Showing posts with label The State. Show all posts
Showing posts with label The State. Show all posts

Tuesday, September 4, 2018

تأملات في وثنية الدولة وقداسة الجيش: سوريا نموذجاً


تباينت الطرق التي نظر القوم من خلالها إلى الشأن السوري النابض بالأحداث والصور والمشاعر منذ عام 2011م. هناك من أطبقت عليهم قسوة الأحداث الصواعق - جنون الموت الذي سرى، وبحور الدماء التي أريقت، والمدن التي صارت خرائب ينعق البوم في أطلالها - فتعلقوا بأهداب العاطفة، باحثين في ثنايا مبكاها عن السلوى والنسيان. وهناك من فروا إلى الماضي التليد، متشبثين في مواجهة الحدث الطازج بالأفكار المعلبة؛ رافعين لواء القومية العربية، ولاعنين الاستعمار وسنينه، ومبشرين بنصر قريب. وهناك من أووا إلى الكهف البهيم، واستعصموا بغض البصر هرباً من ألم تنوء به القلوب وقلق يجافي الطمأنينة.
لكن هناك أيضاً اولئك الذين لا يلوون على شئ سوى تقصي الحقيقة، الحقيقة وحدها، بغض النظر عن وعثاء السفر وآلام الرحلة. ربما كان بالفعل المدخل الأهم للتعاطي مع ما حدث ويحدث في سوريا هو الاستئناس بالعقل عبر مواجهة الأسئلة والإشكاليات الجوهرية التي يطرحها واقع الصراع المعقد هناك، والتي لا مناص من مواجهتها والإجابة عليها. فقد طرح الصراع السوري على العقل العربي مجموعة من الأسئلة الصعبة وغير المسبوقة، فإما أن يواجهها بشجاعة وتجرد، وإما أن يغض الطرف عنها هرباً من برحاء الفكر ومشقة المواجهة، فاتحاً الطريق على مصراعيه لمآسي أخرى وأوجاع جديدة. من هذه الأسئلة المهمة سؤال "الدولة"، تعريفها ومسئوليتها وشروط وجودها، وسؤال الجيش الوطني، تكوينه ومهامه ودوره. فمع عسكرة الثورة السورية وتنامي نفوذ الجماعات المتشددة المسلحة واشتداد أوار الصراع بينها وبين الدولة، انبرى البعض دفاعاً عن "الدولة" في سوريا وعن جيشها "الوطني" الذي يواجه عصابات مسلحة تتخذ الدين مطية والإرهاب منهجاً. الأمر في نظر هؤلاء بسيط ومحسوم ولا يحتمل أي جدال: ثمة دولة وطنية وجيش وطني يواجهان ميليشيات مسلحة، فمن الأولى بالمساندة؟ الدولة وجيشها بالطبع.
لكن هل الأمر حقاً كذلك؟ أم أنه ثمة لثاماً ينبغي إماطنه؟


