Thursday, November 2, 2023

في مديح المقاومة وذم المقاومين

 

منذ بدأت فلسطين تنزف الدم والألم قبل خمسة وسبعين عاماً، صار واضحاً أن احتلال أرضها وتشريد شعبها وحرمانه من حقوقه ليس مشكلة أو أزمة أو نزاع فقط، بل قضية. ولذلك يشار إليها عن حق "بالقضية" الفلسطينية. ولأنها قضية عادلة تملك في جعبتها تلالاً من الحجج والأسانيد والحيثيات، فقد انبرى للدفاع عنها ورفع رايتها بل والحديث باسمها دعاة ومحامون ووكلاء وأدعياء كثر. هنا اشتد النزيف واستحالت المأساة مأساتين إذ ابتليت القضية بأدعيائها ووكلائها مثلما ابتليت بأعدائها ومناوئيها. ولأن 'نقد المقاومة مقاومة أيضاً'، فمن الواجب تناول هؤلاء بالنقد والتحليل، وبالأخص ثلاث فئات رئيسية منهم.

أول فئة هم المتاجرون بالقضية بلا مواربة، المتشدقون بها لا عن إيمان يذكر بل عن انتهازية لا تخطئها عين. عُمر هؤلاء من عُمر القضية، فحين فشلت الجيوش العربية في كبح قيام دولة إسرائيل في عام 1948، وجدت النخب الحاكمة العربية نفسها أمام مصدر تشع منه رائحة الخطر والفرصة معاً. منبع الخطر قيام دولة على مرمى حجر منهم ذات قدرات عسكرية ودعم دولي ومن ثم خشيتهم من الهزيمة أمامها مجدداً إن دُفعت دولهم إلى مواجهة أخرى معها. ومع ذلك، ومع تحول فلسطين إبان النكبة إلى جرح نازف يدمي قلوب العرب أجمعين، فقد تراءت لهم في الأفق فرصة فتوثبوا للانقضاض عليها. تمثلت هذه الفرصة في المكاسب السياسية الكبيرة التي يمكن لهم أن يغتنموها إن رفعوا الشعار وهتفوا الهتاف وارتدوا الكوفية حتى ولو لم يطلقوا رصاصة واحدة. من هنا بزغت ظاهرة النضال أمام الميكروفونات، أي استغلال الصراع لنيل شرعية سياسية دون تحمل تكاليفه. بعض هؤلاء "المناضلين" كان يلعن إسرائيل في الصباح ويلتقي قادتها خلسة في العشية، وبعضهم كان يحذر إسرائيل من خطر هجمات عربية وشيكة، وبعضهم كان يبتهج بضرب إسرائيل لأطراف عربية شقيقة. بيد أن إغراء الميكروفونات كان أكبر من أن يقاوم.

من هذه الإغراءات امتلاك ورقة رابحة لإسكات أي صوت معارض. فإن عنَّ للشعوب وسط القصف الشفهي أن تطالب بالحرية المهتوف باسمها صباح مساء، جاءها رد السلطة قاطعاً: ألا ترون؟ نحن نحارب إسرائيل وهذه أولويتنا. كان هذا، مثلاً، منطق وزير الحربية المصري محمد فوزي حين تظاهر الطلبة في فبراير 1968 طلباً للإصلاح السياسي وحرية الرأي إذ قال في اجتماع لمجلس الوزراء: هذا وقت حرب لا رأي، وأيده في ذلك الرئيس جمال عبد الناصر آمراً بالقبض على المتظاهرين مصداقاً لمقولته الشهيرة "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة". ثمة أنظمة عربية تمحور خطابها بالكامل حول نصرة القضية الفلسطينية والتصدي – النظري – لإسرائيل، ومنه رتقت ثوب شرعيتها المهترئ (لعل أبرزها نظام العائلة الأسدية في سوريا). وفيما استخدمت هذه الفئة من الأنظمة العربية القضية كأداة لتكريس سلطتها، تحولت القضية بشكل ما إلى ملهاة لصرف الشعوب عن الالتفات إلى قضايا أخرى لا تقل عنها أهمية.

