Friday, April 4, 2014

مسرح العبث في السياسة المصرية


وجد مسرح العبث السياسي في مصر فضاءاً واسعاً وموطناً وثيراً، يسري بها عن متابعيه، ويضف البهجة الممزوجة بالحيرة والارتباك على أوقاتهم. يجتمع فوق خشبة هذا المسرح الشىء ونقيضه، وتُلبس الألفاظ عكس معانيها، وتتبدل المواقف في طرفة عين، وترتسم مساحة واسعة بين الخطاب والتطبيق، وتختفي أو تكاد رجاحة العقل وحصافة الإدراك. يتضاؤل بؤس عالم روايات جورح أوريل العبثي قياساً إلى لامعقولية الواقع، وتناقضاته الصارخة، ومآسيه المضحكة، ودعاباته المبكية.   
تراجع المنطق في الفضاء العام خطوات، وتقدمت للأمام كل العلل النفسية المناوئة للتفكير السليم، كحمى الخوف، وهيستريا المؤامرات، وداء التعصب، وسرطان الكراهية. وحين تستشري كل هذه الأوبئة النفسية في مجتمع إنساني فلا غرابة في أن تتبدل أولوياته، ومعاييره، ومفاهيمه. فتصبح السياسة مرادفة للأمن، ويتقزم الإعلام متحولاً إلى مجرد أداة للدعاية، وتُجبر المعارضة الوطنية غلى التواري (فالمعارضة خيانة)، وتصير "المصالحة الوطنية" مصطلحاً سيئ السمعة، ويضحى الاستئصال هدفاً قومياً.           
بداية، فإن معسكر السلطة زاخر بالتناقضات، والأمثلة أكثر من أن تحصى، يتصدرها قانون للتظاهر أصدرته حكومة أتت إلى مواقعها بفضل التظاهر، وبينما يقبع بسببه جمع من ثوار يناير خلف الأسوار يتمتع مبارك وبعض مساعديه الذين قامت الثورة ضدهم بالحرية. ثم أن وزير الداخلية الحالي صار لا يشير إلى جماعة الإخوان المسلمين إلا ناعتاً إياها "بالإرهابية"، على رغم أنها هي التي أتت به إلى منصبه. أما المؤسسات الدينية الرسمية فتورطت حتى أذنيها في مستنقع السياسة، على رغم سابق تأكيدها عدم جواز خلط الدين بالسياسة.       
ثمة تناقض أيضاً بين الخطاب الرسمي المفرط في التفاؤل وبين الواقع الطافح بالأوجاع. فبينما يعرب الفريق السيسي مثلاً عن تفاؤله بأن مصر ستصير "قد الدنيا" فإن أوضاع البلاد صارت في بعض المناحي أقرب إلى كوريا الشمالية (التي يُحاسب فيها المواطنون إن لم يصفقوا للقائد بالحماسة اللازمة أو لم يبكوا على رحيله بالحرارة الكافية) من أي بلد آخر. لا أدل على ذلك من أن في مصر – بلد التنوير والعقل وإنتاج الفكر - انبرى البعض مطالباً بمحاكمة دمى وطيوراً مهاجرة بتهمة التجسس، واعتقل طلبة مدارس من فصولهم لحيازتهم أدوات مدرسية عليها شعارات فصيل سياسي معارض، وحُكم بالسجن لأحد عشر عاماً على طالبات قاصرات تظاهرن بالبالونات واللافتات (فيما أفلت السواد الأعظم من قاتلي المتظاهرين السلميين من القصاص)، وشُغل الرأي العام بقضية دور "الكفتة" في علاج مرض الإيدز. أما حديث المسئولين المستمر عن "العرس الديمقراطي" و"الاستقرار" و"هيبة الدولة" المستعادة فهي أقاويل معلقة في السماء بلا وتد، لا سند لها في الواقع، ولا برهان إلا على غيابها.
والواقع أن باكورة عمل السلطة الانتقالية كان وعداً لم يتم الوفاء به. فالبيان الذي ألقاه الفريق عبد الفتاح السيسي في الثالث من يوليو الماضي مدشناً فيه خارطة الطريق تضمن من بين نقاطه العشر "وضع ميثاق شرف إعلامي يكفل حرية الإعلام ويحقق القواعد المهنية والمصداقية والحيدة وإعلاء المصلحة العليا للوطن" بالإضافة إلى "تشكيل لجنة عليا للمصالحة الوطنية". إلا أن هذين الوعدين اللذين التزم بهما جميع من وقفوا على المنبر يومها لم يتم تحقيقهما، ولا حتى الشروع في ذلك، بل صارا نسياً منسياً. ويشبه الأمر كثيراً التزام ثورة يوليو في بيان النقاط الست الشهير بإقامة "حياة ديمقراطية سليمة" الذي أعقبه في السنوات الأولى للثورة انكباب محموم على العصف بالديمقراطية، وإلغاء الأحزاب، وإقامة بنية نظام سياسي سلطوى عاش وأكل على ضفاف النهر وفي واديه لعشرات السنين.     
