Showing posts with label Egyptian Revolution. Show all posts
Showing posts with label Egyptian Revolution. Show all posts

Thursday, September 21, 2017

يوم تحين لحظة التغيير في مصر (4): خطوات على درب المستقبل

وبعد، فلا شك أنه ثمة صعوبات هائلة وعقبات عديدة تقف على طريق التغيير الوعر، سواء الآن، أوعندما تنفغر فرصته كزهرة ناضرة يوماً ما، لكن الفشل بالتأكيد ليس مصيراً محتوماً أو قدراً مقدوراً. ولعله من العبث تناول عوامل التغيير دون التوقف ملياً أمام شرطين رئيسيين - ومرتبطين ببعضهما البعض - من شروطه، ألا وهما الحداثة والمعرفة.
فالحداثة الحقة – لا تلك الرثة المهيمنة على حيواتنا والمتوغلة تحت مسام شعوبنا - تعد من الزاويتين الهيكلية والقيمية من العوامل التي تسهل عملية الانتقال الديمقراطي. في ظل التقليد يظل الوجود في بؤس، والوجوه في وجوم، والدهر في تكرار سقيم. فقط في ظل مجتمعات مغمورة في البنى التقليدية والمعتقدات البالية يمكن أن تتطاير من الأفواه الأباطيل المحشوة خبلاً، مثل ما قال القذافي يوماً حين أفتى بأن الديمقراطية معناها الديمومة على الكراسي، أو أن يقول وزير في ملاوي دفاعاً عن رئيسه المستبد: "لا توجد معارضة في الجنة. الله نفسه لا يريد معارضة، ولذلك طرد الشيطان من جنته. فلماذا يجب على كاموزو (رئيس البلاد) أن تكون له معارضة؟"  وفي مصر تكرر عبر السنوات استخدام عبارات مثل الزعيم الملهم والرئيس المفدي والقائد فلتة الزمان الذي هو هدية من السماء. مع الحداثة يأتي التنوير وتتوارى اللجة ويرتفع الوعي وتقضي الجهالة نحبها، في ما يخص السياسة وما يخص غيرها. إذ مخطئ أشد الخطأ من يظن أن موقف الناس من مسائل اجتماعية وثقافية محضة مثل الثقافة الأبوية وميراث الإناث والختان والنظرة للفنون والموقف من الأقليات ومن الآخر منفصل عن موقفهم من قضايا الاستبداد والديمقراطية. بل هي في غالب الأمر منظومة واحدة كالأواني المستطرقة ينفث بعضها في بعض، إما تنويراً أو جهلاً.   
كذلك لا مناص أبداً من المعرفة، ففيها الخلاص الأخير من ربقة الاستبداد، وهي بالتالي شرط رئيسي من شروط التغيير الحق. فمهما صدقت نوايا الطليعة المستنيرة، ومهما بلغت درجة إخلاصها، فإن مجهوداتها تظل معلقة في الهواء إن جرت في محيط تهيمن عليه منظومة الجهل، وسائر الأفكار والتصورات الناتجة عليها. أليس هذا ما حدث تقريباً لتجربة يناير؟ طليعة متسلحة بأفكار العصر وروحه، ومستعدة لبذل الغالي والنفيس من أجل الوطن، لكن مكاسبها في الميدان صارت هباءاً تذروه الرياح حين اتسعت القاعدة لتضم الجميع، الواعون والغافلون، نافذو البصيرة ومن ينظرون تحت أقدامهم، قوى الاستنارة وقوى الظلام.
لكن تغيير العقول يتطلب وقتاً وجهداً وصبراً، والمستقبل لن ينتظر طويلاً، وساعة العمل دقت بالفعل. في السطور القادمة بضعة أفكار عن سبل تجاوز المأزق الراهن. ومن المهم هنا الإشارة إلى أن هذه مجرد أفكار عامة وأولية، هي أقرب إلى العصف الذهني منها للرؤية المكتملة، أساهم بها في النقاش العام حول المستقبل، لعلها بالاشتراك مع أفكار أخرى تزيل من الدرب حجراً، أو تنير في العقل طريقاً:
-          المصالحة الوطنية ليست ترفاً، بل ضرورة سياسية وحق إنساني. ويجب أن تشمل المصالحة الجميع، إلا من ثبتت عليه بشكل فردي تهم الفساد السياسي أو الإرهاب. وفي هذا الإطار، لا ينبغي أن تؤخذ فئة أو طائفة أو حزب بجريرة بعض أفرادها من المارقين أو الفاسدين، فذلك لا يحقق عدلاً بل يطبق عقاباً جماعياً. ولأن الجروح غائرة والميراث ثقيل، فلتعتمد المصالحة في مهدها على عتصرين. الأول قليل من الإغضاء عن أخطاء الماضي، وذلك بالتسامي فوق دواعي الكبرياء والخوف، ولواعج البغض والمقت، التي لا تمسك بمجتمع إلا نهشته وأقعدته عن النهوض. أما الثاني فإعمال مبدأ "المصارحة قبل المصالحة" تأكيداً على حسن النوايا وإزالة للريبة والشكوك. وبشكل عام من المهم أن نجعل من الماضي - كما قال توفيق الحكيم - منصة للقفز لا أريكة للاسترخاء، وأضيف  من عندي: ولا سوطاً لجلد الذات والغير. أما من الناحية العملية، فإن تجارب المصالحة الوطنية التي يمكن أن ننهل من دروسها عديدة، من جنوب افريقيا ورواندا لميانمار وشيلي وجواتيمالا وغيرها.   
-          إنهاء حالة التشرذم القائمة حالياً بين جميع القوى الديمقراطية صارت ضرورة، إذ لا يعقل في مواجهة سلطة تتشبث بمواقعها باستماتة أن يوجد على الساحة كل هذا العدد من القوى والتنظيمات دون أن تتحد تحت مظلة واحدة وبرنامج عمل موحد. في إطار ذلك، لعل البداية تكون بصياغة وثيقة أساسية تضم مبادئ عامة ومطالب رئيسية، تراعي الحد الأدنى للتوافق ولا تتطرق لمواطن الخلاف. ثم يلي ذلك محاولة الحصول على دعم القوى السياسية والمواطنين لها، بغرض زيادة الضغط على السلطة لتقديم تنازلات حقيقية فيما يخص المجال السياسي وأوضاع حقوق الإنسان. 