الدولة القومية بين الحقيقة والوهم   
للولوج في نقاش شائك كهذا، لا مفر أولاً عن فهم ماهية الدولة القومية (nation-state) من منظور العلوم السياسية، باعتباره مفهوم سياسي من الطراز الأول. فالمجتمعات الإنسانية وهي تحاول تنظيم نفسها منذ الأزل مرت بمراحل مختلفة وصيغ متنوعة، منها الإمبراطوريات والممالك والإمارات والإقطاعيات والدول البابوية ودول المدينة ذاتية الحكم (city-states) وحكم القبائل. آخر هذه الصيغ هي صيغة الدولة القومية التي ولدت مع اتفاقية وستفاليا في القرن السابع عشر، ثم انتشرت حول العالم في القرون التالية حتى وصلت إلى المنطقة العربية في النصف الأول من القرن العشرين. تتمتع هذه الدولة بسيادة مركزية معترف بها على إقليم جغرافي محدد، ولها إطار سياسي وقانوني واضح، ودستور وراية ونشيد وطني، ومواطنون متساوون في الحقوق والواجبات، وهي الدولة التي يفترض أنها تجمع تحت مظلتها أبناء أمة واحدة، أو (Volk)، وهو المفهوم الذي استعارته الإنجليزية من الفلسفة واللغة الألمانية.(1) 
ليست الدولة إذن هبة سماوية ولا لها طبيعة مقدسة، بل هي كيان مصنوع. وعلاوة على ذلك، وبالنظر إلى تاريخ إنساني أستمر آلاف السنين، تعد الدولة صيغة حديثة للغاية، فضلاً عن أن حدودها غير ثابتة أو مقدسة، بل هي قابلة للتعديل المستمر. فقد تفككت مثلاً دول كالإتحاد السوفيتي واليوغوسلافي والتشيكوسلوفاكي ليتشكل منها عشرات الدول المستقلة. وحتى في الوطن العربي، حيت تنتشر هرطقة عبادة الدولة، تكرر هذا النسق غير مرة في العقود الست الأخيرة. مثلاً، اتحدت مصر وسوريا وشكلا الجمهورية العربية المتحدة في 1958م، ثم ما لبث أن انفصم عراها بعد ثلاث سنوات ونصف، كما انقسم اليمن واتحد ثانية (وربما ينقسم جنوبه مجدداً)، وبزغت عدد من دول الخليج ككيانات سياسية مستقلة في السبعينات، وظهرت دولة جنوب السودان في 2011م، وما فتئ الأكراد منذ عقود يطالبون بدولة مستقلة. إذن، شئنا أم أبينا، فإن الدول القومية قد تتحد أو تنقسم أو تتغير حدودها تبعاً لتغير الزمن والظرف.  
الإشكالية أنه وبإستثناء دول قليلة مثل اليابان وأيسلندا ومصر، فإن غياب التماثل بين حدود الدولة والأمة ظل هو القاعدة الرئيسة في عالم الدول القومية، وخصوصاً في الوطن العربي وأفريقيا، حيث ولدت معظم الدول بقرار فوقي، وبلا أي تطابق بين الدولة السياسية وبين هويات وانتماءات مواطنيها. وكان من نتاج انتشار الهويات فوق القومية وتحت القومية في هذه الدول اندلاع العديد من الصراعات بين الدول وفي داخل الدول. الأدهى من ذلك، وربما بالتحديد بسبب ذلك، عمدت النخب الحاكمة في هذه الدول إلى "خلق" هوية جديدة لهذه الكيانات السياسية الوليدة، عبر استخدام فخاخ من رموز وصور وأغاني وكلمات نافذة تمس الأفئدة.
عمت التجارة بالأوطان فضاعت الحقيقة أدراج الضلال المبين. غاب مفهوم الدولة كتنظيم بشري قابل للتغيير رغم بساطته عن أذهان الكثيرين في الوطن العربي، وسادت تصورات مشوهة عن مفهوم الدولة وتاريخه، إما جهلاً بالمنطق والتاريخ، وإما بسبب انتهازية من يروق لهم استدامة الوضع الراهن بفلسفته وأطره ودينامياته. فمن أجل تثبيت دعائم حكمها، عملت النخب الحاكمة في الأقطار العربية على الترويج لخرافة أن الدولة كيان مقدس ودائم أبد الآبدين، وأن