وفي حين سوغ الفريق السيسي تدخل الجيش على قاعدة أن إزاحة مرسي "أنقذت البلاد من حرب أهلية كانت مقبلة في غضون شهرين"، فإن هذين الشهرين تحديداً شهدا سقوط أكبر عدد من الضحايا المدنيين في يوم واحد في تاريخ مصر المعاصر (يوم فض اعتصامات أنصار مرسي)، فيما بلغ إجمالي عدد القتلى من الأطراف كافة في الأحداث السياسية التي جرت في الفترة من 3 يوليو وحتى 11 نوفمبر فقط أكثر من 2200 قتيل (وفق إحصاء ويكي ثورة)، وزاد عدد المصابين حتى 3 ديسمبر على خمسة عشر ألف مصاب. ومعروف أن "الحرب الأهلية" وفق أغلب التعريفات العلمية هي تلك التي يسقط فيها أكثر من ألف قتيل في صراع سياسي داخلي.
وعلى الجانب الآخر، فإن جماعة الإخوان المسلمين التي تتباكى منذ يوليو الماضي على "الديمقراطية" و"الشرعية الدستورية" لم يُعرف عنها في أدبياتها وسلوكياتها أي ولع خاص بتلك المفاهيم السياسية. فقد كان لمؤسسها الإمام حسن البنا موقف بالغ السلبية من الأحزاب السياسية، ولا يزال موقف الجماعة من الديمقراطية ملتبساً على رغم خوضها غمار الانتخابات النيابية منذ ثمانينات القرن الماضي. كما أن الرئيس محمد مرسي قدم في عامه الكئيب نموذجاً فريداً في مزج الديكتاتورية واحتكار السلطة بالخطاب الديني والمسوح الأخلاقية. أما ادعاء الجماعة "المثالية" الثورية والسعي لتحقيق أهداف الثورة والتصدي لهيمنة العسكر في السياسة فوعود كانوا هم أول من نقضوها إبان تولي المجلس العسكري حكم البلاد، حين أدت مواقفهم "البراجماتية" إلى شقاق مع الثوار، وهجران لميدان الثورة، وانغماس في بحر السياسة وتفاهماته ومواءماته.
أحوال الإخوان المسلمين تنطبق على غيرهم، إذ يعلم المتابعون للسياسة المصرية بعد ثلاث سنوات من الممارسة العملية أن اللافتات والانتماءات الأيديولوجية شيء والممارسة شيء مغاير (أو حتى متناقض)، فالليبراليون صاروا أقرب حلفاء المؤسسة العسكرية، يؤيدون مطالبها في الدستور، ويطالبون قائدها علانية بتولي قيادة البلاد – في ما يشبه الإعلان الرسمي للإفلاس، والتنازل عن الحكم المدني – ولا يحتجون كثيراً على خنق الديمقراطية وانتهاك الحريات. وفلول نظام مبارك وجماعات المصالح المرتبطة به صارت تتشدق الآن بالثورة وأهدافها، وتحتفل بها في ميدانها، وكأنهم صناع الثورة لا أهدافها. وأغلب المثقفين اقترب من السلطة أكثر من اللازم، وانغمس في العمل الإعلامي أكثر مما ينبغي، وانصرف عن الثقافة أكثر مما يحتمل.  
***
ثمة عفن واهتراء شديد في فضاء مصر السياسي، فكل الأطراف مشاركة بكل نشاط في سيمفونية العبث الرديئة، إما بالصناعة، أو التبرير، أو التواطؤ. وإذ تُنسب إلى الكاتب محمد حسنين هيكل عبارة "بحر السياسة جف في مصر"، فإن بحر المنطق جف أيضاً، وبحر الأخلاق صار أرضاً يابسة، إلا من بضع شجيرات تقاوم طوفان التصحر والهلاك. وبينما تجف البحور كافة، يبقى جريان النيل الخالد رمزاً لديمومة الوطن، وشاهداً على تغير أحواله، وباعثاً على الرجاء في مستقبل أفضل.   