-          توسيع معسكر الراغبين في التغيير، وذلك عبر تخفيف هواجس الخائفين من التغيير المتعلقة بالأمن القومي واستقرار الأوضاع، وتبديل مفاهيمهم عن الثورة والتغيير، عبر تبيان أن الهدف الأخير والأسمى مشترك، ألا وهو رفاهة الشعب وسعادته، وأن الاختلاف بيننا يكمن فقط في وسائل هذا التغيير. وأيضاً إظهار أن مصر تستحق ما هو أفضل بكثير من الوضع الراهن، وأن تحقيق ذلك أمر غير عسير. فالوطن للجميع مهما عصفت ريح الخلافات بنا، هو لنا كلنا الأصل والعمر والمآل، وإخوته لن يطمسها شئ أبداً، والمستقبل يظل دائماً أهم من الماضي.   
-          امتلاك زمام المبادرة أمر حيوي، على الأقل لإثبات أن قلب السياسة لم يكف عن الخفقان. ومع أهمية دخول كل معترك مدني أو قانوني من أجل اثبات التواجد ونشر الأفكار، وعدم ترك الساحة خالية للسلطة وأدواتها، إلا أن التركيز على الملفات المهمة أمر أكثر جدوى. فالاصطفاف خلف أهداف قليلة ومحددة أفضل من تبديد الجهود في الهرولة وراء كل القضايا. ولعل الأولوية الآن هي للتباحث في شأن الموقف من الانتخابات الرئاسية المقرر أن تبدأ إجراءاتها في غضون شهور قليلة. يأتي ذلك على الرغم من تضاؤل فرص الفوز بها. ولكن لعل الجميع يدرك أن المعارك كثيراً ما تحسم بالنقاط لا الضربات القاضية. وأياً كان الموقف من الانتخابات وغيرها من القضايا فالمهم أن يظل دائماً موقفاً موحداً وثابتاً.
-          أما معايير اختيار المعارك السياسية الواجب التركيز عليها فيعتمد على أهمية الموضوع وتأثيره على فرص حلحلة الأوضاع وتقويض السلطة وتمهيد الطريق نحو تغيير أكبر. ويمكن الاقتداء في هذا الصدد بالتجربة الناجحة التي خاضها المحامي القانوني خالد علي في مواجهة اتفاقية ترسيم الحدود المصرية السعودية.  
-          البحث عن قيادة تروج وتعبر عن معاني الديمقراطية وقيم الحرية واحترام كرامة الإنسان. فالشعوب تميل بالفطرة لشخصنة الأفكار، وأغلب الناس كما قال الملك الحسن الثاني يوماً لا يكترثون كثيراً بالبرامج أو الخطط أو الأفكار وسائر المطلقات، وإنما بفريق من البشر، يتبعونهم ويخلصون لهم، ويفضل أن يكون لهذا الفريق قائد واحد وصوت واحد. كان هذا حال عبد الناصر الذي جسد للجماهير معاني الحرية والاستقلال والنهضة، وأعفاهم من مشقة التفكير في هذه المفاهيم السياسية ومدلولاتها العملية. وعلى الرغم من أن في جوهر هذا المنحى استسلاماً لآليات غير صحية نأمل أن تتغير، إلا أن للضرورات في هذا الزمن الوغد أحكامها.    
-          التمييز بين معارضة سياسات السلطة وهو حق أصيل، وبين الحفاظ على وحدة الجيش، وهو واجب لا يتزعزع. فالقوات المسلحة بحجمها ودورها وتاريخها ركن لا غنى عنه في الحفاظ على وحدة البلاد وسلامتها، ولا يمكن بأي حال من الأحوال محو ارتباط الشعب بالجيش، ولا محو الذكرى العطرة لأكتوبر 1973م. وإنطلاقاً من الحرص على سلامة الوطن والجيش معاً فلابد من الإعلان وبلا مواربة أن العلاقات المدنية-العسكرية تعرضت لخلل شديد في السنوات القليلة الماضية. وأن لهذا الخلل تبعاته السلبية على كل مناحي الحياة في مصر. ولا حل لاستعادة التوازن المفقود في المجتمع سوى بعودة كل طرف إلى قواعده. ومن ثم تبرز أهمية فتح حوار مع قيادات المؤسسة العسكرية، وشرح كيف أن انفتاح المجال السياسي ليس استهدافاً للجيش، بل هو على العكس يصب تماماً في مصلحته، الآن ومستقبلاً.   
-          في إطار إدارة العلاقة الشائكة مع السلطة، لم لا يتم إحياء فكرة الوفد؟ المقصود تكوين وفد بقيادة شخصية قوية العزائم كريمة الشمائل لا سبيل للطعن في شرفها، وذات مصداقية وشعبية واسعة في الداخل والخارج، وعضوية مجموعة من رموز الأمة. ويكون تكوين الوفد تعبيراً عن أن الأوضاع لم يعد من الممكن السكوت عليها، ومهمته أن يتفاوض مع السلطة رافعاً لائحة محددة من الطلبات المدعومة شعبياً (أكرر، المقصود التفاوض حول طلبات، لا رفع الطلبات انتظاراً لمكرمة أو هبة). ربما قال قائل إن السلطة عصية على الإصلاح، ولا فائدة من الحوار معها، وربما كان هذا صحيحاً. لكن التجربة خير برهان، ثم أن الفكرة في حد ذاتها ستؤدي إلى قليل من إعادة إحياء السياسة بوصفها ميداناً للتفاوض بين مختلف قوى المجتمع. أليس هذا أفضل – ولو قليلاً – من حالة الموات التام السائدة حالياً؟   
أما اللاءات الثلاث التي ينبغي أن تحكم ميثاق العمل الوطني فهي:
1-      عدم اللجوء للخارج بتاتاً، لأن المسألة برمتها مصرية. أما الجبهات التي تشكل في الخارج فغير مفيدة ولا قيمة لها، لأسباب مبدأية، فضلاً عن أنها تشوه سمعة الجهود الوطنية، إضافة إلى أن التواجد بالخارج يعرضها للاستغلال من الدول المضيفة، ولها مصالحها الخاصة بالطبع.
2-      عدم اللجوء للعنف. ففضلاً عن أسئلة المشروعية الأخلاقية الواضحة فإن الجدوى السياسية له محدودة للغاية.
3-      التوقف عن التخوين والسباب والنبش في اختلافات الماضي وإطلاق الاتهامات الجزافية بحق الحلفاء والغرماء على حد سواء. قديماً قيل: اعوجاج اللسان علامة على اعوجاج الحال. وعدالة القضايا بالفعل يلوثها السلوك والخطاب المعوج للمدافعين عنها.  
ما لا يدرك كله لا يترك كله، والنزال في القضايا الكبرى يحتاج لنفس طويل، واحتساب للصبر الجميل، ثم تنويع في الوسائل وتفرقة بين المراحل المختلفة للصراع دون تململ أو شكوى، ويبقى أن إشعال شمعة خير ألف مرة من لعن الظلام أناء الليل وأطراف النهار، وهو ما وصل إليه حالنا للأسف الشديد. 

