والركون إليه (ولذلك يتندر المؤرخون أن الماضي - كالمستقبل - لا يمكن التنبؤ به).

            ولا تكمن الثقوب في ثوب التاريخ فحسب، بل تمتد أيضاً إلى المفاهيم الرئيسية في العلوم الاجتماعية ومعانيها ومدلولاتها، والتي يعتري فهم ماهيتها في البلاد العربية الكثير من الخلط والتشويش. آية ذلك أن كثيراً من المفردات صارت تلقى جزافاً على القنوات والمنابر وصفحات القرطاس، بلا أي مضمون ذي أساس معرفي يستند إلى تعريف محدد وبنية تحليلية واضحة، وأن هناك مفردات أخرى صارت توظف حصرياً لكسب الجماهير أو لحسم معارك سياسية وأيديولوجية. من رحم هذا التبلبل الفوضوي، حار القوم في توصيف ما جرى في مصر في الخامس والعشرين من يناير لعام 2011م، مختلفين إن كان ثورة أم انقلاباً أم مجرد "أحداث" ما لا وصف لها. وكانوا قبلها قد اختلفوا أيضاً حول أمر الثالث والعشرين من يوليو لعام 1952م، وهل يعد انقلاباً أم ثورة. أيضاً، ثمة تشوش عميق يحيط بمفهوم "الدولة"، وبالتمايز بينها وبين مفاهيم الحكومة والنظام والوطن والأمة. وحتى مفهوم غير عسير الفهم مثل "حقوق الإنسان" استعصى على الأذهان وأحاط به اللبس والبهتان.

            ومع ذلك، فإن الساحة ليست مقفرة تماماً. على سبيل المثال، اجتهد المفكر الراحل عبد الوهاب المسيري (1938-2008م) لعقود طوال لتبيان أن الكيفية التي تستخدم بها - بأريحية عادة - توصيفات "يهودي" و"صهيوني" في الفضاء العام لا تصلح كإطار لإدراك الواقع اليهودي والصهيوني. كذلك يعد كتاب "كل رجال الباشا" (1997م) للمؤرخ البارز خالد فهمي محاولة جادة ورصينة لإعادة كتابة جزء من تاريخ مصر في القرن التاسع عشر، وهو ما واظب عليه فهمي بأناة ودأب في أعماله اللاحقة. وبعيداً عن الصخب الإعلامي والجدل اللجوج، تجيء - ربما - بعض تصريحات يوسف زيدان عن تاريخ القدس وسيرة صلاح الدين الأيوبي في إطار مراجعة السردية التاريخية الشائعة وتسليط الضوء على سرديات أخرى بديلة. وهناك، إضافة إلى ذلك، محاولات جادة عديدة لكنها قابعة خلف أسوار الأبحاث الأكاديمية المتخصصة، بعيداً عن الأضواء وبمنأى عن إطلاع عموم الجماهير.  

            تلك محاولات فردية محمودة، لكن الواقع المنهمر من حولنا واستشراء منظومة لامعرفية جارفة بين جنباته يتطلب جهوداً أكبر في ثلاثة مجالات على الأقل: إعادة النظر في وقائع التاريخ السياسي والاجتماعي للبلاد العربية؛ والضبط الدلالي لجملة المفاهيم والمصطلحات السابحة في سماء واقعنا الثقافي دون رابط أو وازع من فهم أو ضمير؛ وتعديل مناهج التعليم بحذف كل ما شابها من اختلاق وأخطاء وتحيز وتحامل. يجدر بهذا الجهد أن يضع نصب أعينه أمرين رئيسيين. الأول هو التركيز على تاريخ الإنسان لا تاريخ السلطات والمؤسسات والنخب والقادة فحسب، وما يتصل به من مقاربات مثل "نظرية الرجل العظيم" (Great man theory) ونظرية سمات القيادة (Trait theory). فحين يكون الهدف هو فك الارتباط بين علائق القوة والتاريخ، ومن ثم إعادة الاعتبار للإنسان، أي لجموع المنسيين الذين تهملهم عادة سرديات التاريخ التقليدي، نكون قد اكتشفنا أن تاريخنا أكبر وأعمق وأجمل من تاريخ البنى والقادة، وظفرنا بذاكرة أكثر توازناً ودقة، وحظينا على سجل باعث على الثقة في النفس والفعالية والأمل.

