Showing posts with label Egyptian Government. Show all posts
Showing posts with label Egyptian Government. Show all posts

Thursday, September 21, 2017

يوم تحين لحظة التغيير في مصر (4): خطوات على درب المستقبل

وبعد، فلا شك أنه ثمة صعوبات هائلة وعقبات عديدة تقف على طريق التغيير الوعر، سواء الآن، أوعندما تنفغر فرصته كزهرة ناضرة يوماً ما، لكن الفشل بالتأكيد ليس مصيراً محتوماً أو قدراً مقدوراً. ولعله من العبث تناول عوامل التغيير دون التوقف ملياً أمام شرطين رئيسيين - ومرتبطين ببعضهما البعض - من شروطه، ألا وهما الحداثة والمعرفة.
فالحداثة الحقة – لا تلك الرثة المهيمنة على حيواتنا والمتوغلة تحت مسام شعوبنا - تعد من الزاويتين الهيكلية والقيمية من العوامل التي تسهل عملية الانتقال الديمقراطي. في ظل التقليد يظل الوجود في بؤس، والوجوه في وجوم، والدهر في تكرار سقيم. فقط في ظل مجتمعات مغمورة في البنى التقليدية والمعتقدات البالية يمكن أن تتطاير من الأفواه الأباطيل المحشوة خبلاً، مثل ما قال القذافي يوماً حين أفتى بأن الديمقراطية معناها الديمومة على الكراسي، أو أن يقول وزير في ملاوي دفاعاً عن رئيسه المستبد: "لا توجد معارضة في الجنة. الله نفسه لا يريد معارضة، ولذلك طرد الشيطان من جنته. فلماذا يجب على كاموزو (رئيس البلاد) أن تكون له معارضة؟"  وفي مصر تكرر عبر السنوات استخدام عبارات مثل الزعيم الملهم والرئيس المفدي والقائد فلتة الزمان الذي هو هدية من السماء. مع الحداثة يأتي التنوير وتتوارى اللجة ويرتفع الوعي وتقضي الجهالة نحبها، في ما يخص السياسة وما يخص غيرها. إذ مخطئ أشد الخطأ من يظن أن موقف الناس من مسائل اجتماعية وثقافية محضة مثل الثقافة الأبوية وميراث الإناث والختان والنظرة للفنون والموقف من الأقليات ومن الآخر منفصل عن موقفهم من قضايا الاستبداد والديمقراطية. بل هي في غالب الأمر منظومة واحدة كالأواني المستطرقة ينفث بعضها في بعض، إما تنويراً أو جهلاً.   
كذلك لا مناص أبداً من المعرفة، ففيها الخلاص الأخير من ربقة الاستبداد، وهي بالتالي شرط رئيسي من شروط التغيير الحق. فمهما صدقت نوايا الطليعة المستنيرة، ومهما بلغت درجة إخلاصها، فإن مجهوداتها تظل معلقة في الهواء إن جرت في محيط تهيمن عليه منظومة الجهل، وسائر الأفكار والتصورات الناتجة عليها. أليس هذا ما حدث تقريباً لتجربة يناير؟ طليعة متسلحة بأفكار العصر وروحه، ومستعدة لبذل الغالي والنفيس من أجل الوطن، لكن مكاسبها في الميدان صارت هباءاً تذروه الرياح حين اتسعت القاعدة لتضم الجميع، الواعون والغافلون، نافذو البصيرة ومن ينظرون تحت أقدامهم، قوى الاستنارة وقوى الظلام.
لكن تغيير العقول يتطلب وقتاً وجهداً وصبراً، والمستقبل لن ينتظر طويلاً، وساعة العمل دقت بالفعل. في السطور القادمة بضعة أفكار عن سبل تجاوز المأزق الراهن. ومن المهم هنا الإشارة إلى أن هذه مجرد أفكار عامة وأولية، هي أقرب إلى العصف الذهني منها للرؤية المكتملة، أساهم بها في النقاش العام حول المستقبل، لعلها بالاشتراك مع أفكار أخرى تزيل من الدرب حجراً، أو تنير في العقل طريقاً:
-          المصالحة الوطنية ليست ترفاً، بل ضرورة سياسية وحق إنساني. ويجب أن تشمل المصالحة الجميع، إلا من ثبتت عليه بشكل فردي تهم الفساد السياسي أو الإرهاب. وفي هذا الإطار، لا ينبغي أن تؤخذ فئة أو طائفة أو حزب بجريرة بعض أفرادها من المارقين أو الفاسدين، فذلك لا يحقق عدلاً بل يطبق عقاباً جماعياً. ولأن الجروح غائرة والميراث ثقيل، فلتعتمد المصالحة في مهدها على عتصرين. الأول قليل من الإغضاء عن أخطاء الماضي، وذلك بالتسامي فوق دواعي الكبرياء والخوف، ولواعج البغض والمقت، التي لا تمسك بمجتمع إلا نهشته وأقعدته عن النهوض. أما الثاني فإعمال مبدأ "المصارحة قبل المصالحة" تأكيداً على حسن النوايا وإزالة للريبة والشكوك. وبشكل عام من المهم أن نجعل من الماضي - كما قال توفيق الحكيم - منصة للقفز لا أريكة للاسترخاء، وأضيف  من عندي: ولا سوطاً لجلد الذات والغير. أما من الناحية العملية، فإن تجارب المصالحة الوطنية التي يمكن أن ننهل من دروسها عديدة، من جنوب افريقيا ورواندا لميانمار وشيلي وجواتيمالا وغيرها.   
-          إنهاء حالة التشرذم القائمة حالياً بين جميع القوى الديمقراطية صارت ضرورة، إذ لا يعقل في مواجهة سلطة تتشبث بمواقعها باستماتة أن يوجد على الساحة كل هذا العدد من القوى والتنظيمات دون أن تتحد تحت مظلة واحدة وبرنامج عمل موحد. في إطار ذلك، لعل البداية تكون بصياغة وثيقة أساسية تضم مبادئ عامة ومطالب رئيسية، تراعي الحد الأدنى للتوافق ولا تتطرق لمواطن الخلاف. ثم يلي ذلك محاولة الحصول على دعم القوى السياسية والمواطنين لها، بغرض زيادة الضغط على السلطة لتقديم تنازلات حقيقية فيما يخص المجال السياسي وأوضاع حقوق الإنسان. 