د. نايل شامة
* نُشرت هذه المقالة بموقع المنصة (بتاريخ 21 سبتمبر 2017).        


Thursday, September 7, 2017

يوم تحين لحظة التغيير في مصر (3): ماذا تعلمنا من التجربة؟

سنوات ست ونيف مضت منذ لحظة الخامس والعشرين من يناير في 2011م، مر فيها الوطن بأكثر التجارب السياسية ثراءاً في تاريخه الحديث. كانت أيام مبارك في مجملها قليلة الأحداث، ضعيفة المردود، خافتة التأثير. تتابعت الوقائع على مدار ثلاثين عاماً بإيقاع ثابت رتيب ممل، يبعث على الخمول والكسل العقلي. وبغتة جاءت يناير وما بعدها، كسيلٍ عارم عرمرم في بركة ميتة، مفسحة المجال لطبقات من التفاعلات الكثيفة بين شبكات من الفاعلين والمشاركين. توالت الأحداث في الدهاليز والثكنات والميادين واستوديوهات التليفزيون، ومع كل حدث عبرة تتجلى، ومع كل انعطافة درس يتكشف، وفي كل قرار مناسبة للتدبر واستخلاص العبر. سنوات ست من الصعود والهبوط والاضطراب والتقلب والرجرجة، لكن بعد هذا الفيض من التفاعلات يجدر السؤال: ماذا تعلمت الأطراف المختلفة حقاً من هذه التجربة الثرية التي عايشتها عن كثب؟ هل عرفنا على وجه اليقين لِمَ لم نتمكن من تجنب المصير الذي آلت إليه يناير؟ وكيف السبيل إلى تجنبه حين تحين "يناير" أخرى؟  
مثلاً، ماذا تعلمت السلطة حقاً من زلزال الثورة؟ هل تفهمت أخيراً أن مفهوم السياسة أوسع كثيراً من مفهوم الأمن؟ هل أدركت أن المشاركة السياسية أساس أي نظام مستقر وقابل للحياة؟ هل أتاها حديث المنطق، فعرفت أن الاستئثار بالسلطة لا يدوم، وأن تأليه الحاكم لعنة تعجل بالنهايات، وأن تكميم الأفواه لا يمنع العقول من التفكير؟ ثم هل - وهو أضعف الإيمان - نما وعيها السياسي، أو صحا ضميرها الإنساني، فأدركت أن الممارسات التي تنتهك كرامة المواطنين لا تقيم أود الدولة ولا تعزز هيبتها، فضلاً عن انحرافها عن جادة كل دين وقانون؟ كلها لاءات تنضح بعمق الأزمة وصعوبة الحل، بل الأدهى أن أهل السلطة ما برحوا يعتبرون أن ثورة يناير إما مؤامرة، أو في أفضل الأحوال "وعياً زائفاً" أدى إلى "تحرك" غير محسوب كاد أن يسقط الدولة وينشر الفوضى. وعوضاً عن تفعيل التغيير اكتفوا بمغازلة الحالمين بالتغيير، يعدون بالرخاء والناس جوعى، ويبشرون بالأمن والناس مذعورون، ويرقصون على نغم العصر الذهبي المرتقب والبلاد في خراب مقيم.
وغلى الجانب الآخر من الصدع الوطني الكبير، ماذا تعلم الإخوان المسلمين من مأساة صعودهم وسقوطهم السريع إبان الثورة؟ هل اقتفوا أثر تجربتي 1952-1954 و 2011-2013م بدقة وأناة، ورصدوا دلالاتها ودروسها؟ هل بلغهم خطر خلط السياسة بالدين أم مازالوا في غيهم يعمهون، يعبون من قدح المظلومية ويعيدون إنتاج سائر الأفكار العتيقة؟ هل قاموا بمراجعة شاملة لعامهم البائس في السلطة مستخلصين مواضع الخلل ومواطن الزلل؟ لم يتغير كما يبدو شئ في أفكار الجماعة المترهل عقلها الجمعي سوى انزلاق فريق منهم نحو العنف السياسي، فصاروا كالمستجيرين من الرمضاء بالنار، يداوون الداء بداء أشد منه فتكاً.   
وماذا عن الأحزاب السياسية؟ للأسف يبدو أن أغلب قادتها وكوادرها لم يدرك بعد أن الصراع الحقيقي إنما هو بين مناصري الديمقراطية وأعدائها، لا بين الليبراليين والإسلاميين أو بين الليبراليين والاشتراكيين، وأنه لا إصلاح حقيقي بدون تعديل في طبيعة العلاقات المدنية-العسكرية القائمة. كما لم يظهر أيهم برهاناً على الإلمام بشروط وعقبات عمليات الانتقال الديمقراطي، كما أظهرتها عشرات من تجارب الدول عبر العقود السبعة الماضية، ومئات من الكتب والدراسات حول تلك التجارب. ثم يبدو أن الأحزاب لم تتعلم أن مغبة الخضوع والقبول بقواعد اللعبة كما ترسمها السلطة، أوخم من مغبة الممانعة، وأن ثمن دعم الاستبداد فادح، وأنها ستكون هي أول من يدفعه. وعلى الصعيد التنظيمي، مازال العراك والتشرذم والشللية وتغليب المصالح الشخصية مهيمناً على سلوكها وتوجهاتها.   
ثم ماذا عن السواد الأعظم من الشعب؟ هل صقلتهم التجربة وأيقظتهم الأزمة؟ ألم يصيبهم الجلوس في مقاعد المتفرجين بالضجر بعد؟ هل نفضوا عن أنفسهم غبار الضعف ووثاق الاستكانة وكفوا عن مؤاخاة اللامبالاة وشرعوا في طريق الوعي ولو بخطوة ؟ هل عرفوا أن الاستبداد مهلك، وأن اليقظة فرض وأن الخلاص للمنتفضين من أجل حقوقهم وعد؟ هل أدركوا أن جدارتهم بإنسانيتهم مرهون بالفكاك من عبادة القوة والهرولة بلا كلل وراء السراب؟  
***
وكأن مصر قد كتب عليها منذ أمد بعيد أن تدور بلا توقف في فلك آليات سيزيفية سرمدية يلوح فيها الأمل مع فجر كل تجربة، ثم ينقشع الوهم، ويتبدد الأمل، وتبوء كل تجربة بالفشل في نهايتها، ثم تتكرر الكَرَّة من البداية مرة أخرى. حماس فترقب فخيبة أمل فشعور طاغ بالهزيمة، وهكذا دواليك. تحمس الشعب "للحركة المباركة" في يوليو 1952م، آملاً في أن يكون في حكم "الضباط الأحرار" بديلاً حسناً لتسلط الملك وفشل الأحزاب السياسية. ثم اتقدت المشاعر وارتفع منسوب الحماس مع جلاء الإنجليز وتأميم قناة السويس والتصدي للعدوان الثلاثي. ثم ما لبثت أن وقعت أقنعة الناصرية وبدت عيوب التجربة شيئاً فشيئاً حتى زالت ورقة التوت الأخيرة مع هزيمة 1967م. 
تكررت الديناميات نفسها مع الرئيس السادات، الذي بدأ عهده بوعود القضاء على مراكز القوى وهدم المعتقلات وتدشين دولة القانون. استبشر المصريون خيراً بتلك الإيماءات، وارتفعت حرارة الاستبشار بالمستقبل إلى عنان السماء مع حرب أكتوبر المجيدة. ثم فتر ذلك الحماس بالتدريج بعدما تعثر الاقتصاد، وساد منطق الانفتاح "سداح مداح"، وحين اتضح أن للديمقراطية مخالب وأنياب حقيقية أودت في سبتمبر الغضب بآلاف السياسيين والمثقفين في غياهب السجون في ليلة واحدة. ظهر أن الليلة تشبه البارحة بل هي امتداد لها. ثم جاء مبارك، فأخرج المعتقلين السياسيين، وبشر بشعار "صنع في مصر"، ووعد بألا يبقى في السلطة لأكثر من فترتين، ثم انتهى إلى ما انتهى إليه من فساد وعناد وتوريث وجمود وفشل محقق.
مع تتابع متواليات التاريخ الحديث، وبعدها دراما سنوات يناير، راحت السكرة وجاءت الفكرة مراراً وتكراراً، لكن الجميع لم يتوقف عن معاقرة الغفلة. يحدث هذا في ظل ثقافة تلح على فكرة أن "المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين"، وأنه "لا حكيم إلا ذو تجربة"، وأن "التجربة خير برهان". باختصار، إن كانت التجارب الماضية رغم تكرارها وثرائها قد تركت فينا من رواسب الحزن ودواعي القنوط ما يفوق ما منحته من نفحات المعرفة، فإن المنطقي أن نكون مثل أولئك الذين لا يعون ماضيهم فيكتب عليهم أن يعيدوه، فنفشل في اقتناص الفرصة حين تداهمنا في المرة القادمة، ثم نبكي على أطلالها ناعين زوال الألم وضياع الحلم.   
وبعد، هل يمكن لمن صارت الغفلة من طبائعهم أن يصنعوا التغيير المنشود؟