الولاء لها من حسن الفطن والخروج عليها خيانة عظمى، وأن حتى انتقادها اقتراب لا يصح من قدس الأقداس. صارت الدولة هي الدين الجديد فيما هي محض اجتهاد إنساني قابل للصواب والخطأ، وهي بالطبع وليد الظروف السياسية والاجتماعية السائدة. هذا التقديس - الذي يرى أن كل شئ في المجتمع، من السياسة للإقتصاد ومن الفن للرياضة، يحب أن ينبع من الدولة ويظل تحت سيطرتها - عبر عنه الزعيم الفاشي موسوليني حين قال في خطاب في أكتوبر 1925م: "كل شئ داخل الدولة. لا شئ خارج الدولة، لا شئ ضد الدولة".(2) وفي كوريا الشمالية تكاد تتحكم الدولة بكل شئ، بما فيها دقائق الحياة الخاصة لأفراد الشعب، مثل ملابسهم وقصات شعرهم والموسيقى التي يسمعونها. أما عربياً، فقد ساد وتوغل وتَقَدَّس دين الدولة هذا بالذات في سوريا الأسدية. ألم يرفع رجالها وجنودها إبان أزمة بداية الثمانينات شعار "لا إله إلا الوطن ولا رسول إلا البعث"؟(3)


دولة في خدمة مجتمع أم مجتمع في خدمة دولة؟ 
لكن ماذا عن الدولة السورية القابضة على جمر السلطة منذ قرابة الخمسين عاماً؟ الواقع أن النظام الأسدي أخل بكل مقومات وواجبات الدولة الحديثة حين جمع كل الموبقات في سلة واحدة، مثل القتل الجماعي، وزرع الطائفية في قلب المجتمع، وانتزاع الحكم لحساب عائلة واحدة. ثم ووريت هذه الدنايا خلف الشعار والراية والطيلسان، إذ لاذ النظام بشعارات العروبة والاشتراكية وتأليه الدولة لتبرير وإخفاء سوءاته. بعبارة أخرى، لسنا في سوريا بصدد دولة حديثة، بل سلطة قروسطية عصابوية الطابع، استلبت الحكم عنوة، واتخذت المجتمع رهينة، فيما هي تنتحل مظهر الدولة وتروج لحكمها بشعارات براقة لا ظهير لها على أرض الواقع.
قائمة الأوزار طويلة، وعلى رأسها المدى الذي وصلت إليه السلطة الأسدية في استخدام القتل العمد كأداة لإسكات أي صوت معارض. لقد أزهقت ماكينات قتل النظام وحلفاؤه أرواح حوالي أربعمائة وأربعين ألف شخص منذ 2011م (وهو ما يماثل حوالي 85% من مجموع ضحايا الحرب السورية)،(4) وقتلت تعذيباً في جوف سجونها ما لا يقل عن الأحد عشر ألف مواطناً سورياً في السنوات الثلاث الأولى فقط من الصراع.(5) وتمتلئ تقارير منظمات حقوق الإنسان والكثير من التقارير الصحفية بتفاصيل تشيب لهولها الولدان عن الأوضاع داخل سجون النظام: عن سجانين يلتذون بكل صنوف التعذيب، وعن مساجين قضوا نحبهم أو أصيبوا بالهلاوس من هول ما تعرضوا له. وعليه، فليس من الحكمة ولا الدقة وصف النظام الأسدي بالديكتاتوري، فهو أسوأ من هذا بكثير. فالديكتاتورية درجات، لكن أسوأها - حتى في الوطن العربي - يبقى أفضل حالاً بكثير من الدرك الذي انزلقت إليه السلطة الأسدية.  
أما من الناحية التقنية، فقد تضعضعت الدولة في سوريا بشدة حين تقزمت جميع مؤسساتها بما فيها الجيش، وتهاوى مستوى أدائها، وتضخم فقط حجم ودور أجهزة الأمن الداخلي كالمخابرات وسائر الأجهزة الأمنية المسئولة عن حماية أمن النظام. ثم أن توريث الحكم في ظل نظام جمهوري اسماً، واستئثار الطائفة بل والعائلة بأغلب المناصب، يمثل ردة حضارية كبرى، تعيد إلى الأذهان بشكل ما أوضاع أوروبا في القرون الوسطى، أو أوضاع العرب إبان حكم الدولة الأموية، أي قبل ألف وأربعمائة عام تقريباً. فأين كل هذا من سمات الدولة الحديثة؟ 
       