-          توسيع معسكر الراغبين في التغيير، وذلك عبر تخفيف هواجس الخائفين من التغيير المتعلقة بالأمن القومي واستقرار الأوضاع، وتبديل مفاهيمهم عن الثورة والتغيير، عبر تبيان أن الهدف الأخير والأسمى مشترك، ألا وهو رفاهة الشعب وسعادته، وأن الاختلاف بيننا يكمن فقط في وسائل هذا التغيير. وأيضاً إظهار أن مصر تستحق ما هو أفضل بكثير من الوضع الراهن، وأن تحقيق ذلك أمر غير عسير. فالوطن للجميع مهما عصفت ريح الخلافات بنا، هو لنا كلنا الأصل والعمر والمآل، وإخوته لن يطمسها شئ أبداً، والمستقبل يظل دائماً أهم من الماضي.   
-          امتلاك زمام المبادرة أمر حيوي، على الأقل لإثبات أن قلب السياسة لم يكف عن الخفقان. ومع أهمية دخول كل معترك مدني أو قانوني من أجل اثبات التواجد ونشر الأفكار، وعدم ترك الساحة خالية للسلطة وأدواتها، إلا أن التركيز على الملفات المهمة أمر أكثر جدوى. فالاصطفاف خلف أهداف قليلة ومحددة أفضل من تبديد الجهود في الهرولة وراء كل القضايا. ولعل الأولوية الآن هي للتباحث في شأن الموقف من الانتخابات الرئاسية المقرر أن تبدأ إجراءاتها في غضون شهور قليلة. يأتي ذلك على الرغم من تضاؤل فرص الفوز بها. ولكن لعل الجميع يدرك أن المعارك كثيراً ما تحسم بالنقاط لا الضربات القاضية. وأياً كان الموقف من الانتخابات وغيرها من القضايا فالمهم أن يظل دائماً موقفاً موحداً وثابتاً.
-          أما معايير اختيار المعارك السياسية الواجب التركيز عليها فيعتمد على أهمية الموضوع وتأثيره على فرص حلحلة الأوضاع وتقويض السلطة وتمهيد الطريق نحو تغيير أكبر. ويمكن الاقتداء في هذا الصدد بالتجربة الناجحة التي خاضها المحامي القانوني خالد علي في مواجهة اتفاقية ترسيم الحدود المصرية السعودية.  
-          البحث عن قيادة تروج وتعبر عن معاني الديمقراطية وقيم الحرية واحترام كرامة الإنسان. فالشعوب تميل بالفطرة لشخصنة الأفكار، وأغلب الناس كما قال الملك الحسن الثاني يوماً لا يكترثون كثيراً بالبرامج أو الخطط أو الأفكار وسائر المطلقات، وإنما بفريق من البشر، يتبعونهم ويخلصون لهم، ويفضل أن يكون لهذا الفريق قائد واحد وصوت واحد. كان هذا حال عبد الناصر الذي جسد للجماهير معاني الحرية والاستقلال والنهضة، وأعفاهم من مشقة التفكير في هذه المفاهيم السياسية ومدلولاتها العملية. وعلى الرغم من أن في جوهر هذا المنحى استسلاماً لآليات غير صحية نأمل أن تتغير، إلا أن للضرورات في هذا الزمن الوغد أحكامها.    
-          التمييز بين معارضة سياسات السلطة وهو حق أصيل، وبين الحفاظ على وحدة الجيش، وهو واجب لا يتزعزع. فالقوات المسلحة بحجمها ودورها وتاريخها ركن لا غنى عنه في الحفاظ على وحدة البلاد وسلامتها، ولا يمكن بأي حال من الأحوال محو ارتباط الشعب بالجيش، ولا محو الذكرى العطرة لأكتوبر 1973م. وإنطلاقاً من الحرص على سلامة الوطن والجيش معاً فلابد من الإعلان وبلا مواربة أن العلاقات المدنية-العسكرية تعرضت لخلل شديد في السنوات القليلة الماضية. وأن لهذا الخلل تبعاته السلبية على كل مناحي الحياة في مصر. ولا حل لاستعادة التوازن المفقود في المجتمع سوى بعودة كل طرف إلى قواعده. ومن ثم تبرز أهمية فتح حوار مع قيادات المؤسسة العسكرية، وشرح كيف أن انفتاح المجال السياسي ليس استهدافاً للجيش، بل هو على العكس يصب تماماً في مصلحته، الآن ومستقبلاً.   
-          في إطار إدارة العلاقة الشائكة مع السلطة، لم لا يتم إحياء فكرة الوفد؟ المقصود تكوين وفد بقيادة شخصية قوية العزائم كريمة الشمائل لا سبيل للطعن في شرفها، وذات مصداقية وشعبية واسعة في الداخل والخارج، وعضوية مجموعة من رموز الأمة. ويكون تكوين الوفد تعبيراً عن أن الأوضاع لم يعد من الممكن السكوت عليها، ومهمته أن يتفاوض مع السلطة رافعاً لائحة محددة من الطلبات المدعومة شعبياً (أكرر، المقصود التفاوض حول طلبات، لا رفع الطلبات انتظاراً لمكرمة أو هبة). ربما قال قائل إن السلطة عصية على الإصلاح، ولا فائدة من الحوار معها، وربما كان هذا صحيحاً. لكن التجربة خير برهان، ثم أن الفكرة في حد ذاتها ستؤدي إلى قليل من إعادة إحياء السياسة بوصفها ميداناً للتفاوض بين مختلف قوى المجتمع. أليس هذا أفضل – ولو قليلاً – من حالة الموات التام السائدة حالياً؟   
أما اللاءات الثلاث التي ينبغي أن تحكم ميثاق العمل الوطني فهي:
1-      عدم اللجوء للخارج بتاتاً، لأن المسألة برمتها مصرية. أما الجبهات التي تشكل في الخارج فغير مفيدة ولا قيمة لها، لأسباب مبدأية، فضلاً عن أنها تشوه سمعة الجهود الوطنية، إضافة إلى أن التواجد بالخارج يعرضها للاستغلال من الدول المضيفة، ولها مصالحها الخاصة بالطبع.
2-      عدم اللجوء للعنف. ففضلاً عن أسئلة المشروعية الأخلاقية الواضحة فإن الجدوى السياسية له محدودة للغاية.
3-      التوقف عن التخوين والسباب والنبش في اختلافات الماضي وإطلاق الاتهامات الجزافية بحق الحلفاء والغرماء على حد سواء. قديماً قيل: اعوجاج اللسان علامة على اعوجاج الحال. وعدالة القضايا بالفعل يلوثها السلوك والخطاب المعوج للمدافعين عنها.  
ما لا يدرك كله لا يترك كله، والنزال في القضايا الكبرى يحتاج لنفس طويل، واحتساب للصبر الجميل، ثم تنويع في الوسائل وتفرقة بين المراحل المختلفة للصراع دون تململ أو شكوى، ويبقى أن إشعال شمعة خير ألف مرة من لعن الظلام أناء الليل وأطراف النهار، وهو ما وصل إليه حالنا للأسف الشديد. 