أما الفئة الثانية فيتربع على عرشها ما يسمى بتيار المقاومة الذي تمثله اليوم بشكل أساسي حركتا حماس وحزب الله ومن ورائهما إيران وبدرجة أقل سوريا. هنا لا مفر من نبذ الميل إلى المضاهاة بين المقاومة كفكرة مجردة قوامها التحرر والانعتاق والمقاومين كفواعل محددين لهم سجل معلوم من المواقف والأفعال والأقوال. ضرورة هذا التمييز مرجعها أنه لا يبدو أن الهوة بين معنى المقاومة وسلوك المقاومين، مهما علقت حبالهما معاً، أكثر اتساعاُ في أي حالة تاريخية عربية مما هي عليه في حالة فلسطين. ذلك أن سجل أطراف المعسكر المقاوم السالفين الذكر بعيد كل البعد عن قيمة المقاومة، وفي مقدمتهم بالطبع النظام السوري الذي شرد نصف أبناء شعبه وقتل منهم مئات الآلاف بكل أريحية وكأنه بفعل شيئاً من طبائع الأمور.

شأن أغلب الأحداث الكبرى، كانت الثورة السورية كاشفة بقدر ما كانت مؤلمة. كان حزب الله قد قدم أوراق اعتماده كحركة مقاومة ذات بأس إثر أدائه المميز ضد إسرائيل في حرب 2006 وكان قبلها قد ساهم في دفعها إلى الانسحاب من جنوب لبنان في 2000. لكن لحظة اختبار كاشفة حلت بعدها بسنوات حين ووجهت الثورة السورية بالرصاص والسلاح الكيماوي والبراميل المتفجرة. هنا نبذت "المقاومة" المقاومة وانحازت إلى صفوف طغيان يقمع المقاومة بلا رحمة. على نفس المنوال، قدمت الجمهورية الإسلامية في إيران – ابنة الثورة على نظام الشاه الدموي في 1979 – دعماً سياسياً وعسكرياً هائلاً للنظام في سوريا رغم سابق تأكيدها وعبر عقود على انحيازها الأصيل إلى "المستضعفين في الأرض". الثورة ضد الثورة والمقاومة عدو المقاومة.

أما الضلع الأخير في مربع المقاومة، أي حركة حماس، فلا تملك بدورها سجلاً يغري بكثير من الإعجاب. هناك الكثير مما يمكن أن يقال عن موقف حماس من الديمقراطية والأقليات وعن سجلها كحكومة في قطاع غزة منذ 2007 إزاء مسائل مثل احترام التعددية السياسية وحرية الإعلام واستقلال القضاء. في هذا السياق، يمكن الاستدلال بمثال واحد يعتمد على رأي أهل غزة أنفسهم. ففي استطلاع للرأي أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية ونشرت نتائجه في يونيو الماضي، أعرب 73% من سكان القطاع عن اعتقادهم بوجود فساد في المؤسسات والوزارات التي تديرها حركة حماس، وقال 59% أنه ليس بمقدورهم انتقاد سلطة الحركة دون خوف من العواقب، كما أبدت أغلبية كبيرة (77%) عن رغبتها في إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية جديدة.

وفي جولة السابع من أكتوبر، نجحت حماس في القيام بعمل عسكري بارع لكنه امتزج بانتهاكات واسعة لا يمكن تبريرها بأي حال. بعيداً عن السيل الجارف من المعلومات المضللة التي تغمر كل الفضاءات اليوم، هناك وقائع مثبتة عن جرائم ترتقي لمستوى جرائم الحرب ارتكبتها حماس بحق المدنيين والرهائن. من ناحية، لطخت هذه الأفعال سمعة المقاومة وكرست الصور الذهنية السلبية الشائعة عن العرب والمسلمين مانحة الحجة للزاعمين بأن نموذج داعش نبت في أرض صديقة وأنه قابل للتكرار في مواضع أخرى من نفس الأرض. ومن ناحية أخرى سياسية، فتحت العملية الباب لرد إسرائيلي لا يبدو أن حماس توقعت مداه مما يلقي ظلالاً من الشك حول مستقبل الصراع ومدى نجاح العملية في تحقيق أهدافها.