وللحديث بقية في الجزء القادم من المقال.     

د. نايل شامة
* نُشرت هذه المقالة بموقع المنصة (بتاريخ 7 سبتمبر 2017).       


Wednesday, August 30, 2017

يوم تحين لحظة التغيير في مصر (2): ملاحظات حول تقديس الثورة

حديث التغيير المحتوم في مصر يجرنا شئنا أم أبينا إلى حديث الثورة بمفهومها الضيق، أي المظاهرات والاعتصامات وسائر الاحتجاجات الشعبية التي تؤدي إلى حدوث تغيير في قمة السلطة يمهد الطريق لتغيير النظام برمته. هذا الاقتران الشرطي في ذهنية كثير من المصريين راجع لسببين أساسيين. الأول هو تجربة الماضي القريب، متمثلة في 25 يناير و30 يونيو، اللتان صارتا جزءاً لا يتجزأ من وعي الشعب ونظرته إلى وسائل التغيير. أما الثاني فهو انسداد وسائل التغيير السلمي من داخل النظام، بل ووفاة السياسة عملياً في العهد الحالي، ما يجعل التغيير من داخل إطار المؤسسات الحالية أمراً يكاد يكون مستحيلاً، ولذلك تتكرر الإشارة إلى عبارة جون كينيدي الأثيرة - "هؤلاء الذين يجعلون الثورة السلمية مستحيلة يجعلون الثورة العنيفة حتمية" - في أدبيات المنشغلين بالشأن العام في مصر.    
التوق إلى الثورة أدى إلى اختزال التغيير في الثورة، بل وتقديس الثورة ورفعها فوق مستوى التناول والنقد. ثمة إشكاليات عدة تنبثق من ذلك المنحى. فمن حيث المبدأ يبدو أن البعض وقع بوجدانه أسيراً للثورة وصورها ورموزها، فنسى أن الثورة وسيلة وليست غاية في حد ذاتها، فركز أنظاره على الوسيلة متناسياً الغاية الأخيرة التي يرتجى الوصول إليها. والواقع أن التاريخ الإنساني يزخر بتجارب كثيرة تجاوزت فيها الوسائل الغايات وابتلعتها. مثلاً، طور العالم الأسلحة كوسيلة لاستخدامها لغاية محددة هي الحرب، لكن تطور صناعة السلاح وزيادة القدرة التدميرية الفتاكة لتلك الأسلحة (وخصوصاً الأسلحة النووية) جعل الحرب نفسها مستحيلة، وإلا خسر الطرفان ودُمر العالم بأسره.   
ثم أن الجنوح للثورة أمر محفوف دوماً بالمخاطر، ولهذا لا يجب اللجوء إليها إلا اضطراراً، لا السعي إليها هرولة بغض النظر عن السياق والتداعيات والنتائج. ولعل الجميع يدرك أن الأوضاع في مصر - الآن وفي المستقبل القريب - أسوأ كثيراً مما كانت عليه في 2011م، وعلى جميع المستويات. فالاقتصاد يمر اليوم بأزمة عضال لم يشهد مثلها منذ ثلاثين عاماً على الأقل، أما السنوات السابقة لثورة يناير، فشهدت تحسناً نظرياً في بعض المؤشرات الاقتصادية مثل معدل النمو، لكن أحداً لم يشعر بثماره بسبب سوء التوزيع وتوحش الفساد. أيضاً تراجعت وطأة العمليات الإرهابية في مصر مبارك منذ عام 1997م، ثم شهدت مصر هدوءاً كبيراً في السنوات الخمس السابقة على الثورة (باستثناء حادث كنيسة القديسين في الإسكندرية)، فيما وصل الوضع الأمني اليوم إلى ما هو أخطر بكثير. ثم أن رد فعل القوى المعادية للثورة لن يقف عند حدود التحريض الإعلامي الساذج أو استخدام أرباب الجمال للهجوم على المتظاهرين كما حدث في يناير. لقد تعقدت بشدة شبكات المصالح المستفيدة من الوضع القائم، وامتدت بطول البلاد وعرضها، والأرجح أن يستميت أصحابها للدفاع عن مصالحهم بكل قوة وقسوة. سيناريوهات المستقبل إذن إما غائمة أو كابوسية تشيب لها النواصي، لذا فالحسابات السياسية والإنسانية مطلوبة، والبحث في الخيارات والاحتمالات فريضة، والتريث ضروري،، وليس في ذلك أي نقيصة أو عيب.    
وحتى إذا وصلنا في مصر إلى وضع لا يتأتى تغييره بغير طريق الشارع وانتفاضته، وهو أمر محتمل، فإن دور الشارع سيقتصر على إطلاق شرارة التغيير، لا بلورة محتواه وتحديد مآله. لقد أبدع الشباب أيما إبداع في ثورة يناير، راسمين في جمهورية التحرير صورة بديعة، بكفاءة التنظيمً وبسالة التصميم وروعة الالتزام ورقي المعاملة. لكنهم - ومعهم زمرة السياسيين والمثقفين - فشلوا أيما فشل في المرحلة الانتقالية التي دُشنت بعد رحيل مبارك. سيطر سلطان الغضب والإفراط في العفوية، وغاب التحليل السليم لما هو حاصل ولما هو آت، واختفى التنظيم والتخطيط، وساد التشرذم القوى الثورية من بعد التوحد، وشاع الانغماس في معارك جانبية لا طائل من ورائها. ولذلك صحت فيهم مقولة الشاعر أحمد شوقي: "قادة الثورة مقودون بها، كالجلاميد تقدمت السيل، تحسبها تقوده وهي به مندفعة". ولم يكن غريباً بالتبعة أن تُهزم الثورة وتُنكس راياتها في أعين قطاعات واسعة من الشعب قبل أن تسحق على يد السلطة وهراواتها.
وفي العموم، يبقى أن الانفجار الثوري لحظة، أما التغيير فعملية مستمرة من العمل المضني تدوم شهوراً وسنوات، تتعرج وتنعطف فيها المسارات مراراً قبل أن تصل لمحطتها النهائية. فما الضمان على أن مصير يناير التعس لن يتكرر إن كرر الظرف التاريخي نفسه مرة أخرى؟
***
إن الشد والجذب في أوساط المثقفين بين مدرستي الإصلاح والثورة، وما بينهما من ظلال وأطياف وتخوم، قديم قدم الفكر الإنساني، ولا يعكس بالضرورة الفرقان بين فسطاطي الحق والباطل، بل هي فقط تصورات ورؤى مختلفة تبغي الوصول لعين الهدف. اختلف الفلاسفة مثلاً حول الثورة الفرتسية، فعارضها ادموند بيرك بشدة في كتابه "تأملات حول الثورة في فرنسا"، معرباً عن ثقته في أن التغيير الراديكالي لا يجدي نفعاً، وأن الثورة بالضرورة ستزيد الأوضاع سوءاً. أما توماس باين فكان من أشد أنصارها وملهميها، من خلال كتابيه "المنطق السليم" و"حقوق الإنسان". كما تفرقت السبل بمنظري الثورة الشيوعية في نهاية القرن التاسع عشر، فكان هناك إدوارد بيرنشتاين الداعي إلى مراجعة أفكار كارل ماركس، وكانت هناك الثورية روزا لوكسمبورج التي انتقدت أفكار بيرنشتاين في كتابها الشهير "إصلاح اجتماعي أم ثورة؟". أيضاً، في ظل احتدام الصراع في مصر مع السراي والإنجليز في عشرينات القرن الماضي، قال السياسي مكرم عبيد: "دلوني على الطريق، أثورة؟ ... نحن لسنا رجال ثورة. وأما الانتخابات فلندخلها"، فيما تحمس آخرون لاستئناف ثورة 1919م. وبالمثل، آمن الاشتراكيون الإنجليز من أتباع الجمعية الفابية - مثل الكاتب برنارد شو والإقتصادي سيدني ويب - بالإصلاح التدريجي الهادئ عوضاً عن التغيير بواسطة الثورة الشاملة.  
بيد أن معسكر الثورة في مصر نزع بإسم الحفاظ على النقاء الثوري المحض إلى تقديس الثورة بشكل مطلق، ورفض كل ما عداها. أنتج ذلك تزمتاً، وإفراطاً في التشدد مع المختلفين في الرأي، حتى هؤلاء المنضويين تحت لواء الثورة. ولذلك انتشرت لغة التخوين وسادت الشتائم في أوساط الثوار منذ يناير وحتى الآن. ثمة مفارقة كبيرة هنا، وهي أن الثوار تحولوا في تعلقهم هذا بفكرة الثورة واستبسالهم في الدفاع عنها لمحافظين متصلبي المزاج لا ثوريين حقيقيين. إذ ما الثورة سوى يقظة واعية، واستمرار أبدي في إعمال العقل، والتعاطي مع الأفكار، وتقليب الأمور على جوانبها؟ يشبه هذا التشدد ما ذهب إاليه فلاديمير لينين من وصف كارل كاوتسكي بالمرتد (renegade) في كتابه الشهير "الثورة البروليتاربة والمرتد كاوتسكي". كان كاونسكي قبلها أحد منظري الماركسية العتاة، ووُصف كثيراً "ببابا الماركسية". ثم اختلفت رؤى  الرفيقين حول الثورة والحكم وطبيعة الدولة السوفيتية الناشئة، وما لبث أن استحال الاختلاف خلافاً، ثم استعر الحلاف وتحول إلى عداء مستطير. وكان أن قال لينين بعدها: "أنا أكره وأحتقر كاوتسكي الآن أكثر من أي وقت مضى ، بحقارته وقذارته وزهوه بنفاقه". أما روزا لوكسمبورج فوصفت كتابات كاوتسكي بأنها "سلسلة مقرفة من شبكات العنكبوت". وفي السنوات الأولى للثورة الإيرانية، استفحل الخلاف بين الإمام الخميني ونائبه آية الله حسين منتظري (وهو أحد قادة الثورة ومنظريها)، ما أدى إلى فرض الإقامة الجبرية على الثاني، وإبعادة كلية عن حقل السياسة والفتوى.
نرى ما يشبه هذا الفُجر في الخصومة في سجالات الثوار المصريين ومناقشاتهم، حيث التطاوس الأجوف، والنزعة إلى نفي الغرماء ووصمهم بالخيانة ووصد الأبواب أمام آرائهم، وتبادل ذرابة الكلام وقاسي النعوت عند أول خلاف في وجهات النظر دون أن يندى لأحدهم جبين. أنى للتغيير الحق أن ينجح في تخليص الوطن من ربقة الاستبداد إن كان هذا النزق الطفولي هو سمت جنوده الأوفياء؟ وأنى لنا أن نصل إلى الديمقراطية إن كانت قيم كثير من الساعين إليها ديكتاتورية وإقصائية بامتياز؟
وبصرف النظر عن مثالب ومناقب نهجي الإصلاح والثورة، فإن ثمة أمران رئيسيان يجب وضعهما دوماً في الاعتبار. الأول أن الثورة في الأساس إدراك وتفكير، وليست تعصباً وبغضاً وحزبية وعلواً في الصوت وضيقاً في الأفق. ليست هذه بالطبع دعوة إلى المهادنة مع الظلم، أو القبول بالاستبداد وسياساته، أو حكم الأقلية ورجاله، بل هي دعوة إلى إعمال العقل، وتعاطي السياسة، والتخلص من إسار العاطفة حين تدق ساعة العمل. الأمر الثاني أن إرادة الفعل لا قيمة لها إن لم يسبقها حرية العقل. فالتفكير هو أساس التقدم الإنساني، أو كما قال هيجل أساس إعادة إنتاج البشرية لذاتها (sich selbst produzieren)، ثم جاء ماركس واستبدل قيمة التفكير بالعمل. أما الحقيقة فما هي إلا شك يؤدي لليقين ويقين قابل للشك. لكن العقل الثوري في مصر كثيراً ما يتنحى مفسحاً المجال لطغيان المشاعر وفيضان الغضب وتدفق شحنات الوجدان، في حالة من الانجراف لا يشكمها منطق أو تلجمها رشادة.
حري بالثوار النبلاء ألا يقعوا فيما وصف به الفيلسوف نافذ البصيرة اومبرتو إكو الفاشيين، حين قال أنهم صاروا أسرى للعمل أو الحركة (action)، فالحركة في نظرهم جميلة في حد ذاتها ولهذا يجب الاعتماد عليها بدون أن يسبقها أو يرافقها أي تدبر، فالتفكير شكل من أشكال الخصي. فليكن العقل نبراسنا دوماً على درب الحرية، أليس العقل بعماد الحرية في نهاية المطاف؟  
  
وللحديث بقية في الجزء القادم من المقال.     

د. نايل شامة

* نُشرت هذه المقالة بموقع المنصة (بتاريخ 30 أغسطس 2017).       