وبالرغم من أن الدولة الحديثة منوط بها تحقيق الوحدة الوطنية عبر حل التناقضات الدينية والعرقية والطائفية والاجتماعية والفئوية والحزبية بين المواطنين في إطار سلمي وقانوني، إلا أن السلطة الأسدية فعلت عكس ذلك تماماً. صار بغض "الآخر" الطائفي قيمة يلتذ الجميع بممارستها، كما أبان خالد خليفة في روايته "في مديح الكراهية"، والتي سلطت الضوء على هذه الأوضاع الاجتماعية المختلة.(6) رسخت هذه السلطة وعن عمد تلك الاختلافات وعمقتها بغية تدعيم بقاءها في الحكم. صار العبث بمكونات المجتمع لعبة يلهو بها النظام لا هدف لها سوى الاستمرار على العرش أياً كانت التكلفة. لم يقتصر الأمر على اعتماد النظام على أبناء الطائفة العلوية في الجيش والأجهزة الأمنية، بل إلى اتباع ما يشبه سياسة الأبارتهايد بين الطوائف. وقد أدى ذلك حتى قبل اضطرام البلاد بنير الحرب في 2011م بكثير إلى خروج المشاعر الطائفية عن عقالها، وإلى اهتراء النسيج السوري، وتحويله إلى جزر منعزلة لا تنبئ أبداً عن حيوية مجتمع موحد ومتماسك.
مثلاً، أدى تصعيد العلويين (ونسبتهم لا تزيد عن 11% من مجموع عدد السكان) الذين كان أغلبهم لأسباب تاريخية وجغرافية من سكان المناطق الجبلية، الفقيرة والمهمشة، إلى عملية خلخلة إجتماعية شديدة، خلقت بدورها بيئة نفسية يشوبها التربص والشك المتبادل بين الطبقات الإجتماعية من ناحية، وبين الطوائف من ناحية ثانية، ووبين سكان المدن والريف من ناحية ثالثة.(7) ولذلك انتشر بين سكان المدن الإشارة إلى العلويين ذوي الأصول الريفية، والمتنفذين سياسياً ومالياً، باعتبارهم "بقر وشراشيح"،(8) فيما نظر الأخيرون إلى سكان المدن نظرة سلبية، رافعين مثلاً قديماً يقول "كل شامي فيه علامة وفيه لآمة" (أي لؤماً).(9) كما يشيع في كتابات الكتاب السوريين، وخصوصا المفكر السياسي عبد الرزاق عيد، الإشارة إلى "رعاع الريف" باعتبارهم من المكونات الاجتماعية الرئيسية التي يعتمد عليها النظام الأسدي. لذا كان طبيعياً إبان الثورة أن يحاول النظام بشكل حثيث تصوير الثورة باعتبارها حرباً سنية على الطائفة العلوية، وفي المقابل، عمد بعض المواطنين إلى التحدث باللهجة العلوية الريفية ابتغاء قربى النظام واتقاء لشره.
في كتابه "سأخون وطني"، عبر الكاتب والشاعر السوري محمد الماغوط عن قناعته بأن "الأوطان نوعان، أوطان مزورة وأوطان حقيقية. الأوطان المزورة أوطان الطغاة، والأوطان الحقيقية أوطان الناس الأحرار."(10) الأوضاع في سوريا آنفة الذكر تثير بالفعل تساؤلاً أساسياً: من الأولى بالرعاية؟ وجود هذه الدولة، أو بالأحرى اللادولة، أم وجود المجتمع وحريته واستقراره وازدهاره؟ فالدولة ما قامت إلا من أجل تنظيم شئون المجتمع بشكل عادل وإنساني وكفء، فما العمل إن انتفت كل الأغراض التي من أجلها قامت؟ 