د. نايل شامة
* نُشرت هذه المقالة بموقع المنصة (بتاريخ 21 سبتمبر 2017).        


Thursday, June 19, 2014

الدولة الأمنية والمجتمع الأمني في مصر

  

يقال في التراث العربي إن "الناس على دين ملوكهم"، فصلاح الحاكم يصلحهم وفساده يفسدهم، ويقال أيضاً نقيض تلك العبارة: "كما تكونوا يولى عليكم"، أي أن نظام الحكم ما هو إلا مرآة عاكسة للشعب وشخصيته وخصائصه الثقافية، ومن داخل هذا الإطار طرح الفيلسوف مالك بن نبي مفهوم "القابلية للاستعمار"، والذي يفضي إن مُد على استقامته إلى فكرة "القابلية للاستبداد" عامة. أياً ما كان الأمر فإنه مما لا شك فيه أن ثمة علاقة جدلية تربط بين الحاكم والمحكوم، فكلاهما يؤثر في الآخر ويتأثر به، ليتشكل من دينامية تفاعلاتهما البيئة الحاضنة لهذا أو ذاك التوجه السياسي، والسلوك الإنساني، والمسار الحضاري.    
الوضع في مصر اليوم خير مثال على ذلك التفاعل بين السياسي والمجتمعي، فثمة إحساس طاغ بالحرب غُرس وسُقي في ردهات السلطة، فاستشرى وتوغل بين جنبات المجتمع. تحليل مضمون تصريحات المسئولين سيكشف على الأرجح أن أكثر العبارات تداولاً على ألسنتهم هي "المؤامرة" و"الخطر" و"الأمن القومي". أما وسائل الإعلام المساندة للدولة فاستعاضت عن باحثي العلوم السياسية والاجتماعية بطوفان ممن يشار إليهم بحسبانهم "محللين أمنيين"، وهم ضباط أمن سابقون يدرك أغلبهم السياسة من منظور أمني، ويتحدثون في شئونها على الهواء كما كانوا، على ما يبدو، يثرثرون عنها مع مرؤوسيهم قبل التقاعد. ثم إن الحرب التي تخوضها الدولة المصرية ليست فقط مع الجماعات الإرهابية التي ترفع السلاح وتقوض الاستقرار، بل مع الجميع: مع العالم الذي يترقب ويناقش، ومع الصحافة التي ترصد وتنتقد، ومع شباب تنعي بكائياته ضياع الحلم وانطفاء جذوة الثورة.
انهماك الدولة في قرع طبول الحرب أدى إلى قيام مجتمع ذي حس أمني عال، يرصد المخاطر، ويتحسب لكل كلمة أو هفوة لعلها تخفي ورائها خطراً أو تهديداً عظيماً. سادت لذلك أجواء التربص والارتياب، والخوف من "الآخر"، وبزغت النزعة إلى التفتيش في النيات، وممارسة العقاب الجماعي. والشاهد أن الدولة لم تكتف بحشد المواطنين في معاركها تحت رايات المصلحة القومية وحب الوطن، بل شرعت (ولو ضمنياً) في تأليبهم ضد بعضهم بعضاً. يشير إلى ذلك بوضوح تعبير "المواطنون الشرفاء" الذي ظهر في مصر في أعقاب ثورة 25 يناير. والمقصود بهم أولئك الذين يأخذون على عاتقهم مساعدة الأجهزة الأمنية في القبض على المتظاهرين وتسليمهم للشرطة، بدعوى الحفاظ على الأمن وفرض الانضباط. بعبارة أخرى، هم مواطنون مدنيون انتزعوا لأنفسهم بمباركة أجهزة الدولة حق الضبطية القضائية، والقيام بدور الشرطة في مجتمع يضطرم بنير بالتوتر والانفلات والصراع السياسي. 
بالتزامن مع ذلك، يسود بين عموم المصريين تقدير وتمجيد نادران لرجال الأمن، ما يطرح كثيراً من علامات الاستفهام والتعجب. أولها يتأمل في ما تغير منذ يناير 2011م حين بلغ غضب المصريين من الشرطة مبلغاً دفعهم للثورة عليها ومهاجمة مقارها. وثانيها يتعجب من ذلك الإجلال الذي يتزامن مع استمرار زهق الدماء والتعذيب وسائر الانتهاكات. وثالثها يدهش من عدم قدرة المجتمع على غربلة ما يساق إليه من حجج، واستجلاء القيم منها من الرث.    
لقد تفاقم التشوش في خضم الإحساس بوطأة الصراع السياسي عقب عزل الرئيس محمد مرسي، إذ اختلط المعقول باللامعقول، وامتزجت المفاهيم في شكل يتعذر استيعابه، فصارت الهرطقة ديناً والإيمان كفراً. يتداخل في الفضاء العام زحام من الصور والروايات والحجج المباركة لقبضة الأمن الحديدية، لينتج صورة غائمة مموهة تتأرجح بين فضاءات العبث وابتهاجات الوهم وغوايات الأساطير. الأمثلة كثيرة ومتنوعة، ففي أجواء المجتمع الأمني المحمومة وُصفت حكومة رئيس الوزراء السابق حازم الببلاوي مراراً وتكراراً بأنها حكومة "الأيدى المرتعشة"، على رغم قيامها بإصدار الأمر بفض اعتصامات مؤيدي مرسي الذي أسفر في أقل التقديرات عن وفاة أكثر من 600 شخص في يوم واحد، وعلى رغم قيامها أيضاً بإصدار قانون التظاهر المثير للجدل، وإعتبارها جماعة الإخوان المسلمين جماعة إرهابية استباقاً لحكم القضاء. وعلى إحدى القنوات الفضائية المصرية انبرت مذيعة لتقول بملء الفم أن "الدولة البوليسية القمعية" كانت وستظل ضرورة لمواجهة الإرهاب. فيما قال إعلامي وصحافي ملأت شهرته الأفاق أن "النفاق مطلوب من أجل الوطن"، وقال صحافي آخر أنه يتشرف بكونه عميلاً لأجهزة المخابرات و أمن الدولة.     
تاريخياً، ظلت نظرة المصريين لرجال الشرطة مثقلة بالمشاعر السلبية والضعائن، وفي رواية "بداية ونهاية" للأديب نجيب محفوظ إشارة مستترة إلا ذلك، لكن شيئاً ما تغير في السنوات الأخيرة. لا يمكن إغفال تأثير الإلحاح الإعلامي على ذهنية الشعب، أو استبعاد الخاصرة الرخوة التي ينفذ منها الاستبداد دوماً لتقديس السائد وتسفيه التغيير: الغرائز البدائية، كغواية الأمل في تحسن الأحوال وعصا الخوف من المجهول.  
لتلك الأسباب وجاهتها، لكن الأمر ربما يتعدى ذلك. لقد استفاض المفكر باولو فريري (1921-1997) في كتابه الأشهر "تربية المقهورين" في الحديث عن "التجرد من الإنسانية" الذي يحدث لكل من القاهر والمقهور في ظل استدامة بنية القهر. يقول فريري أن المقهور المغمور في أغلال بيئة قاهرة لا يدرك حقيقة أنه مقهور على رغم بداهتها، وإن أدركها فهو يخشى الحرية لأنه ألف الاضطهاد وتكيف معه، وإن أدرك الحرية فقد يتحول إلى قاهر جديد، لأن ذلك المفهوم المشوه عن جوهر الإنسانية – القائم بالضرورة على وجود ثنائية القاهر والمقهور - ترسخ في أعماق عقله لدرجة يستعصي محوها. من هنا يمكن فهم لماذا يبرر بعضهم التعذيب مثلاً معتبراً إياه من طبائع الأشياء، أو يضمر الكراهية للتغيير (وبالطبع الثورة) ناظراً إليه في شكل لا واع كشر مستطير ينبغي وأده.      
الدول السلطوية ليست في حاجة إلى مواطنين، بل إلى مخبرين، يعاونوها على أداء مهماتها الأمنية، ويغضون الطرف عن انتهاكاتها، أو يبررونها إن لزم الأمر. أما المواطنون فمنقسمون لفئتين أشار إليهما بحذق وبصيرة الطبيب والكاتب الراحل مصطفي محمود (1921-2009) بقوله: هناك من يناضلون من أجل التحرر من العبودية، وهناك من يطالبون بتحسين شروط العبودية.   