أما الأمر الثاني فهو التخلي في تناول التاريخ عن النظرة الأحادية للذات والمجتمع والكون. ذلك أن هذه النظرة تجتمع فيها دواعي التسلط وبواعث الاستسهال وتغيب عنها مقتضيات المنطق التاريخي. من هنا، لم يكن غريباً في الكتاب العمدة "ما التاريخ؟" أن يختار المؤرخ ذائع الصيت إدوارد كار تعبير "المؤرخ وحقائقه" (The Historian and His Facts) عنواناً لفصله الأول، وليس "المؤرخ والحقيقة" أو ما شابه. ذلك أن بحور التاريخ أوسع وأشمل من أن تضم مجرد حقيقة واحدة وسردية واحدة، وبالتالي فإن الاختيار بين لججها هو فريضة، والتجريب ووجهة النظر ضرورة، لأن التاريخ ليس محض مصفوفة من المعلومات مكومة في موسوعة لا حد لاتساعها. المؤرخ إذن لا يدور مع التاريخ اضطراراً بل يتحرك بين جنباته اختياراً. بالمثل، يجدر بنا نبذ التاريخ كأداة أو كعظة أو كدوجما، وبعث التاريخ كفلسفة وحوار وبحث عن الذات وعن المعنى. هنا فقط، نكون بصدد تاريخ يهزم الزمن لا تاريخ يهزمه الزمن.

وبالطبع، تكتسب الدعوة إلى قيام حركة نشطة من المؤرخين الجدد تتوخى تلك الأهداف أهمية إضافية في ظل عصر "ما بعد الحقيقة" (post-truth) الذي أطل بجناحيه الثقيلين هذه الأيام، حيث تختلط الحقائق الموضوعية بالأكاذيب الموضوعة، وتستبدل بمناهج العلم ألاعيب الإعلام، وتتحول هندسة الرأي العام - أو "صناعة الإجماع" بتعبير نعوم تشومسكي وإدوارد هيرمان - إلى صناعة متكاملة الأركان نافذة التأثير.

ورغم أن دبيب الحياة في أوصال ما يجدر فعله، أي هجران الأحادية والتركيز على الإنسان واعتناق فلسفة التاريخ، لن يتحقق بغير الحرية (حرية الصحافة واستقلال الجامعات ومراكز الأبحاث وحق الاطلاع على أرشيف الوثائق القومية) وهي اليوم غائبة في المجمل، إلا أن ثمة مؤشرات تبعث على بعض التفاؤل. منها أن ثورة المعلومات القائمة تفتح الطريق واسعاً نحو كتابة للتاريخ تقع خارج سطوة المؤسسات الكلاسيكية، على صعيد كل من الفاعلين (المؤرخين) والمصادر. الأمر أشبه بدمقرطة كتابة التاريخ، من حيث انخراط الكثيرين من غير المؤرخين التقليديين في العملية التاريخية، ومن حيث عدم الاعتماد الكلي على الأرشيف الرسمي، والالتفات إلى مصادر أخرى للحدث التاريخي مثل المواقع والمدونات ووسائل التواصل. من هنا، يمكن أن يولد "المؤرخ العضوي"، الملتحم بالناس والمعبر عن حيواتهم والمنصف لتاريخهم وقصصهم وموتاهم.