الجيش والدولة
ثم ماذا عن الجيش السوري "البطل"؟ الشاهد أن منطق السلطة فرض وجوده على كافة الأصعدة في سوريا بما فيها الصعيد العسكري، لإنه ببساطة عقيدة النظام الوحيدة، ومحور انشغاله الوحيد. صارت المحاباة الطائفية في الجيش سياسة رسمية وأداة لبقاء النظام، وخصوصاً بعد الهجوم الإرهابي الذي تعرضت له مدرسة المدفعية في حلب في عام 1979م ومحاولة اغتيال الرئيس حافظ الأسد في 1980م. سُكِن أبناء الطائفة في كل المناصب وعربد رجالها في الأنحاء وصاروا هم والنظام واحد. وتشير الإحصائيات إلى أن حوالي 80-85% من الضباط خريجي الكليات العسكرية هم من العلويين.(11) ويروى أنه إبان وفاة الرئيس حافظ الأسد في عام 2000م أرسل الكثيرون من الضباط العلويين زوجاتهم وأبناءهم إلى قراهم الأصلية انتظاراً لعملية انتقال السلطة، ولم يعد هؤلاء إلى بيوتهم بالعاصمة دمشق إلا بعد إتمام تولي بشار الأسد مقاليد الأمور.(12) والمغزى واضح: حياة ومصائر هؤلاء الضباط هي في خدمة طائفة حاكمة، وليس دولة حديثة حقيقية.
ارتبط إذن الضباط العلويون ارتباطاً وثيقاً بالسلطة، وأصبحوا جنودها في معركة البقاء لا ضباطاً محترفين في مؤسسة تعتمد على مبادئ الجدارة والكفاءة المهنية. صارت العلاقة بين الطرفين تكافلية بامتياز: دعم النظام في مقابل الصعود الاجتماعي والمزايا الوفيرة. يعيش الكثير من الضباط العلويين في المدن الرئيسة في ما يشبه الجيتوهات السكنية (مثل "ضاحية الأسد" في شمال شرق دمشق، وهي أكبر مشروع سكني حكومي للضباط)، بل والأنكى أن توزيع سكن الضباط في بعض الوحدات العسكرية يتم أيضاً على أساس طائفي.(13) يحصل الضباط العلويون إضافة إلى ذلك على السلع الأساسية وكوبونات الوقود بأسعار مخفضة، ويتمتعون بالعلاج المجاني في مستشفيات الجيش، وتتيح لهم مدخولاتهم القدرة على الزواج واقتناء السيارات.  
وكان طبيعياً أن تنخفض بشدة الجاهزية القتالية للجيش السوري. ليس سراً مثلاً أن الجيش انقسم تقريباً منذ السبعينات إلى جيشين: صفوة الفرق العسكرية شديدة البأس (مثل الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري) والتي تمركزت حول العاصمة لحماية النظام من خطر الإنقلابات العسكرية، وهو هاجس النظام الرئيسي في ظل أن عشرة انقلابات عسكرية قد وقعت في سوريا في الفترة من عام 1949م وحتى عام 1970م. أما القوات الأقل تسليحاً وتدريباً فتمركزت قرب الحدود مع إسرائيل أو في المناطق البعيدة عن العاصمة في شمال البلاد وشرقها.(14) حدث ذلك في نفس الوقت التي صدحت فيه ميكروفونات النظام بقصائد الدفاع عن العروبة ومعاداة إسرائيل. أطلق السوريون على جيشهم "الوطني" لقب "جيش أبو شحاطة" استهزاءاً من ضعف كفاءته ونفشي الفساد والطائفية فيه. وانكشف ذلك الضعف جلياً في سنوات الحرب الأهلية حين انهزمت غير مرة أرتال من الجيش السوري أمام ميليشات مهلهلة ضعيفة العدد والتدريب والتسليح. 
وضرب الفساد أطناب الجيش، قبل الثورة وبعدها. ويعرف كل السوريين كيف أنه صار لزاماً على المجندين رشوة رؤساهم بالمال والهدايا من أجل دفع شرهم واضطهادهم من ناحية، أو للحصول على منافع محددة من ناحية أخرى، مثل التمركز في مناطق بعينها أو الحصول على أجازات أطول أو تجنب الخروج في دوريات قتالية. وفي ذروة الحرب الأهلية السورية، وصلت مفارقات الفساد إلى ذروتها حين تورط لفيف من ضباط الجيش في بيع السلاح والنفط للمليشيات المسلحة فيما ألوان الخراب تعم البلاد بسبب الصراع الدموي الدائر بين الطرفين.(15) وفي بحث ميداني مميز للباحث هشام بو ناصيف نشر بدورية (Journal of Strategic Studies)، قال عميد بسلاح الجو السوري نصاً أن "بعض الضباط الكبار يمكن شراؤهم بعلبة سجائر. هل تعتقد أن الجنود سيقاتلون ويموتون من أجل هؤلاء اللواءات إذا ما أرسلوهم لساحات القتال؟ لو كنا دخلنا الحرب مع الإسرائيليين لأمكنهم دخول حمص في ساعتين. ولكن لم ترغب إسرائيل أصلاً في محاربة نظام كالأسد؟"(16)
  
المسلمات المُفْتَرَيات
سد ذرائع الفساد والجهل يقتضي ثورة فكرية شاملة تشمل حتماً إعادة النظر في كل المفاهيم والمسلمات السائدة في الواقع السياسي العربي. يعزز الحاجة إلى ذلك أن الكثير من تلك المفاهيم لم تولد سوى من رحم أطراف تمتلك مصلحة مباشرة في ترويجها بين الجماهير. ولعل بإمكان الوضع في سوريا، وهي حالة حية شاخصة أمامنا، ونابضة بالصور والمعاني والدروس، أن تساعدنا على تلك المراجعة.
فيما يخص سوريا، ثمة أسئلة عديدة جديرة بالبحث والتفكير. على سبيل المثال، هل تستدعي المصلحة الحفاظ على الدولة والنظام القائمين بها؟ ولو كانت الإجابة بالإيجاب، فهل يستحق الأمر كل هذا القدر من التدمير والهلاك؟ في نفس الإطار، كيف يمكن لمن قتل مئات الآلاف وشرد الملايين أن يدعي من الأساس أنه "يحافظ على الدولة"؟ هل في ذلك حفاظ على [1]الدولة أم أنه محض خداع، كمن رفع المصحف فوق السيف، أو بشر بالأمن بحد الخوف؟ ثم إذا كانت الدولة الحقيقية هي الشعب، فما الرأي في دولة الأسد وما هي إن دققنا سوى طغمة وصولجان وهراوات وشعارات؟ ثم ما الحكم إن شب صراع بين عصابة وعصابات، لكن الأولى ترتدي سترات رسمية موحدة وتقف تحت علم الوطن، والثانية محض ميليشيات سوداء تتدثر برايات خضراء حتى تُثْخِنَ في الأرض؟ ما السبيل الأمثل لوصف صراع كهذا؟   
لن يتغير الوضع المنكود في سوريا وغيرها من الأقطار العربية غداً أو بعد غد، وحتى يسدل الله رحمته ويبسط قبس النور فيضه، لا مندوحة من اتخاذ الوعي والمعرفة سلاحين في مواجهة وعثاء الظلم ودياجير الظلام. هذا هو الدرب ومن هنا يأتي الخلاص.