Wednesday, August 23, 2017

يوم تحين لحظة التغيير في مصر (1) صعوبات على الطريق

إذا كانت الجهود الرامية لإصلاح الواقع في مصر قد اصطدمت بصخور عدة، كارتفاع مستويات القمع، وتقلص مساحات التعبير عن الرأي، ورقاد الأحزاب والمثقفين في سبات عميق، فلا مناص – ولا بأس – من الانشغال بالمستقبل والتدبر في أمره. فالوضع الحالي ليس مستداماً وليس مستقراً مهما أوحت الشواهد بغير ذلك، بل يمكن القول أنه يحمل في طيات بنيته وأطره وأدائه بذور تغييره، طال الوقت اللازم لذلك أم قصر. إذ لا يمكن تصور أن تتزامن لفترة طويلة عوامل كممارسة أعلى درجات القمع والمعاناة المجتمعية من أسوأ الأزمات الاقتصادية مع موت العملية السياسية بالكامل وتفاقم الفشل الإداري في كل القطاعات دون أن يحدث أي انفتاح ولو جزئي في النظام السياسي. لكن المعضلة أنه حين تحين في المستقبل لحظة تغيير كبرى – أياً كان نوعها ومقدماتها وتوقيتها – فإن قوى التغيير ستجد أنفسها أمام بيئة غير مهيأة بالمرة للتغيير. ففي الحاضر علل مستعصية ستقف في اللحظة الفارقة حجر عثرة أمام نجاح أي تغيير سلمي ومتوازن وبناء.
أول تلك العلل هو غياب البديل القادر على ملء الفراغ السياسي وقت الأزمة، نتيجة لضمور الحياة السياسية، واقتلاع مؤسسات المجتمع المدني وتأميم الإعلام. المفارقة أنه كانت هناك ثمة حياة سياسية أيام مبارك (الذي قامت ضده ثورة أنهت عهده)، لكنها كانت محكومة بقواعد صارمة، تحافظ على منصب الرئيس وهيمنة الأجهزة الأمنية وسيطرة الحزب الحاكم على البرلمان. برغم السلطوية، لم تمت السياسة، وأعلنت عن نفسها من خلال منابر مختلفة، كالنقابات وصحف المعارضة ومسيرات الشارع (وفي وقت لاحق استعانت بالأدوات الرقمية كالمدونات ووسائل التواصل الاجتماعي). اليوم يبدو ذلك القليل من السياسة (والمحصور في الهامش) من قبيل الرغد والبحبوحة السياسية. فقد لفظت السياسة بشكلها التقليدي أنفاسها الأخيرة في السنوات الأخيرة، واختُزِلت - وهي بطبيعة الأشياء عملية معقدة ومتعددة الأوجه ومترامية الأطراف - في شخص واحد تعاونه الأجهزة الأمنية، ولم يعد هناك حتى حزب حاكم. كما اختُزِلت عملية الحكم - والمنوط بها إدارة تناقضات المجتمع والتعبير عنها – في السيطرة والقمع. باختصار صرنا بصدد سلطة بلا سياسة.  
يبدو الأمر، إن شبهناه بمباريات كرة القدم، وكأن قواعد اللعبة تغيرت جذرياً: حق للجميع أيام مبارك نزول الملعب ومداعبة الكرة لكن تسجيل الأهداف ظل امتيازاً حصرياً لمبارك ونجله وحزبه، فيما اكتفى الآخرون بركل الكرة في أركان الملعب. أما الآن فليس من حق أحد نزول الملعب من الأساس سوى الرئيس وأجهزته ومعاونيه. لذا اكتظت بالآخرين مدرجات المتفرجين أو سلالم الخروج من الاستاد.
وبديهي أن مصر ستدفع ثمناً باهظاً لذلك حين تحين لحظة التغيير. يتذكر الجميع مثلاً أن تهميش القوى العلمانية في العقود الثلاثة لعهد مبارك أدى إلى سيطرة الإسلاميين على كل الإنتخابات بعد رحيله (ومجموعها خمسٍ جرت في الفترة من مارس 2011م إلى ديسمبر 2012م). أما اليوم فالجميع – من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين –  في التهميش سواء. وحين تتداعى الأوضاع ويستوطن الفراغ، ستسعى كل الأطراف بشكل محموم لفرض إرادتها وحسم الأمور لصالحها. بيد أن غياب الأطر السياسية الشرعية، وطول فترة الكمون في الهامش، ينذر بخطر أن تسقط البلاد في قبضة العنف. إذ يولد العنف دوماً من كونه خياراً أخيراً يتم اللجوء إليه حين تتوارى السياسة، وحين لا توجد آليات واضحة تحظى بالتوافق الوطني لحل الخلافات بين الفرقاء.  
ثاني تلك العلل يكمن في انخفاض مستوى الثقة في مؤسسات الدولة جميعاً إلى أدنى مستوياتها، ليس فقط في كفاءتها المهنية وقدرتها على الإنجاز، بل في إخلاصها ووطنيتها أيضاً. يأتي ذلك رغم أن النظام الحالي جاء منذ اللحظة الأولى محمولاً على صهوة الوطنية، وما طفق منذئذ يقتات على سنام مشاعرها الجياشة. لقد كان لافتاً في غمرة الثورة في يناير 2011م أن المتظاهرين صبوا جام غضبهم على الشرطة والحزب الوطني الديمقراطي فحسب، ولذلك استهدفت طاقتهم التدميرية أقسام الشرطة ومقار الحزب على مستوى الجمهورية، فيما لم تُمس بسوء تقريباً باقي المباني والمصالح الحكومية. أما الاحتفاء العظيم يومئذ فكان من نصيب ضباط الجيش وجنوده.
كانت هذه هي الصورة في 2011م، لكن مياهاً كثيرة جرت في نهر السياسة المصرية منذ ذلك الحين. فالحياد الذي اتسم به موقف المؤسسة العسكرية في 2011م تحول في غضون سنوات قليلة إلى دعم كامل وظاهر للنظام، وعلى نفس المنوال أصاب التسييس جزءاً من مؤسسة القضاء العريق، مما جعل منه طرفاً أساسياً في معادلة الحكم. انفصمت إذاً كل أواصر الثقة أو كادت بين الدولة وقطاعات واسعة من المجتمع، ولم يبق ثمة من محصنين - بالهيبة والسمعة - داخل إطار الدولة المصرية. وعليه فإذا وصل السخط الشعبي على نظام الحكم ذروته يوماً، فستمتد نيرانه بلا شك إلى كل المؤسسات، وهو أمر شديد الخطورة، وينبغي بكل وسيلة تجنبه.
ثم أن تفكك مؤسسات الدولة وتحولها إلى جزر منفصلة لا رابط ولا تنسيق بينها إلا القليل لا يبشر بخير. فحين يفرض التغيير نفسه يفترض أن يحدث بالدولة، لا بمعزل عنها. فمصر دولة ذات بيروقراطية عتيدة، تبسط وجودها الأخطبوطي على كافة مناحي الحياة، ولذلك لا يمكن تجاوزها أو القفز من فوقها. وعلى الرغم من أن الرئيس السيسي قد وضع الحفاظ على مؤسسات الدولة هدفاً رئيسياً لحكمه، فإن ذلك لم يتحقق، على الأرجح لاختلاف مفهومه عن ماهية "الدولة" والأسلوب الأمثل لاستعادة "هيبتها". بل كان أن حدث العكس تماماً: كفاءة متدنية في الأداء، وتراكم للأخطاء والخيبات في كافة القطاعات، واعتماد متزايد على المؤسسة العسكرية (للاستفادة من انضباطها وكفاءة أدائها) أدى لمزيد من تدهور أداء المؤسسات المدنية.  
والأكثر من هذا غياب القيادة الحكيمة، فلا نحن الآن إزاء ديمقراطية سليمة متسلحة بقواعد الحكم الرشيد، ولا حتى ديكتاتورية آمرة ناهية ترصد مواطن الزلل داخل الدولة فتقومها سريعاً بسلطة الحاكم الفرد. بل نحن بصدد حالة من السيولة والانقسام انطلق على إثرها المرؤوسون في مواقعهم يوطدون نفوذهم، ويشيدون بكل دأبٍ قواعداً من المؤيدين والمريدين. يظهر هذا أكثر ما يظهر في المؤسسات الأمنية، والتي يفترض أن يكون التنسيق والتعاون فيما بينها أعلى ما يكون، بالنظر إلى تقارب الاختصاصات، ووحدة الأهداف (كمحاربة الإرهاب والجريمة). لكن التعاون استبدل بالتنافس، وبزغ بوضوح السعي المنفرد للظفر بالسلطة، ولزيادة رأس المال السياسي عبر الاستثمار في المشاريع الإقتصادية ووسائل الإعلام، وبناء شبكات واسعة من العلاقات في الدولة والمجتمع ودوائر المال والأعمال.  
بالتوازي مع ذلك، سقط نموذج الثورة السلمية في أذهان الشباب، وهم بطبيعة الحال وقود أي تغيير حقيقي ومعوله. إذ حدث لهم تغير هائل على المستوى النفسي والوجداني منذ لحظة يناير، والتي كان شعارها الأثير هو "سلمية". كان الثوار عندئذ أيفاعاً في ميعة الشباب، وكانوا بالطبع حديثي العهد بالسياسة، مدفوعين في حماسهم بالأمل والإخلاص وسلامة الطوية، لكن الانخراط في نهر السياسة الآسن، وانكباب الأطراف كلها على نفخ جمرات الصراع والفتنة، ترك آثاراً كبيرة عليهم.  
فالسنوات المحمومة التي تلت إقصاء مبارك، والعنف الذي ترعرع ثم تربع فيها، ثم عودة الدولة على أسنة الرماح في عام 2013م، هزت كيان الشباب، وربتهم على أن القوة - والقوة فقط - هي ما يفيد وينفع في مضمار السياسة، وأن الأحلام البريئة والشعارات النبيلة التي حملوها على أكتافهم في يناير لا تغني ولا تسمن من جوع. اليوم يؤمن كثير منهم أن إسقاط النظام "بأكمله" ضرورة، وأن بناء ما هو جديد يستدعي هدماً كاملاً لما هو قديم، كما سقط بعضهم فريسة لروح الانتقام والرغبة في التشفي في غرمائهم. ليس هذا بمستغرب، فالعنف معدٍ، والأنظمة العنيفة كثيراً ما تولد معارضة شبيهة بها: عنيفة وشديدة المراس.  
بانصرام الثورة، واختطاف الحلم، وسجن الرفاق، وانفجار حمامات الدم، تكسرت النصال على النصال، وبلغ الغضب الحلقوم، ولذلك ما طفقت أفئدة الشباب ترسف في أغلال اليأس والبغضاء وخيبة الأمل. طاقات الغضب المكظوم ونوازع الشر المكبوتة اليوم هائلة، ولا ينبغي الاستهانة بها أبداً. وبديهي أنه إن واتت الفرصة الشباب لتفريغ هذه الطاقات في حمأة صراع مستقبلي، فستكون العواقب وخيمة، وهو ما يخصم قطعاً من فرص النجاح حين ترسو سفينة المجتمع على محطة التغيير.  
ثم يأتي استمرار تدهور النخب المصرية ليضفي ظلالاً إضافية من الشك على إمكانية نجاح أي تغيير إيجابي، إذ أنى للتغيير أن يتحقق في غياب الكوادر والقيادات؟ لقد رسبت النخبة المصرية منذ لحظة الخامس والعشرين من يناير في كل الاختبارات، ولا يرجى منها الكثير، لا في أوقات الاستقرار ولا في أوقات التغيير. فأمراض الحياة الحزبية الرئيسية ما تزال مستمرة ومتفاقمة، مثل تشظى الكيانات الحزبية، وانغماسها في صراعاتها الداخلية، وجنوحها إلى الصراع مع بعضها البعض أكثر من مناطحتها للسلطة، بل ومساندة بعضها للأنظمة بشكل صارخ (ولذلك سميت "بالمعارضة الوفية")، وفشلها في تقديم أي إسهامات سياسية أو فكرية حقيقية. أما النخب المصرية – داخل الأحزاب وخارجها – فلا يزال يحكم أداء أغلبها مزيج سام من الانتهازية والاستبداد والشللية والمداهنة وقصر النظر.
***
ستشتد على الأرجح عقابيل الأزمة حتى منتهاها. وبالتبعة ستكر السبحة، وينفرط العقد، وتنقشع الغيمة، وتبزغ شمس الفرصة يوماً، لكننا غير مؤهلين لاغتنامها. فغياب البديل السياسي، وضعف الثقة في الدولة والنخب السياسية وآلآليات المؤسساتية القائمة، وفتور الحماس للأدوات السلمية في التعبير مع تصاعد مستويات الغضب، كل هذا يفتح الباب على مصراعيه أمام انفجارات العنف الطائش والمراهقة السياسية من ناحية، وجموح الانتهازية والصيد في الماء العكر من ناحية أخرى. أنى لمصر أن تتجنب هذا المصير الماحق؟ هذا هو السؤال الكبير الذي يجدر بالجميع الانشغال به.  