ومن هذه المؤشرات، أيضاً، تغير خريطة القيم إلى ما هو أفضل نسبياً في العقود الأخيرة. بزغت مفاهيم الذكورية والأبوية والعنصرية والتنمر بعد طول احتجاب، وفُهم ما تنطوي عليه من قبح وضرر، وانتشرت مفاهيم أخرى مثل حقوق الإنسان والهوية الجندرية والمسئولية المجتمعية والتعددية الثقافية واحترام البيئة. ولو أن ذلك الوعي ما زال حبيس صفوف الأقلية، إلا أن تلك هي طبيعة الأشياء: طليعة تتقدم الركب ثم تتبعها على استحياء فصائل وفرق أخرى حتى يقبل الجميع في نهاية المطاف زرافات ووحدانا.

            التاريخ ألصق بنا من ظلنا؛ نراه بأعين الحاضر ونرى الحاضر من خلال أعينه. وكما يمكن أن يكون التاريخ مصباحاً وضاءً ينير الطريق نحو بداية جديدة، يمكن أيضاً أن يكون قفصاً نؤسر بداخله، أو حبلاً غليظاً يلتف رويداً رويداً حول أعناقنا. فالتاريخ ليس واحد أحد، والحقائق لا تتحدث عن نفسها كما يقال عادة، بل يتم كشف النقاب عنها بقرارات واعية وبوصلة قيمية وانحيازات إنسانية، والمستقبل يهرول أمام ناظرينا دون التفاتة أو اكتراث. فهل نحن فاعلون شيئاً؟ أم أن "آفة حارتنا النسيان" صار قانوننا الأزلي الأثير؟    

 

د. نايل شامة

* نُشر هذا المقال أولاً على موقع إضاءات بتاريخ 15 ديسمبر 2020.

Tuesday, December 8, 2020

Review of Egypt’s Diplomacy in War, Peace and Transition (By Nabil Fahmy)

 

This book is the autobiography of one of the most skilled politicians in the Arab world. Nabil Fahmy is an Egyptian career diplomat who spent nearly four decades in public service, working in the offices of former President Anwar Sadat and his Vice-President Hosni Mubarak, as well as at Egypt’s permanent missions to the United Nations (both in New York and Geneva), and serving as Egypt’s ambassador to Tokyo and Washington. He was Egypt’s foreign minister from July 2013 to June 2014. After leaving office, he established the School of Global Affairs and Public Policy at the American University in Cairo.

            Having served for nine years as ambassador to Washington, Fahmy sheds great light in the book on both American-Egyptian relations and US mediation efforts in the Middle East peace process. As a senior diplomat, he was a first-hand witness to a number of momentous events in the recent history of US involvement in the Middle East, including Iraq’s invasion of Kuwait in 1990, the 1991 Arab-Israeli peace conference in Madrid, the 1993 Palestinian-Israeli Oslo Peace Accords and the US-led invasion of Iraq in 2003. Throughout the book, Fahmy does not shy away from exhibiting his frustration at failed US endeavors in the Middle East, oscillating between pinning the blame on the incompetence of its leaders and accusing them of political opportunism. For instance, he describes the 2000 Camp David peace summit as “fully a failure of American diplomacy” (94), considers Barack Obama’s response to Egypt’s revolution in 2011 as “an exercise of amateurish diplomacy,” (188) and, overall, determines that the US was not “an honest broker” between the Israelis and the Palestinians (102).  

            Nothing throws more light on the complex ties between a superpower seeking absolute hegemony and a regional power that strives to maintain some foreign policy independence than the title Fahmy picked for his chapter on US-Egypt relations: An Indispensable but Uncomfortable Relationship. Indeed, the book demonstrates that, short of being a classical patron-and-client relationship, the four-decade US-Egypt strategic alliance involved a great deal of push-and-pull and frequent quarrels, controversies and differences of opinion. Fahmy opines that the US “was uncomfortable to find Egypt frequently taking independent positions, particularly on matters related to the Arab-Israeli peace process” (163), and that it was “determined to put a price tag on [Egypt’s] independent streak” (164). Regrettably, he says, American politicians, over the generations, “only viewed Egypt’s regional role through the prism of peace with Israel” (164).