د. نايل شامة
* نُشر هذا البحث قبلاً بواسطة مركز الدراسات الإستراتيجية والدبلوماسية.

الهوامش:
(1) لفهم أعمق لمسألة الدولة القومية ونشأتها والفارق بين مفاهيم الدولة والأمة، راجع المصادر التالية
Ernest Gellner (2009) Nations and Nationalism. (New York: Cornell University Press). 
Benedict Anderson (1983) Imagined Communities: Reflections on the Origins and Spread of Nationalism. (New York: Verso). 
Gianfranco Poggi (1990) The State: Its Nature, Development and Prospects. (California: Stanford University Press).
Hugh Seton-Watson (1977) Nations and States: An Enquiry into the Origins of Nations and the Politics of Nationalism. (Boulder: Westview Press).  
(2) أنثوني كورت، Hannah Arendt’s Response to the Crisis of her Times، أمستردام، Rozenberg Publishers، 2008م، ص 69.
(3) أحمد زكي، آل الأسد وأسرار سقوط آخر الطغاة، القاهرة، كنوز للنشر والتوزيع، 2013م، ص 124.
(4) "Syrian Observatory Says War has Killed More than Half a Million رويترز، 12 مارس 2018م، https://www.reuters.com/article/us-mideast-crisis-syria/syrian-observatory-says-war-has-killed-more-than-half-a-million-idUSKCN1GO13M .
(5) "Syria Accused of Torture and 11,000 Executionsبي بي سي، 21 يناير 2014م، https://www.bbc.com/news/world-middle-east-25822571.  
(6) صدرت الطبعة الأولى من رواية "في مديح الكراهية" عن دار أميسا للنشر والتوزيع (فرع بيروت) في عام 2006م، وقد اختار موقع "ليست ميوز" الرواية ضمن قائمة تضم أفضل مائة رواية في العالم عبر التاريخ. 
(7) للمزيد من الدراسات الرئيسية التي تلقي الضوء على الحياة الاجتماعية والسياسية للطائفة العلوية ودورهم في الجيش السوري، راجع المصادر التالية:
Hanna Batatu (1981) Some Observations on the Social Roots of Syria’s Ruling, Military Group and the Causes for its Dominance, Middle East Journal, 35(3), pp. 331-344.
Hanna Batatu (2012) Syria’s Peasantry, the Descendants of its Lesser Rural Notables and Their Politics (Princeton: Princeton UP).
Alasdair Drysdale (1979) Ethnicity in the Syrian Officer Corps: A Conceptualization, Civilisations, 29(3/4), pp. 359-374.
Nikolaos van Dam (2011) The Struggle for Power in Syria: Politics and Society under Asad and the Ba'th Party (London: I. B. Tauris).
(8) خضر خضور، "Assad’s Officer Ghetto: Why the Syrian Army Remains Loyal"، مركز كارنيغي للشرق الأوسط، نوفمبر 2015م، ص 6، http://carnegie-mec.org/2015/11/04/assad-s-officer-ghetto-why-syrian-army-remains-loyal-pub-61449 .
(9) حنا بطاطو، "Some Observations on the Social Roots of Syria’s Ruling, Military Group and the Causes for Its DominanceMiddle East Journal ، عدد 35، رقم 3، صيف 1981م، ص 336.
(10) محمد الماغوط، سأخون وطني: هذيان في الرعب والحرية، بيروت: دار المدى للثقافة والنشر، 2004م (الطبعة الرابعة)، ص 11.
(11) هشام بو ناصيف، "Second-Class: The Grievances of Sunni Officers in the Syrian Armed ForcesJournal of Strategic Studies، السنة 38، رقم 5، 2015م، ص 632.
(12) خضر خضور، "Assad’s Officer Ghetto: Why the Syrian Army Remains Loyal"، ص 1. 
(13) للمزيد من المعلومات عن مشروعات إسكان الضباط في سوريا، وعن مشروع ضاحية الأسد بالتحديد، راجع الدراسة المتميزة التي أجراها الباحث خضر خضور والمشار إليها تفصيلاً في الهامش رقم 6. 
(14) نيكولاوس فان دام، The Struggle for Power in Syria: Politics and Society under Asad and the Ba'th Party، لندن، I. B. Tauris، 2011م، ص 47.
(15) دوروثي أول، هولجر ألبريخت، كيفن كولر، "For Money or Liberty? The Political Economy of Military Desertion and Rebel Recruitment in the Syrian Civil Warمركز كارنيغي للشرق الأوسط، نوفمبر 2015م، ص 7، https://carnegieendowment.org/2015/11/24/for-money-or-liberty-political-economy-of-military-desertion-and-rebel-recruitment-in-syrian-civil-war-pub-61714.
(16) هشام بو ناصيف، "Second-Class: The Grievances of Sunni Officers in the Syrian Armed Forces"، ص 638. 