د. نايل شامة

* نُشرت هذه المقالة بجريدة الحياة (بتاريخ 2 ابريل 2014).

 

Read on

Saturday, February 22, 2014

Egypt: Forgotten Lessons, Repeated Sins


Contrary to popular belief, Mark Twain never said that “denial ain’t just a river in Egypt”, but the phrase touches on a truth. Denial is not universally scarce, but in Egypt it is both a river and a way of life. This is quite understandable. To cope with tough times, Egyptians have resorted to a plethora of remedies and antidotes, including denial, amnesia and an enormously creative sense of humor. Egypt’s Nobel laureate Naguib Mahfouz, describing the psyche of the nation that clings to the present, hopes for the future and overlooks the past, summed it up well in his masterpiece Children of our Alley: “The lesion of our alley is oblivion.” The nation with the oldest history, ironically, has the shortest memory span.
But if ordinary Egyptians resorted to these psychological defense mechanisms as a means of survival, their rulers did so out of greed. Generalizations are slippery, but they are not always entirely futile. Based on the historical record, it is no exaggeration to argue that, once in power, the minds of modern Egyptian policymakers are afflicted with a lethal combination of denial, amnesia, shortsightedness, ignorance of history, suicidal indulgence in wishful thinking and surrender to the illusions of power — in short, subordination of logic to self-delusion.
Political leaders are, by definition, supposed to learn from the past and plan for the future, but the wisdom of hindsight and the art of foresight have mostly eluded Egyptian politicians. Obviously, if they assume that the past is meaningless and the future is guaranteed, then in the inner sanctum of power they are only left with the indulgences of the present, authority and affluence. Therein lies their present strength, and also their future vulnerability. Two examples from Egypt’s contemporary history tell the melodramatic tale of its rulers — jubilation, amnesia and eventual downfall.