            The book primarily focuses on the workings of Egypt’s diplomacy over the past five decades. As such, it helps readers better understand the diverse features, strategies, negotiating tactics and key figures of Egypt’s foreign policy, the intricate dynamics of its decision-making process, as well as the personality and policy preferences of the man who stayed at Egypt’s helm for three decades (1981- 2011): Hosni Mubarak. Throughout its ten chapters, the book also delves into discussing several major issues in Egypt’s recent history, such as its problematic relations with a former foe, Israel, in the time of peace; Cairo’s efforts to free the Middle East region from weapons of mass destruction; the question of succession to the presidency in Mubarak’s last years in office; and the tumultuous events that engulfed the country in 2013-2014. The section on Egypt’s thorny relations with riparian Nile states in Chapter 6 acquires its timeliness from the current heated dispute between Egypt and Ethiopia over the latter’s construction of the Grand Ethiopian Renaissance Dam on the Blue Nile.  

The book, moreover, examines the rough terrain of Arab politics and US engagement in the Middle East, highlighting the author’s behind-the-scenes encounters and conversations with a large number of world leaders, including Bill Clinton, Al Gore, George W. Bush, Barack Obama, Yasser Arafat, Yitzhak Rabin, King Hussein of Jordan, and Muammar Gaddafi. Still, readers might infer that the author knows more than he says, and that, probably influenced by his long career in the diplomatic service, he tends to be reserved and reticent in his writing. Indeed, the book frequently veers from discussing the author’s rich personal experience to becoming a rather tedious textbook about the recent history of the Middle East.    

In sum, the book’s insights, perspectives, information and anecdotes make it of use to anyone interested in Middle East politics, international diplomacy and Egyptian history. Its primary value stems from its provision of a great many useful insights into the internal and external dynamics of Egyptian and Middle East politics, especially considering the overall scarcity of memoirs written by Arab politicians in recent years.

 

Nael Shama

* This book review appeared first in the November 2020 issue of the journal International Affairs.


Sunday, December 6, 2020

Chapter in New Book on the Relationship between Asia and the Middle East

I am pleased to have contributed to this book with a chapter entitled “The View from Egypt”. The book, which is edited by Valeria Talbot and Ugo Tramballi, was published by the Italian Institute for International Political Studies.

This volume explores the rising political, economic and military ties between major Asian powers, particularly China, Japan, India and South Korea, and countries in the Middle East and North Africa, attempting to assess their nature, significance and implications. You can download a PDF version of the book from this page: https://www.ispionline.it/it/pubblicazione/looking-west-rise-asia-middle-east-27114.

Friday, December 4, 2020

In Search of Balance: Egypt and the Great Powers

 

In his recently-published memoirs, Egypt’s former foreign minister, Nabil Fahmy, painted a clear picture of the prevalent mood inside Egypt’s ruling establishment concerning the country’s stance towards great powers. In the 2000s, he explains, former president Hosni Mubarak and many of his aides “came to believe” that the United States was pushing for a regime change agenda in Egypt. While Mubarak is long gone, Washington’s unsupportive attitude towards the Egyptian government during the events of the Arab Spring consolidated such views among a large number of Egyptian officials and policymakers. Hence, an “extremely widespread” and potent “conspiracy theory” has come to rule the day with regards to Egypt’s international relations. Fahmy was no proponent of this theory, but in a meeting held with senior officials soon after he took on the mantle of minister of foreign affairs in 2013, he put forth what would become the motto of Egyptian foreign policy: “Over-dependence on the United States or any other state is detrimental to our interests”.     