د. نايل شامة

* نُشرت هذه المقالة بجريدة الحياة (بتاريخ 16 يونيو 2014).

Tuesday, December 17, 2013

Cairo and Moscow: Limits of Alliance


Egyptian-Russian relations have recently been marked by a substantial increase in diplomatic activity amid a media frenzy over a potential arms deal. These developments have given rise to suggestions that Egypt's foreign policy is shifting away from the United States and toward Russia—a major realignment given Egypt's extensive political and military ties with the United States since the 1970s.
The flurry of Egyptian-Russian diplomatic activity in the past months has indeed been remarkable. The visit of Egypt's foreign minister Nabil Fahmy to Moscow in September was followed in October by an unusual visit to Cairo by the Russian intelligence chief, Viackeslav Kondraskou. In November, an Egyptian popular diplomacy delegation that included former diplomats, former MPs, public figures, journalists, and artists visited Moscow to "express appreciation" for Russia's support of the "June 30 revolution,"[1] a Russian warship docked at the port of Alexandria for the first time since 1992, and a high-level Russian delegation including Foreign Minister Sergey Lavrov and Defense Minister Sergei Shoigu visited Cairo to hold talks with their Egyptian counterparts.
The timing and pace of the expansion of bilateral ties with Moscow has been primarily seen against the backdrop of Cairo's relations with the United States, its key strategic ally and military donor. These relations have been bedeviled since the removal of President Mohamed Morsi last July. Although the United States has acknowledged the status quo in Egypt and avoided labeling the regime change as a "coup," it has undertaken a number of punitive measures that produced a chasm between it and Egypt's interim government and defense establishment. Troubled by the bloody crackdown on Morsi's supporters in August, the Obama administration called off the biannual joint U.S.-Egypt military exercise "Bright Star" and halted the delivery of military hardware to Egypt, including F-16 fighter jets, Apache helicopters, Harpoon missiles, and tank parts.
The Egyptian rapprochement with Moscow seems to reflect an Egyptian interest in creating balance in its foreign relations by diversifying its alliances and minimizing its heavy reliance on Washington. It is also driven by the rising Russian influence in Middle East politics, particularly in the Syrian conflict, and by a shared Russian-Egyptian interest in combating militant Islamic groups. However, there are a number of reasons why it is highly unlikely that Egypt's leadership aims to substitute Washington with Moscow as its chief international patron.
First, the Cold War's bipolar structure, which allowed developing countries to play superpowers against each other in order to extract political and economic concessions from both, collapsed more than 20 years ago. Russia today is neither capable of supporting Egypt as generously and defiantly as the Soviet Union did in the 1950s and 1960s nor is Egypt as strategically significant to Moscow as it was at the height of U.S.-Soviet rivalry. Egypt's leaders certainly realize the constraints imposed by the U.S.-dominated global configuration of power and have repeatedly emphasized that their interest in developing closer ties with Moscow does not come at the expense of their strategic alliance with the United States. Asked by the daily Kuwaiti Al-Siyasa about whether Egypt intends to introduce changes to its alliance with the United States and the European Union, General Abdul-Fattah el-Sisi, the Commander-in-Chief of the Egyptian Armed Forces, said that "Egypt's morals" and political "prudence" do not sanction such maneuvers.[2]
Second, the deep, cumulative effect of more than three decades of close Egyptian-American cooperation, particularly on the military and security fronts, makes such closeness unlikely to fundamentally diminish. Military cooperation between the two countries has developed over the years into a multifaceted program that includes, from the United States, a generous $1.3 billion annual aid package, substantial armaments supplies, training of Egypt's military personnel in the United States, and transfer of technology. Egypt provides the United States with a guarantee of secure naval passage through the Suez Canal, the provision of military facilities, and limited access to Egyptian airfields. The two countries also coproduce weaponry and conduct joint military exercises. Any attempt to dismantle this edifice would be financially costly to the Egyptian military and practically difficult.
The working relationship between Egypt's array of security agencies and their American counterparts is likewise solid and deep-rooted. Joint cooperation in the fight against terrorism intensified after 9/11 and has continued unabated. In a recent interview with the Washington Post, the director of Egypt's General Intelligence Service, Mohamed Farid el-Tohamy, said that he is "in direct contact with [Director] John Brennan at the CIA and the local station chief, more than with any service worldwide."[3] Information sharing with U.S. intelligence agencies is expected to increase in light of the intensification of Egypt's war against militant insurgents in Sinai.
Third, diplomatic relations between any two states are bolstered when the political elites of both countries are tied by like-mindedness and congruence of opinion. One reason behind Egypt's sudden turn to the West in the 1970s was the personal disposition of its leader, Anwar Sadat, who disliked the Soviets, describing them once as a “crude and tasteless people."[4] In contrast, the harmonious friendship American politicians (particularly President Jimmy Carter) developed with Sadat played a substantial role in facilitating the conclusion of the Camp David Accords in 1978.
Despite strong disagreement between Egyptian and American officials over the events accompanying and following the removal of Morsi, there is nonetheless a deep attachment to, and even admiration for, the values and ethos of the West among the majority of Egypt's top brass. None of them witnessed the golden age of Egyptian-Soviet relations, which was forged in the mid-1950s and lasted until the mid-1970s. El-Sisi was only 18 when Sadat, in 1972, expelled the Soviet military advisors who had been stationed in Egypt since the country’s disastrous defeat by Israel in 1967, effectively ending what had represented the zenith of Egyptian-Soviet military cooperation. Egypt's senior military officers thus have no special affection for Russia or its military doctrines. The majority of them, including el-Sisi, received training in the United States and/or have participated in joint military exercises with the United States.
Fourth, major foreign policy realignments generally follow major domestic political changes, such as profound revolution, key changes in leadership, or the restructuring of socioeconomic policies. The change of regime in Egypt this past summer did not establish a new state with new institutions, doctrines, and aspirations, but rather brought back the old state, reviving its security apparatus and reinforcing its deep-rooted patterns of alliances. The massive crackdown on protestors, the return of Mubarak loyalists to positions of prominence, and the restoration of the alliance between the security apparatus, the bureaucracy, and the business community attest to the return of much of the pre-2011 state. And, as Egypt's foreign policy did not witness much change under the rule of the transitional SCAF government and then under Morsi, it is unrealistic to expect a revolutionary change in that policy today.
It can be argued that Egypt's flirtation with Russia does not mean a shift in the country's foreign policy away from the United States as much as an attempt to induce the United States to shift its Egypt policy back to where it was before. In fact, Mubarak often employed this tactic of getting closer to competitors or enemies of the United States, such as Iran, in order to pressure the United States and to arouse concern among American politicians about the prospect of losing Egypt, encouraging them to amend unfavorable policies.
Whether one looks at Egypt's relations with Russia and the United States from a geostrategic standpoint, the perspective of political elites, or the angle of domestic political structure, the conclusion reached is the same: Egypt seeks closer ties with Russia, but it remains allied to the United States, the current crisis in bilateral relations notwithstanding. Egypt's relationship with Washington has indeed bent many times over the past decades, but it has never broken. A massive change in Egypt's foreign policy behavior will only occur if a massive change takes place in the underlying determinants of that behavior.