سجل معسكر "المقاومة" الذي عرجنا عليه تواً يطرح عدة أسئلة عن ماهية المقاومة وهوية المستحقين للقب وإدراكهم لمعناها وحدودها. مثلاً، بأي منطق يمكن نسبة النظامين الحاكمين في إيران وسوريا إلى المقاومة؟ وهل أسقط حزب الله عن نفسه صفة المقاومة حين أيد نظاماً ديكتاتورياً من أحط الأنواع؟ هل يمكن القول إنه سار بشكل ما على طريق منظمة "التحرير" الفلسطينية التي انحازت "للاحتلال" العراقي للكويت في لحظة كاشفة أخرى من التاريخ العربي المعاصر؟ ولماذا التصقت المقاومة على الدوام بالاستبداد والمستبدين، بل بأسوأهم، بدءاً من القذافي وصدام حسين ووصولاً إلى بشار الأسد وملالي إيران؟  وقبل كل ذلك، ما المقاومة؟ أليست المفاومة في صميمها رفضاً للظلم وثورة عليه؟ أم أن قنابل الأسد أقل فتكاً من القنابل الإسرائيلية؟ إن في الفعل المقاوم نبلاً وسمواً، فأي نبل وأي سمو في التنكيل بالمدنيين والإجهاز على الرهائن؟

تتكون الفئة الثالثة من مثقفين وناشطين مخلصين جعلوا القضية همهم الأكبر، وتفانوا في التبشير بعدالتها ومشروعيتها والدفاع عن ضحاياها. تماهى هؤلاء تماماً مع القضية فلم يعودوا يرون شيئاً لا قبلها ولا بعدها، فكأنها محور الكون وغاية الوجود. من فرط الولاء والتفاني، استحث هؤلاء الجميع في المحيط العربي المجاور على بذل الغالي والنفيس في سبيل نصرة القضية "المركزية" أياً كان الثمن والتكلفة. ثم اكتسب خطابهم بمرور الوقت شيئاً من الاستحقاقية، مصوبين بمقتضاها سهام النقد على الرافضين له. لكن، هل القضية الفلسطينية هي بالفعل قضية العرب (والمسلمين) المركزية؟ وهل تجُبُ قضية مقاومة إسرائيل بقية القضايا ومن ثم يحق لها إزاحتها وتأجيلها بل وإخمادها إن لزم الأمر؟ سيقول آخرون في المسافة الشاسعة من المغرب إلى البحرين: كلا، قضيتنا الأولى بالرعاية هي النهضة الحضارية أو الاستبداد السياسي أو التخلف الاقتصادي أو التعليم أو الطائفية أو غير ذلك.

عاب منطق هؤلاء المثقفين والناشطين أنه تناسى أن القضية إنسانية في المقام الأول ولا ينبغي معاضدتها على حساب مصالح أناس آخرين. من رحمه، لاسيما الاستحقاقية الرابضة بداخله، وقعت أحداث أيلول الأسود المؤسفة في الأردن (1970)، وشُرعن الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان الذي أودى بالبلد الهش (مع عوامل أخرى) إلى جحيم الحرب الأهلية (1975–1990وارتفعت نغمة تخوين المخالفين حتى صارت من آفات الخطاب العربي المعاصر ومن سقطات العمل المقاوم في فترات سابقة شهدت اغتيال العشرات من السياسيين والمناضلين الفلسطينيين بسلاح فلسطيني. 

         والآن، وفيما يستعر القصف على غزة ويموت الأطفال وتتحول البيوت إلى ركام، تواصل الأطراف الثلاث حضورها النشيط في المشهد. هذا يتاجر بالدم في أسواق السياسة، وذاك يصرع العدو برصاصة ويردي الشقيق برصاصتين، وذاك يكد بنبل وأنانية لنصرة قضيته ولو احترق العالم بأسره. وتدور الدوائر ويشتد النزيف. ما أحوج القضية، العادلة بملء الكلمة، إلى من هم أكثر رقياً وعدلاً وسمواً.

 

د. نايل شامة