The forgetful clique

Egypt’s ousted president Mohamed Morsi’s moment of glory was delivering a speech in Cairo’s iconic Tahrir Square on June 29, 2012. Morsi celebrated his election victory that day with his zealous followers, sipping the ecstasy of victory and relishing the long-delayed compensation and vindication for the arduous decades he had spent opposing authority among an outlawed, repressed group, the Muslim Brotherhood (MB). Amidst the intense euphoria, little did he or his cohorts expect that the celebration of the nascent freedom would soon be followed by a return to captivity and anguish, or that he himself would precipitate this fate.
In his impassioned speech, Morsi touched on the struggle of past generations that finally came to fruition with the election of Egypt’s first civilian president after decades of dictatorship and plunder. He rambled on about the “tree of freedom” that had been planted by the generations of the 1920s, the 1930s, the 1940s, the 1950s — but he paused when he mentioned the 1960s, and his tongue slipped. “The 1960s, you do not want to know about the 1960s,” he said.
Morsi’s allusion to the 1960s was easy to understand. The MB had experienced its worst ordeal in the prisons of the late Egyptian president Gamal Abdel-Nasser (ruled 1954-1970). The memoirs and testimonies of the Muslim Brothers who were incarcerated at the time are replete with horrific prison tales: torture of Muslims by fellow Muslims, echoing screams from dark cells and guards whose absence of mercy knew no limits. It was in these wretched prisons that Sayyid Qutb (1906-1966), the Islamist theorist and MB leader, was imprisoned and hanged. These distressing stories reverberated through, were engraved on, the Brothers’ psyche, one generation after another.
Morsi took the helm. But it is one thing to seize power, and another to sustain it. His year in power commenced with great expectations. It ended in a fiasco of his own making. Morsi’s faults as president included power grabs that perpetuated authoritarianism; the pursuit of divisive policies that undermined national unity and stability; the deployment of an extremely poor and unpersuasive political discourse; catastrophic administrative inefficiency; and a lame foreign policy. At the psychological level, Morsi and the clique of senior MB leaders failed to bond with the people they strove to rule. They lacked charisma and charm, experimented with governance like toddlers do with toys, and committed blunders day and night. To add insult to injury, the MB seemed to put the interests of the group above the interests of the nation, giving the impression they were a group in itself and a group for itself.
Morsi seemed unaware of the fact that his popularity had dwindled to a dangerous point by the first months of 2013 — or else he didn’t care. He could have defused public anger in many different ways but he opted for inaction, which in times of crisis is tantamount to suicide. Widespread popular indignation culminated in the June 30 mass protests which paved the way for Morsi’s dramatic ouster by the military on July 3. But the state apparatus did not limit itself to conducting early presidential elections as the anti-Morsi protestors demanded. Instead, it embarked on a more comprehensive change that was premised on crushing the MB, tarnishing the 2011 revolution and restoring the clout of the security apparatus— a swift return to the habits of the authoritarian state.
So, in a tragic irony, Morsi, who had recalled the 1960s on his first day in office, confidently pledging that decade’s notorious ways would never re-occur, became the pretext for the return of its ethos to Egyptian politics. The 1960s’ republic of fear has returned, this time more forceful and more ghastly. Since Morsi’s removal there has been an unprecedented use of (excessive) force against protestors, crackdown on dissenters and stifling of freedom of expression. According to Wiki Thawra, an initiative established by the Egyptian Center for Social and Economic Rights to document the victims of Egypt’s political violence, over 21,317 people were detained between June 30 and December 31, including more than 330 minors (1). Worse, 1,400 people have been killed (mostly by the security forces) since July 3 (2).
The wrath of the state reached its zenith on August 14, 2013 with the bloody dispersal of the encampments of Morsi’s supporters in Cairo that left hundreds dead and thousands injured, representing one of the worst days of violence in Egypt’s modern history. By the evening of that day, the camp of Rabaa in east Cairo (which protestors had transformed into an Indian shantytown) had been reduced to what resembled a battlefield in Syria’s bloody civil war. When the clouds of tear gas dissipated, the magnitude of the tragedy appeared. Images captured rows of corpses wrapped in bloodstained white sheets, wrecked and burned cars, and debris eerily scattered all over. For a moment, it seemed as though a scent of death was floating in the air or that crows were flying amidst the black clouds, croaking the story of Egypt’s failed democracy and ending the power dreams of the MB.
Indeed, in a sense, June 29, 2012 and August 14, 2013 in turn represented the climax and anticlimax of the MB’s brief post-revolution power venture. This fate could have been avoided if only Morsi and his aides had realized that history can repeat itself. It takes no political literacy to know that we are what we remember and that we are condemned to repeat what we forget.