وللحديث بقية في الجزء القادم من المقال.        

د. نايل شامة

* نُشرت هذه المقالة بموقع المنصة (بتاريخ 23 أغسطس 2017).

Sunday, November 13, 2016

مصر: ثنائية الهزيمة والثورة


في المرحلة المضطربة التي أعقبت الإطاحة بالرئيس الأسبق حسني مبارك، صك شباب الثورة المصرية عبارة "الثورة مستمرة"، ورفعوها شعاراً في الساحات ومنابر التواصل الإجتماعي، بعد أن بلغ بهم السيل الزبى وبلغ الأمل الحلقوم. واجه الشباب حينئذ عواصفاً تنوء به تجربتهم الغضة: أحلاماً تتبخر، وأوهاماً تستعر، ودماءً تنهمر بغزارة، وقتلة رفاقهم يفلتون بسلاسة ودعة من سلطان القصاص. فبعد ليل فبراير/شباط 2011م الذي لمعت نجومه "كدرر نثرت على بساط أزرق" جاء ليل آخر "تهاوت كواكبه" بغتة فوق رؤوسهم. مثَّل استمرار فعل الثورة للشباب ملاذاً آمناً، وعداً مكتوماً بأن في الإمكان استعادة الزمام، وامتلاك المبادرة من جديد، ومواصلة السير نحو المقاصد التي دفعتهم للثورة ابتداءاً.
في مقابل هذا، جاء رجال السلطة والسياسة ممن احتكروا لأنفسهم الحكمة والرؤية الثاقبة بقضهم وقضيضهم على الشعار الوليد وفلسفته ومدلوله، رافعين في مقابله مقولة الشيخ الشعراوي الشهيرة: "الثائر الحق يثور ليهدم الفساد ثم يهدأ ليبني الأمجاد". كانت رؤية هذا المعسكر أن الاستبسال في رفع شعارات الثورة والنضال ما هو إلا نزق طفولي يخلو من المسئولية، وغلو يفت في عضد الدولة في أحرج اللحظات. اعتبروا أن هؤلاء الشباب وصل حبهم لفعل الاحتجاج حد الوله، ومن ثم باتوا يلهون بلعبة الثورة - ومن ثم مستقبل الوطن - كما اعتادوا اللهو بألعابهم الصغيرة. أما الثورة في نظر الحكماء فضرورة لا تلجأ إليها الشعوب إلا مكرهة، وحين تفعل فينبغي أن تكون لمرحلة مؤقتة قصيرة يعقبها على جناح السرعة عودة إلى ميادين السياسة وتفاهماتها.  
بيد أن تعمقاً يسيراً في جوهر الأمور يثبت أن فطرة الشباب حديثي العهد بالسياسة تفوقت على "حكمة" من أمضوا دهوراً في دروبها ودهاليزها. فالثورة ما هي إلا الإبنة اليقظة للهزيمة. والاعتقاد السائد بين كثيرين بأن الهزيمة الأخيرة في عمر الوطن وقعت على أديم سيناء وفي سمائها في صباح الخامس من يونيو لعام 1967م ليس إلا وهم كبير. إذ من ذا الذي يهيئه قصور تفكيره ليتصور أن الهزائم تقع في ساحات الوغى وفي خضم مقارعة الجيوش والأسلحة فحسب؟ الشاهد أن الهزيمة الحضارية – في المدارس والجامعات والمعامل والمصانع والحقول – هي الأصل الذي تنبثق منه بقية الفروع. الهزيمة العسكرية فقط أكثر لفتاً للأنظار وعصفاً بالقلوب، فيما تفلت الهزائم الأقل دراماتيكية عادة من الفحص، لكنها تتوغل تحت الجلود وداخل الألباب إن امتد بها الزمان لتصير شيئاً من طبائع الأمور.  
الهزيمة الحضارية في مصر تبسط وجودها على كافة الأصعدة وفي كل الميادين. مثلاً كل مؤشرات التنمية في السنوات الأخيرة تقذف بمصر في آخر القوائم، بداية بالمؤشرات السياسية كالديمقراطية والشفافية وحرية الصحافة، ومروراً بمؤشرات التنمية البشرية والخدمات العامة والسعادة ونمط الحياة، وانتهاءاً بمؤشر التعليم الذي يضعها في المرتبة قبل الأخيرة بين دول العالم. ولئن لم تفلح الأرقام في بيان حجم الطامة ونذر الكارثة، فتكفي الصور. ثمة مثلاً صور لآلاف في عمر الشباب يلقون بأنفسهم بكل استماتة في اليم الأسود بحثاً عن فرصة للحياة على الشاطئ الآخر، وهناك صور الذين ضحوا يوماً بنور أعينهم بحثاً عن الحرية، فسلبتهم السلطات حريتهم وكافأتهم بزنازين عطنة يرزحون فيها كالموتى الأحياء. إضافة إلى صورة بانورامية واسعة لشعوب طحنتها المعايش، ورافقتها خيبة الأمل كظلها، فصارت في أوطانها غريبة الوجه واليد واللسان، بينها وبين السعادة آماد وآماد، لا تجد موئلاً من نوائب الدهر سوى الصبر الجميل.  
بديهي أنه ليس من مفر في مواجهة هذه الردة الحضارية الهائلة سوى تغيير سياسي واجتماعي ضخم وشامل وسريع. أما سياسات التغيير التدريجي والحلول الوسط والتعويل على انتصارات صغيرة هنا أو هناك فلن تسمن أو تغني عن جوع. بيد أن العقبة الكؤؤد في سبيل تحقيق ذلك هي أن كل الأطراف الفاعلة في السياسة والمجتمع، كالدولة والجيش والأحزاب والإخوان المسلمين والأزهر والكنيسة، قوى أبوية وصائية، مفرطة في المحافظة، تفضل الأسفار بطيئة المسير، وتكره التغيير الواسع إذ ترى فيه شراً مستطيراً وتهديداً مباشراً لمصالحها ونفوذها. ولذلك كانت انحيازاتها حتى في مفارق الطرق العظيمة لا ترتفع لحجم الخطر، معبرة عن نفسها في شكل اختيارات باهتة وشعارات خجولة، من نوع "الإصلاح من الداخل" و"مبدأ الخطوة خطوة" (اللذين ذاعا أيام مبارك)، أو مقولة "البلد تحتاج رجلاً عسكرياً"، أي من داخل الأطر التقليدية للحكم (والذي انتشر عقب الثورة لا سيما بعد عزل محمد مرسي). 
الهزيمة إذن هزيمتان: هزيمة فعلية تحاصر المرء أينما ولى وجهه على امتداد القطر وعلى مدى قرون خلت، وهزيمة فكرية، إما لا تعترف بالواقع البائس هاربة من آلامه، أو متحايلة عليه بشعارات الوطنية الزاعقة ومشاعر التفاؤل الساذج، أو أنها تعترف بالداء لكنها لا ترى مداه وعمقه، ولذلك لا تعتقد أن الدواء يتحتم أن يكون جذرياً وعميقاً. فقط حزمة من المسكنات مدعومة بتمتمات الدعاء والأماني الطيبة تفي بالغرض، وكفى الله السفن في مراسيها شر الريح العاصف.   
الثورة مستمرة (بكافة أشكالها حتى الصمت البليغ) لأن الهزيمة مستمرة. فالثورة في جوهرها رد فعل مباشر على الهزيمة، وعلى إنكار الهزيمة، وعلى تطبيع الهزيمة في الوجدان الشعبي، والإعلان – قسراً أو تلميحاً – بأنه ليس في الإمكان أفضل مما كان وما هو كائن.  
حين يتأمل المرء كلمات موال "عدى النهار" المخضبة بالشجن والأمل معاً، قد يتصور أنه وُلد من كنف الواقع الحالي. المفارقة أن الموال الذى غناه عبد الحليم حافظ (من كلمات عبد الرحمن الأبنودي وتلحين بليغ حمدي) ولد من رحم هزيمة 1967م، وصار أغنيته الرئيسية ورمزاً لعنفوان الإرادة في مواجهة نير الهزيمة المريرة. لكن ليس ثمة أغاني اليوم تعترف بالهزيمة وترفضها بإباء وشمم، ولا نخب تنعي الواقع وتصدح بكلمة الحق، ولا مؤسسات تعي أن الإصلاح الشامل ضرورة ملحة وإلا جرفنا الطوفان. ليس ثمة سوى مهرجانات من التهريج الفج، وسيمفونيات مغشية بالابتذال والنفاق السياسي، وفي جانب المشهد صرخة الشباب الناضحة بالحنق والرجاء: الثورة مستمرة.