Nael Shama
* This article appeared first on the website of the Middle East Institute on December 16, 2013.  

[1] Joel Gulhane, "Popular Delegation Travels to Russia to Express Appreciation," Daily News Egypt, 7 November 2013, http://www.dailynewsegypt.com/2013/11/07/popular-delegation-travels-to-russia-to-express-appreciation/.
[2] "El-Sisi to the Kuwaiti Al-Siyasa: Those Who Realize the Magnitude of Egypt's Problems Will Not Enter the Presidential Race," Al-Araby, 21 November 2013, http://www.alarabynews.com/?p=126642.
[3] David Ignatius, "The Future of Egypt's Intelligence Service," The Washington Post, 11 November 2013, http://www.washingtonpost.com/blogs/post-partisan/wp/2013/11/11/the-future-of-egypts-intelligence-service/.
[4] Ali E. Hillal Dessouki, "The Primacy of Economics: The Foreign Policy of Egypt," The Foreign Policies of Arab States: The Challenge of Change, Bahgat Korany and Ali Hillal Dessouki, eds. (Boulder, CO: Westview Press, 1991), 166.

Monday, October 28, 2013

أبناء الدولة وأيتام المجتمع


حرص وزير التعليم ومحافظ الجيزة ومدير الأمن بالمحافظة في أول يوم دراسي على اصطحاب نجلي اللواء نبيل فراج الذي استشهد في العملية الأمنية الموسعة التي جرت مؤخراً في كرداسة من منزلهما إلى مدرستهما، وقاموا بمرافقتهما حتى باب فصلهما، وذلك "للاطمئنان عليهما" بحسب وصف جريدة الأهرام. وأثناء الزيارة بكى الوزير من فرط التأثر على والد الطفلين، شهيد الوطن الذي سقط في معركة الدولة ضد الإرهاب. بالتوازي مع ذلك، سقط مئات المصريين في الصراع السياسي الدائرة رحاه منذ منتصف أغسطس الماضي، لم يستمع ذووهم إلى كلمة مواساة أو عزاء واحدة.   
تحظى الدولة المصرية التي أنشأها محمد علي وعمقها جمال عبد الناصر بطبيعة أخطبوطية وميتافيزيقية في آن، ففضلاً عن أن مؤسسات الدولة ومظاهرها موجودة في كل مكان، فإن حضورها النفسي بالغ التأثير. إذ تحيط بالدولة هالة من الاحترام والتقديس، تمتد بالتبعية إلى قادتها وموظفيها وممثليها. وفي اللغة الدارجة يشار إلى الدولة ومسئوليها باعتبارهم "الحكومة"، سواء كانت الإشارة إلى رجال الشرطة أو مهندسي الري أو موظفي الأجهزة المحلية أو حتى عمدة أي قرية وخفرائها.  
وتاريخياً مزجت نظرة غالبية المصريين للدولة بين الخوف والخضوع والنقمة والإعجاب المستتر (فيما يشبه متلازمة ستوكهولم الشهيرة). وطغي لعقود طويلة شعور بأن الدولة هي الراعي (أو هي الأم والأب كما يتندرون)، وبأن غضبها لا سبيل لمقاومته، ولذا فمن الأفضل تجنبه أو السير في ركابه. وقد ذكر قاسم أمين أن المصريون يهابون السلطات أكثر مما يهابون المرض، كما عبر جمال الدين الأفغاني عن دهشته من الفلاح المصري الذي يشق الأرض بفأسه باحثأً عن رزقه, لكنه لا يشق به صدور ظالميه. وتحرص الدولة بدورها على تغذية هذا الشعور الراسخ بالمهابة، والتأكيد على أنه بدون الدولة سقط الوطن ذاته، وبدون الحماية والرعاية، صار المواطنون عرايا في مهب الريح.
سادت هيمنة الدولة الفعلية والنفسية حتى سقط كلاهما أو كاد في لحظة يناير الفارقة في 2011. أجبر المتظاهرون الآلة الأمنية الباطشة على الانسحاب بعد أربعة أيام فقط من المواجهات، ثم أسقطوا رئيس الدولة العنيد المتشبث بكرسيه بعدها بأسبوعين. سقط حاجز الخوف العتيد، وصارت الهيبة القديمة هباء منثوراً، وبدا لوهلة أن البلاد بصدد تغيير جذري في دينامية علاقة الدولة بالمجتمع، يزول بمقتضاه ذلك الخضوع لإرادة الدولة، ويبشر ببزوغ قوى مجتمعية طال تعرضها للإقصاء والتهميش.