The blind state

The modern state in Egypt, established following the 1952 Free Officers coup, was not only ubiquitous, stretching its presence in all directions and domains, it also bestowed on itself an aura of metaphysical prowess. It thought it was invincible, and it wanted others to think the same way. Because prestige reinforces survival, the state, and its squad of representatives, allies, clients and puppets, strove for decades to make Egyptians believe not only that the system was unbreachable, but also that their own wellbeing was conditioned on the survival of the system.
Then came the events of January 28, 2011, shattering this psychological edifice, perhaps for good. The revolution began on January 25, but its most dramatic and decisive day was January 28 — “Friday of Anger”. Following the Friday prayers, peaceful demonstrators marched to Tahrir Square in the millions, while smaller provincial demonstrations targeted local police stations in Cairo and other cities with shouting, rocks and Molotov cocktails. Around 100 police stations were burned or damaged in the span of a few hours. The scenes were surreal, hitherto unthinkable. Egyptians held their breath as they saw police stations—places they had avoided in the past for fear of mistreatment—consumed by fountains of flame and turned into black facades, atop heaps of rubble and overlooking ruined police trucks.
By the evening, there were no police officers on the streets of Cairo, not even traffic officers. It looked as though they had vanished into thin air, or as if they had been swallowed by a black hole. The army and popular committees filled the security vacuum in the neighborhoods. But the Mubarak regime had breathed its last with the collapse of the police, although its official death was only announced through Mubarak’s resignation two weeks later. Mubarak had finally lost his stick, and no carrots could convince protestors to leave Tahrir, the hub of the revolution, and go home.
But forgetfulness, we must not forget, is the plague of our alley, and it is endemic in the state’s upper echelons. Following the downfall of the MB, the police state again used brute force to quell dissent and restore order — the same misguided methods that had led to the eruption of the revolution in 2011. Old habits die hard, foolish habits die harder. The police apparatus quickly forgot that the activists who called for a day of demonstrations against Mubarak in 2011 had deliberately picked January 25 — Police Day in Egypt. Mubarak’s regime deserved to go for many reasons, but a single cause of people’s indignation was the culture of humiliation sponsored by his interior ministry.
It is easier to forget the past than reflect upon it. It is not astonishing that those who are long on muscles but short on brains are so unaware of the lessons of history. After all, Egyptian police officers seem to be more interested in dominating the country than understanding it. But the velocity with which memories of near history are erased — including scenes witnessed with one’s own eyes — is unfathomable. Thomas Jefferson once said “power is not alluring to pure minds.” Otherwise it can become recklessly blind and deaf, forgetting that plummeting from the summits of political might can happen in the blink of an eye.
The wide-scale repression has already backfired; it is terrorism’s most effective catalyst and raison d’être. The Rabaa massacre and the state repression that preceded and followed it played into the hands of jihadist fighters, who are waging an insurgency in Sinai and slowly creeping into Cairo and the Delta region. It has also alienated the revolutionary youth, who feel that their revolution has been stolen, that their struggle has gone in vain. Let there be no doubt, they will soon rebel again. And although another January 28 is not imminent, it is inevitable if the state continues to act in a way that is out of touch with history and out of touch with morality.
Egypt’s lamentable modern history has followed a circular rather than linear pattern. A single step forward was followed by ten steps back and countless massive defeats were punctuated by meager gains. But the future will come one day. In preparation for it, Egyptians must not forget the lessons and must not forgive the sinners.

Nael M. Shama

(1) Sarah Carr and Leyla Doss, “Too Many to Count,” Mada Masr, 31 January 2014.

(2) Amnesty International, “Egypt Three Years on, Wide-Scale Repression Continues Unabated,” 23 January 2014.

* This article appeared first on the website of Le Monde Diplomatique (English) on February 20, 2014.