[1]

Saturday, April 7, 2018

عن أشباه الدول في العصر الحديث


انشغل الرأي العام الأمريكي لشهور طويلة بقضية جنائية هي بلا شك من أكثر القضايا إثارة للمشاعر الجياشة، ما بين تعاطف مع الضحايا وحنق على المتهم ورغبة في إيقاع أشد أنواع العقاب به. تتعلق القضية بالطبيب الأمريكي لاري نصار الذي قام على مدار نحو عشرين عاماً قضاها كطبيب لفريق الجمباز الأمريكي للسيدات بالتحرش الجنسي بمئات الفتيات في سن الطفولة والمراهقة. أوضحت التفاصيل المفجعة للقضية كيف تحرر المتهم - المدان الآن والمحكوم عليه بالسجن لفترة تتراوح بين 40 و 175 سنة - من كل وازع أو ضمير، فنهشت يداه أجساد الفتيات، مما تسبب لهن في أثر نفسي مدمر ظل يلازمهن رغم مرور السنين، كما أدى إلى انتحار والد إحداهن.
انخلعت القلوب وهي تستمع لشهادات الضحايا الأبرياء وهن يذرفن الدمع أنهاراً وترتعش حناجرهن فيما يشرحن كيف اغتصب نصار - الذي أسمته وسائل الإعلام "بوحش الأطفال" - بكارة الفتيات الصغيرات، وكيف دمر حياتهن وحياة أسرهن. قالت إحداهن أن في ذاكرتها ثقوباً سوداء تعود لتهاجمها حتى الآن في كوابيسها، وقالت أخرى مخاطبة المتهم: لم أستطع أن أكون شخصاً طبيعياً بعد ما فعلت بي. لقد فقدت جزءاً كبيراً من طفولتي بسبب ما تعرضت له. وقالت ثالثة: لقد تركت ندوباً على روحي لا أعتقد أنها ستندمل أبداً. 
توالت الشهادات تقطع نياط القلب، ثم وصلت الدراما الإنسانية أثناء الاستماع لإفادات الضحايا إلى ذروتها حين قام والد مكلوم تعرضت بناته الثلاث لانتهاكات جسيمة من قبل نصار بمحاولة الانقضاض على المتهم داخل قاعة المحكمة، فانبرى له في ثوانٍ خاطفة حرس المحكمة، وأوقعوه أرضاً قبل أن يتعرض له. هذه اللقطة الأخيرة جديرة ببعض التأمل، فمهما اقترف المجرم من جرائم، ومهما بلغت درجة السخط عليه، يبقى أن له كمتهم ومدان حقوق وضمانات تحميه من بطش الضحايا وذويهم.
في مقابل هذا المشهد الكاشف، تأمل ما يحدث في بلادنا العربية يومياً من عصف وتنكيل بكل حقوق المتهمين، يزداد كلما ازدادت بشاعة التهم الموجهة إليهم. ففي حالات الاتهام بالقتل أو الاغتصاب أو الإرهاب، نجد من يستحل لنفسه إهانة المتهمين، والتعدي عليهم بالقول أو الضرب، متناسياً أولاً أهم قاعدة قانونية يعرفها الجميع، وهي أن المتهم برئ حتى تثبت إدانته، وأن بشاعة التهمة لا تنفي أبداً تلك القاعدة الذهبية، وما يتصل بها من قواعد مثل أن الشك يفسر دوماً لصالح المتهم، وأن عبء إثبات التهمة يقع على النيابة. ثم أن الإدانة إن وقعت فمؤداها أن يظل العقاب بيد الدولة ومؤسساتها القانونية، لا أن يتم إنزال العقاب بصورة عشوائية همجية تستجيب لشهوة الانتقام ودفقات الغضب.
يصل الأمر إلى أكثر ما هو فداحة حين تقوم بتلك الاعتداءات المشينة قوات الأمن - أو إنفاذ القانون - نفسها. وفي بعض الأحيان يصل الأمر إلى أن تقوم هذه القوات "بتصفية" المتهمين على رؤوس الأشهاد، بل والإعلان عن ذلك بلا مواربة في البيانات الرسمية وكأنهم بصدد التبشير بفتح مبين. يتناسى هؤلاء وأولئك أن هذه دولة وليست قبيلة، وأن مواجهة الإرهاب والجريمة ليست عراكاً في شارع يتم فيه ضبط لص متلبساً بسرقة دابة أو حبل ملابس، فيبادر أهل الحارة إلى صفعه على قفاه وكل ما وصلت إليه أيديهم وأرجلهم في جسمه، وهم يتصورون أن في ذلك انتصار للحق وانتقام من السارق الدنئ.
ما هكذا تدار الأمم.
لقد أقرت كل التشريعات القانونية الحديثة لائحة طويلة من الضمانات والحقوق للمتهم سواء أثناء مرحلة التحقيق الابتدائي أو أثناء مرحلة المحاكمة. تتضمن تلك الحقوق حق المتهم في السكوت، وفي الاستعانة بمحام، وفي معرفة السبب وراء توقيفه، وفي الدفع ببطلان إجراءات التحقيق، وأن يحاكم المتهم بواسطة سلطة قضائية مستقلة، وأن تكون الجلسات علنية، وأن تتم وفق إجراءات سليمة تحفظ حقوق المتهم وكرامته. كل تلك الضمانات وغيرها الكثير لم تُشَرع من باب تدليل المتهم، بل بغية الوصول إلى الحقيقة عبر إعلاء سيادة القانون وضمان التوازن بين حقوق الدفاع وبين حق المجتمع في القصاص.   
الثابت أن الالتزام الدقيق بنصوص الدستور والقانون هو الخط الفاصل بين فسطاطي الحضارة والبدائية. ففي زمن الشعوب البدائية كانت الغريزة العفوية هي المحرك الرئيسي للفعل ورد الفعل في شتى مناحي الحياة. أما وقد قامت الحضارات منذ آلاف السنين فقد استبدلت المشاعر بالنظم، والغرائز بالقوانين، والأعراف بالنصوص. ومع التطور الإنساني صار للدول دساتير وتشريعات ولوائح تنفيذية شاملة، تنظم وتحدد بأدق التفاصيل حياة المجتمع في سائر الأوجه. يشمل ذلك التنظيم بالطبع قضاءاً متعدد الدرجات يحفظ حقوق الجميع، ويبتغي تحقيق العدل مسترشداً بتراث قانوني ضخم تم تطويره وتنقيحه وسد ثغراته عبر مئات السنين.    
يجدر الذكر في سياق الحديث المتكرر عن "الدولة" وسبل نهضتها أن قوة الدولة لا تقاس ببطش الأجهزة الأمنية، أو إطلاق العنان لها لتعيث في الأرض فساداً طالما تحدق بها أخطار أو يتربص بها أشرار. وأن معيار الدولة الحق هو أن تكون بلا مشاعر أو أهواء أو انحيازات أو ضغائن، وأن مقياس الحكم عليها دوماً هو التطبيق الصارم للدستور والقانون. الأفراد عرضة لأن يكونوا هوائيين، تجرفهم مشاعرهم ذات اليمين وذات اليسار، أما الدولة فلا ينبغي أن تكون كذلك، وإلا فقدت أهم مقوماتها كدولة تنتمي للعصر الحديث، وصارت بحق "شبه دولة"، عبئاً على مواطنيها وعالة على العالم.  
ببصيرة نافذة وعبارة موجزة، لخص العالم النفسي سيجموند فرويد المسألة حين قال أن الحضارة بدأت أول مرة حين قام رجل غاضب بإلقاء كلمة بدلاً من قذف حجر. ذلك بالضبط هو الفارق بين عصر البربرية ونزقه وأدواته وبين عصر الحضارة ومنطقه ومؤسساته. فمن فيهما يستحق أن تُرفع أعمدته وتُنشر مبادئه؟  