لكن ذلك الوعد ذهب سريعاً أدراج الرياح. فحتى في ذروة توهج يناير فرضت الدولة وجودها، إذ عجز الثوار عن تقديم بديل لمبارك، وارتضوا بتولي المجلس الأعلى للقوات المسلحة مقاليد الحكم. ثم فشل مرسي في عامه الكئيب في ترويض مؤسسات الدولة، التي بدت وكأنها تتمنى فشل مشروعه، ولذا جاءت مشاركتها في 30 يونيو أمراً طبيعياً. وبعد سقوط الإخوان، عادت الدولة سيرتها الأولى، تعيد بعث الروح في هيبتها، وتصمم نظاماً ديمقراطياً على مقاسها (ديمقراطية لها أنياب كما قال السادات يوماً)، وتفرض التغيير من أعلى فيما تكبحه من أسفل، ثم تستخدم القبضة الأمنية والآلة الإعلامية لتأديب مخالفيها.
ويلاحظ أن هناك تشابهاً كبيراً في أفكار ومعتقدات الفئات الاجتماعية المنضوية تحت لواء الدولة، إذ يتعاطفون مع الدولة، ويبررون تجاوزاتها، ويلعنون ثورة يناير وثوارها، ويسمونها بالنكسة تارة وبالمؤامرة تارة أخرى، فيما يعتبرون أن 30 يونيو هي الثورة الحق التي أعادت الأمور إلى نصابها الصحيح.        
ومع عودة الدولة، ستظل الفئات المكونة للقاعدة الاجتماعية للدولة تحظى بالدعم والمحاباة. فالمؤسسة القضائية ستحافظ فيما يبدو على مكتسباتها في الدستور الجديد (خاصة وقد تبوأ أحد أبنائها موقع رئيس الجمهورية)، والمؤسسة العسكرية التي ساهمت في إقصاء رئيسين للجمهورية في أقل من ثلاث سنوات صارت اللاعب الأهم في مضمار السياسة المصرية، بل والعمود الأهم في هيكلها المقدس. وأغلب الظن أنه لن يجرؤ أحد على الاقتراب من امتيازاتها، ولا حتى رئيس الجمهورية القادم. وأجهزة الأمن الداخلي استعادت نفوذها، ولم تعد تشعر بالحرج من إعلان ذلك، حتى أن وزير الداخلية صرح في مؤتمر صحفي بأن قطاعات مراقبة النشاط الديني والسياسي في جهاز الأمن الوطني التي توقفت إبان ثورة يناير قد عادت مجدداً للعمل.   
ورئيس الجمهورية الجديد سيأتي غالباً من صفوف المعسكر الدائر في فلك الدولة وشبكات المصالح المرنبطة بها. وحتى إن امتنع الفريق السيسي عن الترشح، فهناك قائمة من العسكريين السابقين أعلنت جهوزيتها لخوض السباق، وستنال على الأرجح دعم مؤسسات الدولة الظاهر، أو على الأقل رضاها المستتر. يمكن في هذا السياق فهم تصريح ياسر برهامي نائب رئيس الدعوة السلفية حين عبر عن اقتناعه بأن المرشح الرئاسي "يجب أن يحظى بقبول مؤسسات الدولة".  
هؤلاء هم أبناء الدولة، بهم تستمر رغم الإخفاقات، وعليهم تعتمد في الأزمات، وبجهودهم تعود بعد النكسات. أما أيتام المجتمع الذين لا ظهير لهم بين جنبات الدولة فهم خارج المعادلة، إما مهمشون وإما مضطهدون. فالحقوقيون مثلاً ينظر إليهم بشك وارتياب، خاصة أن جوهر عملهم هو كشف تجاوزات الدولة. والإعلاميون المستقلون المغردون خارج سرب الدولة (أحمد أبو دراع نموذجاً) فليس لهم مكان تحت سمائها. كذلك حال الفلاحين والعمال رغم تدهور أحوالهم، واتساع كتلتهم العددية نسبة إلى حجم السكان. أما قضية شهداء يناير والقصاص من قاتليهم فقد كادت أن تكون نسياً منسياً، خاصة مع الحط الممنهج لقيمة الثورة التي سقطوا من أجلها.
للشعارات السياسية دوماً ظل من الواقع. ولئن عبر شعار "الشعب يريد إسقاط النظام" عن روح ثورة يناير الحالمة بالتغيير، فإن أغنية "تسلم الأيادي" الي تبثها الشاشات، ويغنيها طلاب كثير من المدارس في الصباح بديلاً للنشيد الوطني، هي عنوان المرحلة الحالية وشعارها. الثانية نقيض الأولى، فالأيادي التي تسلم هي أيادى الدولة، وبمعنى ما، فإن الأغنية ضمنياً تقول: فلتنقطع الأيادي التي تعادي الدولة، وتتصور أنها قادرة على إزاحتها. وما بين صرخة يناير وأغنية يونيو تكمن قصة الثورة المصرية، انتصاراتها وعثراتها ومآلاتها.    


د. نايل شامة 

* نُشرت هذه المقالة بجريدة الشروق (بتاريخ 19 أكتوبر 2013).