Read on

Tuesday, December 17, 2013

Cairo and Moscow: Limits of Alliance


Egyptian-Russian relations have recently been marked by a substantial increase in diplomatic activity amid a media frenzy over a potential arms deal. These developments have given rise to suggestions that Egypt's foreign policy is shifting away from the United States and toward Russia—a major realignment given Egypt's extensive political and military ties with the United States since the 1970s.
The flurry of Egyptian-Russian diplomatic activity in the past months has indeed been remarkable. The visit of Egypt's foreign minister Nabil Fahmy to Moscow in September was followed in October by an unusual visit to Cairo by the Russian intelligence chief, Viackeslav Kondraskou. In November, an Egyptian popular diplomacy delegation that included former diplomats, former MPs, public figures, journalists, and artists visited Moscow to "express appreciation" for Russia's support of the "June 30 revolution,"[1] a Russian warship docked at the port of Alexandria for the first time since 1992, and a high-level Russian delegation including Foreign Minister Sergey Lavrov and Defense Minister Sergei Shoigu visited Cairo to hold talks with their Egyptian counterparts.
The timing and pace of the expansion of bilateral ties with Moscow has been primarily seen against the backdrop of Cairo's relations with the United States, its key strategic ally and military donor. These relations have been bedeviled since the removal of President Mohamed Morsi last July. Although the United States has acknowledged the status quo in Egypt and avoided labeling the regime change as a "coup," it has undertaken a number of punitive measures that produced a chasm between it and Egypt's interim government and defense establishment. Troubled by the bloody crackdown on Morsi's supporters in August, the Obama administration called off the biannual joint U.S.-Egypt military exercise "Bright Star" and halted the delivery of military hardware to Egypt, including F-16 fighter jets, Apache helicopters, Harpoon missiles, and tank parts.
The Egyptian rapprochement with Moscow seems to reflect an Egyptian interest in creating balance in its foreign relations by diversifying its alliances and minimizing its heavy reliance on Washington. It is also driven by the rising Russian influence in Middle East politics, particularly in the Syrian conflict, and by a shared Russian-Egyptian interest in combating militant Islamic groups. However, there are a number of reasons why it is highly unlikely that Egypt's leadership aims to substitute Washington with Moscow as its chief international patron.
First, the Cold War's bipolar structure, which allowed developing countries to play superpowers against each other in order to extract political and economic concessions from both, collapsed more than 20 years ago. Russia today is neither capable of supporting Egypt as generously and defiantly as the Soviet Union did in the 1950s and 1960s nor is Egypt as strategically significant to Moscow as it was at the height of U.S.-Soviet rivalry. Egypt's leaders certainly realize the constraints imposed by the U.S.-dominated global configuration of power and have repeatedly emphasized that their interest in developing closer ties with Moscow does not come at the expense of their strategic alliance with the United States. Asked by the daily Kuwaiti Al-Siyasa about whether Egypt intends to introduce changes to its alliance with the United States and the European Union, General Abdul-Fattah el-Sisi, the Commander-in-Chief of the Egyptian Armed Forces, said that "Egypt's morals" and political "prudence" do not sanction such maneuvers.[2]
Second, the deep, cumulative effect of more than three decades of close Egyptian-American cooperation, particularly on the military and security fronts, makes such closeness unlikely to fundamentally diminish. Military cooperation between the two countries has developed over the years into a multifaceted program that includes, from the United States, a generous $1.3 billion annual aid package, substantial armaments supplies, training of Egypt's military personnel in the United States, and transfer of technology. Egypt provides the United States with a guarantee of secure naval passage through the Suez Canal, the provision of military facilities, and limited access to Egyptian airfields. The two countries also coproduce weaponry and conduct joint military exercises. Any attempt to dismantle this edifice would be financially costly to the Egyptian military and practically difficult.