د. نايل شامة     
* نُشرت هذه المقالة بموقع الحوار المتمدن (بتاريخ 8 أبريل 2018م).

Wednesday, June 4, 2014

في رحاب الدولة العربية الفاشلة


لا يملك المرء إلا التأمل المشدوه إزاء انتشار من يطلقون على أنفسهم لقب "الدولجية" (نسبة إلى الدولة) في عدد من الدول العربية في الآونة الأخيرة. الدولجية هم أولئك الذين يؤمنون بمؤسسة الدولة، بدورها المهيمن وسلطاتها الواسعة، وهيبتها التي لا ينبغي أن يشوبها شائبة، وقانونها الذي يجب أن يسود على الجميع. الدولة في نظر هؤلاء كيان مرادف للوطن، يرمز له ويلتصق به، حتى لا يكاد يبين الفرق بينهما. ومن ثم فهي كيان مقدس، يسمو فوق مستوى النقد، ويتنحى بعيداً عن مساحات الاختلاف السياسية والأيديولوجية. بالنسبة إلى هؤلاء، فإن منتقدي الدولة إما جهلاء أو عملاء، أما المدافعون عنها فجنود بواسل في معركة مقدسة. تبجيل الدولة هذا ولد بالتبعية ولعاً برجل الدولة القوي الذي سيدحر الغزاة، ويعيد الأمجاد، ويفجر أنهار اللبن والعسل الدافقة.  
بيد أنه يغيب عن هؤلاء أمران أساسيان. أولهما أن مفهوم "الدولة" السياسي مختلف كلية عن معنى الوطن. قالوطن أرض وشعب وحياة وروابط وانتماء، أما الدولة فمحض مؤسسة، قوامها نظام سياسي وجهاز إداري وإطار تشريعي، تحتمل جميعها الصلاح أو السوء، ومن ثم فلا قداسة أو حصانة لها. أما الأمر الثاني والأهم فهو أن الدولة في الوطن العربي لا تستحق مثقال ذرة من تبجيل، إذ ليس في سجلها سوى صفحات متوالية من الإخفاقات والانكسارات وجر أذيال الخيبة. تغير الكثير في العالم منذ مولد الدولة العربية الحديثة في منتصف القرن العشرين. صعدت البشرية إلى الفضاء، وانكشف سر الجينوم البشري، وانتشرت الحاسوبات والهواتف المحمولة، وهرول العالم باتجاه إقامة نظم ديمقراطية تعددية، فيما ظلت الدولة العربية كما هي: كيان متصلب مهتريء، يعيش متخشباً خارج العصر وإن رفع شعاراته، ويعلق فشله على مشجب الآخر، ثم يعتمد على أدوات القهر للحفاظ على وجوده. 
فشلت الدولة بداية في معركة الاقتصاد والتنمية، فاعتمدت اقتصاداتها على الريع والمساعدات الخارجية والخدمات، عوضاً عن الانتاج والتصنيع والابتكار. ورعت تلك الاقتصادات الهشة بنياناً أفعوانياً ضخماً من شبكات الفساد واقتصاد المحاسيب ورأسماليات "تسليم المفتاح" (القائمة على خصخصة المشاريع العامة)، ما أفضى إلى التخلف الاقتصادي، وشيوع الفقر والبطالة، واستدامة الاعتمادية على الخارج. ونظرة سريعة على تقارير التنمية الإنسانية الصادرة عن الأمم المتحدة تشي بقتامة الصورة الكلية، فالناتج المحلي الإجمالي للدول العربية كافة أقل من نظيره في اسبانيا، أما إجمالي الصادرات غير النفطية لكل الدول العربية فأدنى من إجمالي صادرات فنلندا (وهي دولة تعدادها نحو خمسة ملايين نسمة). بغياب التنمية، انتشرت أحزمة الفقر على ضفاف المدن الكبرى – كالقاهرة وبيروت والجزائر – وفي مناطقها المهمشة البعيدة عن اهتمام المركز وخططه وموارده. من أحد تلك المناطق خرج بائع متجول يقاسي شظف العيش وجور السلطة، مشعلاً النار في نفسه ومفجراً انتفاضات الربيع العربي في 2011م.       
فشلت الدولة العربية أيضاً على امتداد المسافة من المحيط إلى الخليج في إفامة نظام سياسي يصون الحريات والحقوق الأساسية، ويحترم الكرامة الإنسانية وتكافؤ الفرص. فصارت إسرائيل تتشدق بأنها "واحة للديمقراطية" في صحراء متخمة بأنظمة سلطوية، لها برلمانات شكلية، وأحزاب ضعيفة، وقوانين صورية، وأبواق زاعقة، والكثير من المعتقلات وقوات مكافحة الشغب. نمت وازدهرت وتمددت في الوطن العربي الدولة السلطوية، ممارسة ومنطقاً وأسلوب حياة. ومن رحمها خرج حكام صاروا في التاريخ الإنساني نماذج في الهوس بالسلطة وجنون العظمة، كالقذافي وصدام حسين وبشار الأسد. ولذلك بزغ مفهوم "الاستثناء العربي" في الدراسات الديمقراطية، محاولاً تفسير لماذا شذت دولة الإقليم عن التيار، وتخلفت عن موجات الديمقراطية العالمية الثلاث.    
ثم فشلت الدولة العربية خارجياً بامتياز، وانكشف وهنها وهوانها أمام تفوق وتنظيم الآخر. تجرعت الدولة مرارة الهزيمة تلو الأخرى أمام إسرائيل (بإستثناء الأداء المميز للجيشين المصري والسوري في حرب أكتوبر، ولحزب الله في 2006م)، وفشلت في حماية أشقائها من الهجمات الإسرائيلية المتتابعة (العراق في 1981م، وتونس في 1985م، ولبنان في 1982م و2006م، وقطاع غزة في كل السنوات). ثم فشلت مجدداً في نصرة الدول العربية في نزاعاتها الحدودية مع الدول غير العربية (كجزر الإمارات الثلاث، ولواء الاسكندرون السورى، وسبتة ومليلية المغربية). انهار مفهوم الأمن القومي العربي على عقبيه، ولم يعد يعني الكثير في وطن عربي تبدلت خرائطه، وتشكلت عبر مسامه طرقاً نفذ منها الجيران وجيران الجيران. بل عجزت الدولة العربية حتى عن إدارة تناقضاتها الداخلية، فتفاقمت الصراعات الإثنية والمذهبية بداخلها، ومشاهد الحرب الأهلية المفزعة في سوريا (ومن قبلها في العراق والسودان ولبنان) ليست في حاجة إلى تذكير. اغتصبت فلسطين، واحتل العراق، وانشطر السودان، وتمزق الصومال، وتفجر لبنان، فيما المدافع ساكنة والميكروفونات هادرة.  
الفشل في مواجهة الآخر على الصعيد الأمني والعسكري صاحبه قصور مطبق في سد الفجوة العلمية والتكنولوجية مع الدول المتقدمة. فهوس الدولة بالسيطرة رافقه إهمال، وأحياناً ازدراء، للعلم، ما أدى لانخفاض مستوى التعليم، وشيوع نمط ثقافي متهافت بائس، يكرس للاستبداد ويكبح الابتكار. وفي عدد براءات الاختراع المسجلة في العشرين سنة الأخيرة من القرن العشرين في الولايات المتحدة خير دليل، ففي مقابل أكثر من 16000 اختراع من كوريا الجنوبية، حظيت مصر مثلاً بسبع وسبعين براءة اختراع فقط. كذلك ففي الوطن العربي ثاني أعلى معدل أمية بين أقاليم العالم الجغرافية (بعد إقليم جنوب الصحراء)، أما الكتب المترجمة إلى العربية في العام الواحد فلا تزيد عن خمس الكتب المترجمة إلى اليونانية (على رغم أن سكان اليونان يجاوزون الأحد عشر مليوناً بقليل). على أغصان شجرة الجهل السامة ولدت طامة التطرف، والتي ما برحت تقوض بنيان الأمة الفكري وسلامها الاجتماعي، وتحول بينها وبين الالتحاق بالعصر.           
فعن أي دولة يتحدث المتعبدون في محراب الدولة؟ عن ذلك الكيان السلطوي المهتريء الذي أضاع الأرض وأورث الفقر ونشر ثقافة الجهل ورسب في المعارك كافة داخلياً وخارجياً؟ أم عن دولة أخرى يتمنونها في مخيلتهم لكن لا دليل البتة على وجودها على أرض الواقع؟ 

د. نايل شامة
* نُشرت هذه المقالة بجريدة الحياة (بتاريخ 1 يونيو 2014).