In terms of impact, Egypt’s historic turn to the United States in the aftermath of its 1973 war against Israel was one of the greatest reversals of alliance in the modern history of the Middle East. It paved the way for decades of a deep and multifaceted alliance between the two countries. Since the late 1970s, the US has provided Egypt with at least $80 billion in military and economic aid, cooperated with Cairo in promoting Arab-Israeli peace, combatting terrorism, and evicting Saddam Hussein’s forces from Kuwait. Bilateral cooperation also included significant levels of trade and investment, and biannual military exercises. However, the gradual US retreat from the Middle East over the course of the last decade and rising Egyptian concerns about frequent US denunciations of Cairo’s human rights abuses made the alliance look like it had run its course.

Indeed, seeing US assistance suspended or delayed several times from 2013-17 over its human rights record, Cairo decided to diversify its international allies, heavily engaging with the two rising stars on the stage of world politics: Russia and China. Moscow had upgraded its involvement in the Middle East, propping up Bashar al-Assad’s regime in Syria and becoming a major player in the Libyan civil conflict. Two months into his presidency, President Abdel Fattah al-Sisi visited Moscow. In the following few years, the value of bilateral trade increased, Egypt purchased billions of dollars’ worth of Russian military hardware (including fighter jets and attack helicopters), a Russian industrial zone in Egypt was created, and the two countries signed a strategic partnership agreement. Moreover, Russia bought a 30% stake in Egypt’s giant Zohr gas field, and it is currently constructing Egypt’s first nuclear power plant, located on the Mediterranean coast, pursuant to a deal to the tune of $25 billion. Politically, the two countries are apprehensive about the specter of radical Islamist movements, and they see eye-to-eye on developments in both Syria and Libya. Of all these spheres of cooperation, the military one seems to be the most crucial for Cairo. It includes not only the purchase of sophisticated jets and weapons systems, but also military drills and efforts to enhance the interoperability of the two armies.

If military ties cemented Egypt’s relations with Russia, it was economic and business considerations that brought Egypt and China closer together. Egypt had taken notice of China’s coming into bloom as an economic superpower, and a political superpower-in-waiting. Keenness about upgrading its ties with Beijing led to an extensive deepening of bilateral relations over the past few years. Sino-Egyptian ties now involve numerous and frequent presidential meetings, vigorous trade, investment and industrial relations, a vibrant joint economic zone in Egypt’s Suez region, broad participation by Chinese companies in the construction of Egypt’s new capital, and plans for a vital Egyptian participation in China’s ambitious Belt and Road Initiative. As a result, China has become Egypt’s main trading partner, surpassing the US, Germany and Italy, Egypt’s traditional business partners. Low levels of military and security cooperation have also been put in place in recent years. 

A defining feature of Egyptian foreign policy over the decades was the congruence between its policy towards superpowers on the one hand and domestic economic policies and political plans on the other. In the 1950s and 1960s, for instance, Nasser’s socialist policies and his quest for regional leadership compelled him to turn to the Soviet bloc. In contrast, Sadat’s  quest in the 1970s for economic development, modernization and peace with Israel dictated closer ties with Western nations, especially the US. 

Today, the picture looks more ambivalent, and the lines have not been clearly drawn. After all, America’s single-superpower moment seems to have passed, but no bipolar or multipolar world structure has yet emerged in its place. Cairo is clearly hedging its bets, wishing to have it all ways: US military aid and diplomatic support, Russian military hardware and Chinese capital. Whether simultaneously courting all parties is a viable policy over the long-run, let alone at what cost, still remains to be seen. President’s al-Sisi’s friendly relationship with US President Donald Trump notwithstanding, the US administration had already threatened to impose sanctions on Egypt if it went ahead with plans to purchase sophisticated fighter jets from Russia. At any rate, if the Democratic candidate Joe Biden makes his way to the White House, Egypt may have to make some hard choices.

 

Nael Shama

* This article appeared first in a dossier titled “Egypt at the Crossroads: Pandemic, Authoritarianism and Geopolitical Aspirations” (Italian Institute for International Political Studies, September 2020).