The working relationship between Egypt's array of security agencies and their American counterparts is likewise solid and deep-rooted. Joint cooperation in the fight against terrorism intensified after 9/11 and has continued unabated. In a recent interview with the Washington Post, the director of Egypt's General Intelligence Service, Mohamed Farid el-Tohamy, said that he is "in direct contact with [Director] John Brennan at the CIA and the local station chief, more than with any service worldwide."[3] Information sharing with U.S. intelligence agencies is expected to increase in light of the intensification of Egypt's war against militant insurgents in Sinai.
Third, diplomatic relations between any two states are bolstered when the political elites of both countries are tied by like-mindedness and congruence of opinion. One reason behind Egypt's sudden turn to the West in the 1970s was the personal disposition of its leader, Anwar Sadat, who disliked the Soviets, describing them once as a “crude and tasteless people."[4] In contrast, the harmonious friendship American politicians (particularly President Jimmy Carter) developed with Sadat played a substantial role in facilitating the conclusion of the Camp David Accords in 1978.
Despite strong disagreement between Egyptian and American officials over the events accompanying and following the removal of Morsi, there is nonetheless a deep attachment to, and even admiration for, the values and ethos of the West among the majority of Egypt's top brass. None of them witnessed the golden age of Egyptian-Soviet relations, which was forged in the mid-1950s and lasted until the mid-1970s. El-Sisi was only 18 when Sadat, in 1972, expelled the Soviet military advisors who had been stationed in Egypt since the country’s disastrous defeat by Israel in 1967, effectively ending what had represented the zenith of Egyptian-Soviet military cooperation. Egypt's senior military officers thus have no special affection for Russia or its military doctrines. The majority of them, including el-Sisi, received training in the United States and/or have participated in joint military exercises with the United States.
Fourth, major foreign policy realignments generally follow major domestic political changes, such as profound revolution, key changes in leadership, or the restructuring of socioeconomic policies. The change of regime in Egypt this past summer did not establish a new state with new institutions, doctrines, and aspirations, but rather brought back the old state, reviving its security apparatus and reinforcing its deep-rooted patterns of alliances. The massive crackdown on protestors, the return of Mubarak loyalists to positions of prominence, and the restoration of the alliance between the security apparatus, the bureaucracy, and the business community attest to the return of much of the pre-2011 state. And, as Egypt's foreign policy did not witness much change under the rule of the transitional SCAF government and then under Morsi, it is unrealistic to expect a revolutionary change in that policy today.
It can be argued that Egypt's flirtation with Russia does not mean a shift in the country's foreign policy away from the United States as much as an attempt to induce the United States to shift its Egypt policy back to where it was before. In fact, Mubarak often employed this tactic of getting closer to competitors or enemies of the United States, such as Iran, in order to pressure the United States and to arouse concern among American politicians about the prospect of losing Egypt, encouraging them to amend unfavorable policies.
Whether one looks at Egypt's relations with Russia and the United States from a geostrategic standpoint, the perspective of political elites, or the angle of domestic political structure, the conclusion reached is the same: Egypt seeks closer ties with Russia, but it remains allied to the United States, the current crisis in bilateral relations notwithstanding. Egypt's relationship with Washington has indeed bent many times over the past decades, but it has never broken. A massive change in Egypt's foreign policy behavior will only occur if a massive change takes place in the underlying determinants of that behavior.