 

Thursday, November 11, 2010

مصر: أصنامٌ سقطت، وأصنامٌ تأبى أن تسقط




قبل أكثر من نصف قرن، أعرب المفكر والروائي البريطاني جورج أورويل عن قلقه من أن الرقابة على الإنتاج الأدبي في انجلترا بات أغلبها ذاتياً وتطوعياً، وبذلك بقيت الكثير من الحقائق والأفكار غير الشعبية طي الكتمان، دونما الحاجة لأي تدخل حكومي مباشر.

ثمة مثالان حديثان من مصر يستدعيان إلى الذاكرة حديث أورويل، وقلقه.

يتعلق المثال الأول بقيام وزير الإعلام أنس الفقي بالتطوع بوقف برنامج "ظلال وأضواء" الذي يذاع على قناة النيل للرياضة، بسبب انتقاد مقدم البرنامج علاء صادق لوزير الداخلية على خلفية أحداث الشغب التي صاحبت لقاء الأهلي المصري والترجي التونسي في البطولة الإفريقية. كان صادق قد طلب من وزير الداخلية خلال البرنامج تقديم اعتذار رسمي لفرد الأمن المدني باستاد القاهرة الذي تعرض لاعتداء وحشي من جانب الجماهير التونسية.

الغريب أن عدداً من البرامج التي تُعرض في أوقات الذروة على القنوات الرئيسية للتليفزيون المصري قد تعرضت كثيراً بالنقد لأداء الوزارات والمؤسسات الحكومية والقائمين عليها. ووصلت حدود النقد في تلك البرامج أحياناً ذرأً عالية (من ذلك مطالبة وزير التعليم السابق يسري الجمل بالاستقالة في برنامج "مصر النهاردة")، دون أن يحرك وزير الإعلام ساكناً إزاء هذه الانتقادات، أو يتطوع لمعاقبة قائليها.

أما المثال الثاني فخرج من قلب أزمة جريدة الدستور. فعندما علم السيد البدوي، أحد ملاك الجريدة، بنية هيئة تحريرها نشر مقال للدكتور محمد البرادعي عن حرب أكتوبر، انتابه القلق وطلب الاطلاع عليه قبل النشر خشية أن يكون فيه ما يسىء للقوات المسلحة، واضعاً في اعتباره كما قال سيناريو طلعت السادات، الذي حكم عليه قبل أربعة أعوام بالسجن لمدة سنة بتهمة "إهانة القوات المسلحة".

وأغلب الظن أن مقال البرادعي لو كان قد تناول بالنقد الرئيس مبارك أو السيد جمال مبارك أو الحزب الوطني لما اهتم به البدوي، أو أعاره انتباهه، فبيت القصيد هو "القوات المسلحة" والحرص على تجنب مناقشة أوضاعها أو الخوض في شئونها بالسلب.

لقد امتلأ واقعنا السياسي والصحفي في الماضي بالكثير من الأصنام، كان الاقتراب منها غير مأمون العواقب، إلا أن معظم تلك الآلهة المتوهمة سقطت غير مأسوف عليها عبر موجتين رئيسيتين. ويحسب لعهد الرئيس مبارك أن فترة الثمانينات شهدت الموجة الأولى بمباركة شخصية منه، إذ شهدت توسعاً كبيراً في هامش حرية التعبير، فصار توجيه النقد للمسئولين بما فيهم الوزراء مسموحاً على صفحات الجرائد والمجلات بما فيها تلك المملوكة للدولة. ثم بدأ النقد شيئاً فشيئاً يطال حتى رئيس الوزراء (ولا ينسى في هذا الصدد كاريكاتور "فلاح كفر الهنادوة" الذي ظهر بانتظام في صحيفة قومية مغلفاً النقد بإطار ساخر وباسم)، كما سقط في هذه الأثناء أيضاً محظور آخر، ألا وهو انتقاد الأنظمة العربية، التي تربطها علاقات طيبة بالنظام المصري. بقيت مع ذلك بعض الخطوط الحمراء راسخة وعصية على الاختراق، أهمها رئيس الجمهورية وعائلته...والأجهزة الأمنية.

الموجة الثانية التي حطمت معظم ما تبقى من أصنام مقدسة بدأت في عامي 2004 و2005، بقيادة مجموعة من الصحفيين والمفكرين المصريين الذين لم يأبهوا بتلك المقدسات الواهية، وساعدهم في ذلك بشكل غير مباشر حملة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الدبلوماسية والإعلامية لنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط. لم يتبق من قائمة المحظورات بعد هذه الموجة سوى الأجهزة الأمنية، التي يبرهن المثالان المذكوران آنفاً بشكل واضح على تغول سلطانها، وهو ما يثير عدة أسئلة مهمة:

أولاً، هل يوجد أحد في مصر فوق النقد؟ وإذا كان رئيس الجمهورية – وهو رأس السلطة التنفيذية – يتعرض للنقد بشكل يومي تقريباً في كل المطبوعات الحزبية والمستقلة، بل وأغلب الظن أنه لا يمانع أغلبه، فكيف يستقيم مع ذلك أن توجد جهة أو مؤسسة تعتبر نفسها (أو يتصورها الآخرون) فوق النقد أو المساءلة. وسواء تولد ذلك الانطباع بقوة القانون أو بسطوة السلطة أو بسيف الحياء، فإن هذا الخلل في التفكير وفي العمل لا يجب أن يستمر.

أما تعبير "الجهات السيادية" الذي يستخدم عادة عند الإشارة إلى تلك الجهات فهو تعبير غامض ومطاط يحتاج إلى ترجمة، توضح ماهية تلك السيادة، وتفسر ضوابطها وحدودها. فهل السيادة المزعومة تسود فوق الدستور الذي نصت المادة 47 فيه على أن "حرية الرأى مكفولة، ولكل انسان التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو التصوير أو غير ذلك من وسائل التعبير" مضيفة أن "النقد الذاتى والنقد البناء ضمان لسلامة البناء الوطني"؟

ثانياً، أي منطق أعوج يعتبر الرأي، وإن احتوى نقداً، إهانة تستوجب العقاب؟ ولماذا تُشَخصن المسائل الموضوعية، وتُحصر في نطاق إما الحب والمودة أو الكره والبغض؟

لكل المصريين مصلحة مباشرة في صلاح أحوال الوطن، بما في ذلك أجهزته الأمنية، وبسبب تلك المصلحة تصبح الإشارة إلى أماكن السلبيات ومواضع الإعوجاج واجباً لا حَقاً فحسب، ولا ينتقص ذلك أبداً من احترام تلك المؤسسات ودورها المهم في رفعة واستقرار الوطن.