د. نايل شامة

* نُشرت هذه المقالة بموقع المنصة (بتاريخ 13 نوفمبر 2016).


Monday, May 30, 2016

A Film and a Failed Revolution

So rarely does a work of art, whether painting, music, film or otherwise, epitomize the complex sociopolitical realities of its time. One such example from Egypt’s past does so, simply yet profoundly. That film, “al-Baree” (The Innocent, 1985), was indeed a tour de force, telling the tale of tyranny and elucidating its dynamics with skill. Starring the iconic Egyptian actor Ahmed Zaki - often seen as Egypt’s Al Pacino - and directed by Atef al-Tayeb, a leading pioneer of the “new realism” wave in Egyptian cinema, the Innocent says a lot about politics in Egypt, and the failure of its 2011 revolution.  
The Good, the Bad and the Ignorant
The Innocent poignantly pulls together drama, artistry and a subtle message of great significance. With impeccable talent and skill, Zaki took on the character of Ahmed Sabe’ al-Leil, a hapless, illiterate young man who spends his years in obligatory government service as a conscript working in a prison. Ringed by infinite desert sand, the prison looks from afar like an island. But far from being an oasis, it is instead an infernal place, where savage punishment is meted out upon political dissidents. There, in the middle of emptiness, there is nothing but an eerie silence, poisonous snakes, and a scorching sun that bakes the prisoners’ faces. And of course there are the dark practices of systematic torture and humiliation.
Sabe’ al-Leil is the quintessential naïve peasant. With a mind like a blank paper and a soul accustomed to servitude, he is as pliant as a reed. He is indoctrinated with ease, injected by the prison’s nefarious jailers with what usually works better and quicker: hate and pride. A war is going on, he’s told, and he must be honored to defend the nation against the evil guys. The inmates are “the enemies of the homeland,” his superiors keep telling him. Sabe’ al-Leil quickly buys their narrative and becomes one of them. He takes part in ‘reception parties,’ beating-up sessions which form the new inmates’ reception at the prison’s gates, to make them realize they are about to enter a very different world. In fact, Sabe’ al-Leil became so dedicated that when one of the detainees - a renowned writer called Rashad Oweis - attempts a reckless escape, Sabe’ al-Leil chases him in the open desert. He wrestles him, and then chokes him to death. The last words of Oweis were spoken with a mixture of indignation and sympathy. He gazes at Sabe’ al-Leil and says: You’re a donkey; you don’t understand anything.
The movie raises a compelling argument: the sad story of oppression involves not only the oppressor and the oppressed, but also – perhaps, more importantly – those who lend the oppressors a helping hand. Among the ranks of those who ‘know,’ there are those who come to the aid of injustice out of personal greed for spoils; those who toe the line out of fear; and those who resent injustice but avert their gaze out of despair. But the movie focuses on the largely uninformed, men of ignorance who support men of power with unreserved conviction and blind submission. They don’t know, and they don’t know they don’t know.  
Thirty years later, the movie’s message is still very relevant. The melodramatic contours of the 2011 Egyptian revolution - its peaks and troughs, moments of triumph and years of despondency - are all well-known. By now, it is not debatable that it has failed, especially since the rise of the military’s strongman Abdel-Fatah al-Sisi to the summit of politics in 2013 and his election as president in 2014. The Arab Spring in Egypt was but a brief interlude between two winter storms. Thousands of innocents lost their lives, were thrown behind bars or vanished behind the sun; politics and the media have turned into a state-controlled Muppet show; and dissidence is punishable without delay. The mood among the community of Egypt analysts is very gloomy; many fear that the worst is yet to come. What caused that retreat is still a matter of great controversy.
It strains truth to argue that the Egyptian revolution went awry because of the revolutionaries’ lack of courage or the old state’s lack of resolve. There has been a great deal of both over the past five years, but in a country of ninety million, both groups represent small minorities. Rather, it went wrong because of the silent majority-- the great mass of Egyptians reduced by their political unconsciousness into, at best, mere spectators in their homeland; at worst, accomplices in crime. Victims of their own ignorance, they took the shadow for the substance, favoring despotism, condoning state violence and detesting liberties. The revolution failed at the altar of their ignorance.
Dramatic and eye-opening as it was, the revolution of January-February 2011 was not disillusioning to this majority on any level. Insouciant about public affairs, many of them then asked with infantile curiosity: What do the protestors in Tahrir want? It was, to them, as though the events were taking place in some strange, distant land, not in their own city’s central square, a stone’s throw from where they live. Today, the majority of Egyptians echo the preposterous accusations hurled at the revolution no matter how little coherent or convincing they are. Parroting the clowns performing nightly on television in the guise of pundits, they condemn the revolution as a “conspiracy” orchestrated by the US, or Israel, or Iran, or Qatar, or Turkey -- or indeed all of them colluding together. In a display of foolish irony, they grant the murderers of the ancien regime both amnesty and amnesia, while describing the victims of the revolution - those who perished or lost an eye or a limb - as Khawanah, traitors. Some even pine for the days of Hosni Mubarak, the despot recently convicted for embezzling public funds, saying he is a hero deserving an apology. It is this critical mass that sealed the fate of the Egyptian revolution. Had they not so cheerfully accepted the return of the old authoritarian state, winked at - even celebrated - its most grave human rights abuses, and raised its new leaders to the status of unaccountable heroes, the unmaking of Egypt’s revolution would not have taken place, and certainly not with such ease. 
The Power of Ignorance
It is no exaggeration to say that education in Egypt is in shambles. The illiteracy rate stands at around 25% (more than 20 million people), and exceeds 30% among females. (1) But the poor quality of education and a school system that is based on rote memorization leaves many of the educated little better off. In the 2015-2016 World Economic Forum’s Global Competitiveness Report, Egypt was ranked next to last (139th out of 140 countries) for the quality of its schools and universities. (2) “Egyptian education is in the worst era in its history,” said a researcher at Egypt’s National Center for Educational Research and Development. (3) Many university graduates lack basic literacy skills, misspelling as simple words as “but,” “this” and “that.” Last September, it felt awfully surreal when it turned out that the Facebook page of Egypt’s newly-appointed Minister of Education was replete with many grammar and spelling mistakes. Ironically enough, prior to his appointment as minister, al-Helaly al-Sherbiny served as a university professor, vice president of Mansoura University and under-secretary of the Ministry of Higher Education. Online activists were quick to quip that the education minister needed to be educated, to enroll in an illiteracy-erasing program. In January 2016, sixty seconds of the opening statement delivered by the parliament’s new speaker (a former law professor) included at least ten catastrophic pronunciation mistakes as he struggled to speak in formal Arabic.
The prevalence of Illiteracy and poor education has taken a great toll on society. Unawareness of basic political facts is rampant, including among university graduates. According to a poll conducted by the Egyptian Center for Public Opinion Research (Baseera), only 23% of Egyptians knew the year of the Suez Crisis, (4) an event as significant to Egypt’s modern history as the battle of Normandy is to Britain’s. The awareness of many Egyptians does not extend past the parochial domains of their personal lives or the results of their favorite soccer teams. A culture of mental laziness has led to an inclination by many to readily embrace the ideas offered by others. This is arguably an understandable option. The pursuit of knowledge carries with it the burden of thought, the responsibility of choice and confronting discomforting truths. This is why benighted people - the “bewildered herd” using Walter Lippmann’s expression - view ignorance as a shelter from evil, a feeling of sheer bliss.
On the whole, Egypt is missing a lot of sobriety. The susceptibility to emotional populist rhetoric is widespread. As a result of the gravitation toward emotional rhetoric and the absence of critical thinking, basic instincts - anger, fear, hope and desire - have taken charge. Obviously, too scared to think, too angry to contemplate, and too complacent to change, this majority opted for conformity. Judging by the results, this is no less detrimental than evil.   