وأخيراً فلنا في العالم المتقدم أسوة حسنة. فمنذ أسابيع قليلة صدر في فرنسا كتاب عنوانه "قانون الصمت داخل الشرطة" للفرنسية من أصل تونسي سهام سويد. أثار الكتاب جدلاً واسعاً، إذ فضحت فيه سويد الممارسات العنصرية لشرطة الحدود الفرنسية تجاه المهاجرين الأفارقة والعرب، والانتهاكات اللفظية والجسدية التي يتعرض لها كثير منهم. مؤلفة الكتاب، وهي شرطية بحرس الحدود عملت لأكثر من أربعة أعوام في مطار أورلي، وُصفت من قبل بعض الصحف الفرنسية "بالشرطية الشجاعة".

تُرى هل فكرت هذه "الشرطية الشجاعة" بمنطق أن هناك "جهات سيادية" لا ينبغي المساس بها أو حتى الوقوف على أحوالها؟ أم انصب تركيزها على مصلحة الوطن وحقوق كل البشر فيه، بصرف النظر عن دينهم ولونهم وديانتهم؟

د. نايل شامة


* نُشرت هذه المقالة بموقع الحوار المتمدن (بتاريخ 6 نوفمبر 2010).

Monday, May 19, 2008

Egypt's 'Smart' Government: Language vs. Rhetoric

Throughout history, even the most dishonorable deeds have been supplemented with assertions of noble intent and devotion to humanity and freedom. Hitler. Pol Pot and George W. Bush propagated the nobility of their 'sacred missions' and 'services to civilization', against the backdrop of mass killings, misery and devastation.

In Egypt, state propaganda is pervasive. Beautifying ugly realities, distorting truths and fabricating lies of all sorts is the routine job of state officials and the gigantic media apparatus they control. For example, last month, the National Democratic Party's Secretary-General, Safwat Al-Sharif, proudly declared "a big and honorable win" by the candidates of the party in the municipal elections.

That the elections were rigged, regime critics detained and thousands of independent candidates blocked from running in the contest is not really relevant to Al-Sharif and his cohorts, and does not make the elections any less "honorable". To decipher the official discourse, clearly, the golden rule is: "war is peace, freedom is slavery, ignorance is strength," as George Orwell shrewdly depicted the propaganda machine of totalitarian states in his masterpiece Nineteen Eighty-Four. Terms like 'democracy', 'reform' and 'freedom' are likewise prevalent, indicating however - or maybe therefore - their sheer absence.

Amidst such manipulations, which aim, in the final analysis, at dulling peoples' mental faculties, revisiting the dictionary remains an advisable trip. According to the American Heritage Dictionary, four meanings are assigned to the adjective 'stupid': 1) slow to learn or understand; 2) tending to make poor decisions; 3) marked by a lack of intelligence; 4) dazed, or stunned.

Having this definition in mind, one can turn to the heated controversy of the government's handling of exporting natural gas to Israel. According to the $2.5 billion deal signed in April 2005, Egypt would supply Israel with 1.7 million cubic meters of liquefied natural gas over a period of 15 years, at a fixed price of $1.5/million British Thermal Unit (BTU). The massive supply would generate one fifth of Israel's electricity in the coming decade.

To start with, conflating a long-term deal with a fixed price was not the brightest strategy. The Egyptian government failed to notice that "once you sign a long-term contract, the producer is in a losing position," as the Algerian Energy & Mines Minister told the Wall Street Journal last month. Moreover, Egypt is incurring pure loses since the actual cost of production, experts contend, ranges from $2.6-3/BTU. As one commentator lamented, "instead of subsidizing bread for the needy, the government decided to use its natural resources to subsidize Israeli citizens".

In a meeting with the Industry and Energy Committee at the Shura Council, Minister of Petroleum, Sameh Fahmy, regretted, indeed, the "poor decision" of expansively exporting Egyptian gas in the last years when international prices were considerably low. To the credit of the government's 'smart' negotiators, the Israeli deal is luckily a minor mistake that, according to some estimates, would deprive the national budget of just 10 billion pounds, a scant figure in light of the vast wealth of Egypt, whose public debts amount to LE591 billion, external debts estimated at $30 billion, and who suffers from a chronic - and growing - imbalance of trade that exceeded $15 billion in the fiscal year 2006/2007, the largest ever. The provisions of the gas deal were, to say the least, "marked by a lack of intelligence".

In addition, the Egyptian government was "slow to learn" that the rapid rise of crude oil prices led to a similar upsurge in the prices of gas in international markets, which more than doubled in the last three years. Current demand/supply imbalances are likely to exacerbate the problem. For instance, the price of recent Russian exports to Ukraine has exceeded $9/million BTU.

Questions raised in the print press about the favorable treatment of Israel fell on deaf ears; the government and the Ministry of Petroleum offered no explanations. In the People's Assembly, an independent MP made a similar inquiry in the presence of Fahmy, who - not incidentally, one can assume - was "stunned," and failed to come up with any answer. After minutes of quiet deliberation with Minister of Parliamentary Affairs, Mufid Shehab, the allegedly number one expert on Egypt's natural resources who approved the multi-billion dollar deal requested a respite to come up with "the right statistics" on the issue at hand, eliciting a sarcastic applause on the part of independent and Muslim Brotherhood members.

The following day, Shehab - the 'devil's faithful advocate' in the eyes of many columnists - came up with a couple of genius answers that proved the waiting of people's representatives worthwhile. The first was that prices are "confidential" and "could only be revealed by the approval of both parties". And the second was that the Egyptian government provides gas to Israel via a third party (an Egyptian-Israeli consortium), which means, technically speaking, that it is not the exporting party, something that renders it immune from the nosey scrutiny of parliamentarians.

A wave of sarcasm ensued. An MP thought the poor pretexts would not be articulated in slapdash coffee shop chitchats; "nor in a ghurza (place where drug-addicts meet and smoke)", the head of Parliament, Fathy Soroor, jokingly consented. Doubtless, the farcical performance guaranteed the audience lots of fun, diluted however by fury and bitterness.

The current Egyptian government has repeatedly associated itself with smartness; its chief resides in the 'smart village', it boasts about the smart e-government schemes it introduced, advocates the issuance of 'intelligent' social solidarity cards, inaugurates what it calls 'smart schools', and promises smart scientific approaches to current problems that will take Egypt swiftly into the twenty-first century. That’s another reason for Safwat Al-Sharif to feel proud.

Orwell must be giggling in his grave.

Nael M. Shama



* This article was published in Daily news (Egypt) on May 19, 2008.