This begets the question: How can politics in a society with such a mental geography be reformed? How can history’s longtime subjects turn into its agents? The enlightened few can instigate a revolution (and they did, demanding freedom and social justice), but the realization of its goals on the long run needs more than the efforts of a small minority, however great its courage and devotion. More than two centuries ago, Maximilien Robespierre rightly opined that the “secret of freedom lies in educating people, whereas the secret of tyranny is in keeping them ignorant.” Indeed, when the simplest verities are lost, vulnerability to propaganda deepens. The perverted, state-sponsored propaganda of the counter-revolutionary forces in Egypt had, directly and indirectly, induced people to believe that revolution is sin, dictatorship benevolent, torture necessary and silence a virtue.
The Innocent had presented another veritable irony to contemplate. The majority of those incarcerated were intellectuals and writers, but all the brutal conscripts, just like Sabe’ al-Leil, were illiterate. In other words, lout men enslaved erudite men. By way of analogy, here’s a society where those afflicted with irrevocable ignorance wreak havoc on those blessed with knowledge. In 2011, this artistic representation was turned into a vivid reality in the breathtaking clashes that took place in Tahrir Square and the bridge of Qasr al-Nil. The street battles between the educated, full-of-vigor youth and the black-clad, black-eyed soldiers armed to the teeth with rifles, gas canisters and water cannons embodied the battle between enlightenment and the dark ages. Or as the New York Times put it at the time, “rarely have we seen such epic clashes between the forces of light and darkness.” In the heated action of those days, there was not one soldier like Sabe’ al-Leil; there were thousands, but they were outnumbered by the protestors, and taken over by their inimitable valiance. Mubarak was soon overthrown and a new dawn seemed imminent.
Now that the revolution has been defeated, and a return to the ways of the grim past institutionalized, the victors have opted for writing their own narrative. Indeed, for decades, Egypt’s victors - the formidable state and its allies in the security apparatus and business circles - have in search of survival relied on two instruments: guns to subdue the sober few and myths to intoxicate the rest.
Clowns as Mentors  
The problem in Egypt is not that the narratives which have no fidelity to truth are aplenty; it is that they always find a receptive ear and an open heart. In the literature on modern Egyptian politics, the brief encounter Ahmed Lutfi al-Sayed (1872-1963) had with competitive politics is oft-repeated. Al-Sayed was one of the most influential liberal Egyptian intellectuals in the first half of the 20th century, a man of true enlightenment. In the 1920s, he ran in parliamentary elections in his small village in the Daqahlia province on a platform of democracy and modernity. In response, his devious rival rumored among the constituency of villagers that democracy is tantamount to impiety and polyandry. Consequently, Al-Sayed, dubbed in Egypt’s cultural circles as “the educator of a generation,” got trounced in the election.  
This incident took place around 90 years ago, but the more things change, the more they stay the same. As it spread knowledge and raised awareness, the advent of globalization and the proliferation of information technology also gave a new tool to the ruling elite to tell its version of the story. A mutual need for an unwritten pact has in fact arisen. Power wants to survive, and the weary masses, which face the squalors of life from sunrise to sunset, cannot afford to lose hope. They need to be constantly assured that tomorrow will be a better day. It is a reasonable win-win, formula: survival for opium. But then, obviously, agreements need enforcers; stories need storytellers.
Much of the popular mood in today’s Egypt and the level of awareness in society can be gleaned by watching the theatrics of Tawfik Okasha and tracing the barometer of his popularity. Okasha is a controversial TV host who rose to prominence shortly after the 2011 uprising, appearing as host and full-time guest on the satellite channel he also owns: El-Faraeen. On air, he rambles on for hours, haranguing with inflated confidence about politics, economics, theology and even science and medicine.        
Okasha sells his style, which is a mishmash of zealous rhetoric, whimsical humor and a dose of self-praise, to the uneducated, the poorly-educated and the unconscious members of Egyptian society— together, making the vast majority. He once predicted that the freemasons would invade Egypt on 13/13/2013 (yes, the 13th month in the calendar). Indeed, sketching at length the mischievous masonic conspiracies against Egypt is among his favorite subjects (he recently published a book entitled God’s Country: The Freemasonry and the Happy Millennium). Despite, or because of, his hallucinations and hocus-pocus, Okasha is massively popular. Last November, he was elected to parliament, securing more votes than any other candidate in all constituencies across Egypt. But as outlandish as he is, Okasha is not alone. The most watched talk show in Egypt, according to the TV audience research firm Ipsos, is hosted by Ahmed Moussa, a man widely labelled as “the informer” (he once said that he takes pride in being an informer for ‘security agencies’). Moussa’s modus operandi is to defame state critics and promote state policies in the most blatant, often slanderous, and eccentric manner.
It has become familiar to hear Egyptian journalists and anchors sputtering flimsy arguments such as that the world is run by an underground secret organization, that earthquakes and tsunamis are the product of a sinister US plan, and that Egypt would - thanks to a miracle - turn overnight into a superpower. Others defend rotten values with unmistakable alacrity. Hypocrisy is virtuous, a leading journalist once said. Another argued that the country was in need of a “repressive police state.” Others advocated the formation of death squads to liquidate every source of irritation, be it dissidents, demonstrators or street children.  
There are a number of commonalities among Egypt’s clown-like influencers. First, they’re all middlebrow, even though they’re so popular and influential. Their massive popularity does not create Egypt’s malady of ignorance; it reflects it and then nourishes it. And so delirium has become the official language of Egypt’s public landscape. On the other hand, intellectuals who devoted themselves to a life of knowledge and rectitude, have been, sadly, pushed out of the public space. In exile, solitude, or a self-induced bubble of life’s inanities, they seek inner-peace, and forgetfulness of the fact that their country was once the beacon of enlightenment in the region. If they attempt to debunk the official narrative, they would get quickly witch hunted by those in power, their media puppets, and the dogmatic imbeciles who tend to believe both.
Second, all these agents of ignorance consider the “January revolution” to be a term of opprobrium. They dare not speak its name unless wedding it to some manufactured tale of conspiracy. To be sure, the revolution in 2011 did not just target an unjust authority, but also the entire culture of incompetence it had sponsored. At heart, these influencers are at variance with change, especially fundamental change, lest it deprives them of their prerogatives, and puts into place a system that judges them by their genuine skills, not their capacity for hypocrisy.
Third, they have totally aligned themselves to the regime. It is widely believed that the regime pulls their strings, unleashing them whenever needed to defend, attack, justify, sneer at opponents, and bay for more iron-fisted measures while it, simultaneously, makes sure they are always coyly silent about its own wrongdoings. In a sense, these icons of ignorance have become like a service class, the regime’s PR representatives. They are, to borrow the articulate expression attributed to Lenin, the “useful idiots” of Egypt’s new old regime.   
***
In the climax of The Innocent, Sabe’ al-Leil encounters his moment of disillusionment. Amidst the frenzy of a regular ‘reception party,’ he finds himself beating and whipping his childhood village friend, someone he well knows is not “an enemy of the homeland.” He is thrust into the painful revelation that he had been stupid and stubborn—a donkey. In response, he bristled with rage and revolted. He is finally conscious and liberated.   
Sadly, most Egyptians have not been as fortunate as Sabe’ al-Leil, despite the many moments of inspiration they have been offered. The lessons of the revolution, which came in 2011 like a lightning bolt, and the events of yesteryear, went unnoticed. Knowing that the lives of thousands of victims have gone up in smoke in Tahrir and on the streets of Cairo and other cities was not enough to make them see the glaring truth about what is really going on in their country. And still they fail to see the injustice, the suffering, and the role they inadvertently play in perpetuating both.  
The revolution erred because it clamored for freedom to a sleeping people. Before setting off on the pilgrimage to Tahrir, the revolutionaries had to wake them up first.

Nael M. Shama

* A shorter version of this essay appeared in Le Monde Diplomatique (English) on May 30, 2016 under the title "Egypt's Innocent Donkeys".



(!) “More than 25% of Egypt’s Population ‘Illiterate’,” Egyptian Streets, 9 September 2014, http://egyptianstreets.com/2014/09/09/more-than-25-of-egypts-population-illiterate/
(2) World Economic Forum, The Global Competitiveness Report (2015-2016), http://www3.weforum.org/docs/gcr/2015-2016/Global_Competitiveness_Report_2015-2016.pdf , p. 179.
(3) Quoted in Ahmed ElShamy, “Global Competitiveness Report Puts Egypt in the Dust,” Al-Fanar Media, 27 October 2015, http://www.al-fanarmedia.org/2015/10/global-competiveness-report-puts-egypt-in-the-dust/