Nael Shama
* This article appeared first on the website of the Middle East Institute on December 16, 2013.  

[1] Joel Gulhane, "Popular Delegation Travels to Russia to Express Appreciation," Daily News Egypt, 7 November 2013, http://www.dailynewsegypt.com/2013/11/07/popular-delegation-travels-to-russia-to-express-appreciation/.
[2] "El-Sisi to the Kuwaiti Al-Siyasa: Those Who Realize the Magnitude of Egypt's Problems Will Not Enter the Presidential Race," Al-Araby, 21 November 2013, http://www.alarabynews.com/?p=126642.
[3] David Ignatius, "The Future of Egypt's Intelligence Service," The Washington Post, 11 November 2013, http://www.washingtonpost.com/blogs/post-partisan/wp/2013/11/11/the-future-of-egypts-intelligence-service/.
[4] Ali E. Hillal Dessouki, "The Primacy of Economics: The Foreign Policy of Egypt," The Foreign Policies of Arab States: The Challenge of Change, Bahgat Korany and Ali Hillal Dessouki, eds. (Boulder, CO: Westview Press, 1991), 166.

Read on

Wednesday, November 20, 2013

مصر: نكوص إلى الرابع والعشرون من يناير أم الثالث من سبتمبر؟


تكاد كل مسارات اللحظة الراهنة في مصر أن تعود بالذاكرة إلى الوراء، ولا تدفع بالآمال إلى الأمام، موحية بأن ما هو كائن مر من هنا قبلاً، وأن جدراناً سميكة وأسواراً شاهقة تحول بين الوطن وبين الطموحات العظام التي أفرزتها ثورة يناير. فتوالي الإجراءات الاستثنائية التي اتخذتها سلطة النظام الجديد في مصر عقب عزل مرسي، وارتفاع فاتورة الدم، وتغول المنطق الأمني على السياسي، أعاد إلى الأذهان أيام حسني مبارك وممارسات نظامه البغيضة، دافعاً مناصري الثورة لتشبيه اليوم بالبارحة، والبكاء على بشائر التغيير التي ذهبت سريعاً أدراج الرياح، وعلى الثورة التي تبدو اليوم وكأنها لم تقم. ولذلك ذهب كثير منهم لتشبيه اليوم بالرابع والعشرين من يناير من عام 2011م، اليوم السابق لاندلاع الثورة ضد مبارك. فيما يدفع الصراع المحتدم بين الدولة وجماعة الإخوان المسلمين آخرين لاسترجاع ذكريات صدام العام 1954م، حين استأثر جمال عبد الناصر بالسلطة، وأطاح بالإخوان خلف غياهب السجون، مدشناً ما يعرف في أدبياتهم "بالمحنة الثانية".
والواقع أن اللحظة الراهنة لا تمثل على مستوى المضمون أو التطور التاريخي ارتداداً إلى العام 2011م أو العام 1954م بقدر ما تتشابه مع لحظة الثالث من سبتمبر لعام 1981م، التي أصدر فيها أنور السادات أوامره باعتقال زهاء ألفٍ وخمسمئة من رموز السياسة والفكر في مصر، ارتأى أن معارضتهم لسياساته تعرض الأمن القومي للخطر، وتقوض جهوده من أجل استعادة الأرض المحتلة.
تشابه اللقطات يستدعي العودة إلى تفاصيل السياقات. كان السادات قد أبلى بلاء حسناً في معركتي الحرب (1973) والسلام (1977-1979) مع إسرائيل، ما أسبغ عليه شرعية معتبرة مكنته من إعادة هيكلة منظومة السياسة والاقتصاد في مصر في سنوات معدودة. حظي السادات ("بطل الحرب والسلام" كما لقبته وسائل الإعلام وقتها) بما يشبه "التفويض" الشعبي لاتخاذ ما يلزم لإنعاش الاقتصاد المترنح، ولإصلاح العطب الذي أصاب النظام السياسي وأفضى إلى هزيمة يونيو المريرة (وهو تفويض يشبه ذلك الذي حصل عليه مؤخراً الفريق السيسي بعد دوره في إنهاء حكم الإخوان). وقد أدرك السادات بعد حرب أكتوبر أن الطريقة القديمة في الحكم لم تعد تصلح، خاصة بعد التضحيات الهائلة التي بذلها الشعب في سنوات العبور من الهزيمة إلى النصر، وأن انفتاحاً جزئياً في بنية النظام السياسي المهتريء قد صار ضرورة أملته الظروف.    
وعد السادات في أعقاب حرب أكتوبر بالتغيير الديمقراطي، وتحدث ملياً عن الحريات، وعن ضرورة اجتثاث "مراكز القوى" التي أفسدت السياسة في عهد سلفه، وظهر أمام الكاميرات وهو يهدم بالمعول حيطان أحد المعتقلات، ويحرق شرائط التسجيلات السرية، وذلك إيذاناً بانتهاء ما سمي وقتها "دولة المخابرات" وولادة عصر جديد لا يشبه سابقه. وشهدت السبعينات بالفعل انفتاحاً نسبياً مقارنة بالانغلاق السياسي الذي ساد في الستينات، ومثلت الجامعات المعقل الرئيسي لذلك الحراك، إذ ماجت ساحاتها وقاعاتها بصراعات وتجاذبات تيارات فكرية وسياسية شتى.
لكن السادات سرعان ما ضاق ذرعاً بالديمقراطية الوليدة، ولم يطق دفع الكلفة المتصاعدة للحرية الناشئة، ومن ثم بدأ في النكوص عما بشر به سابقاً، حتى أنه اعترف علناً بأن لديمقراطيته "مخالب وأنياباً". ثم وصل حنقه على معارضيه إلى ذروته يوم الثالث من سبتمبر لعام 1981م حين أودي بهم في المعتقلات في ساعات معدودة، محذراً إياهم في خطاب الخامس من سبتمبر الشهير بأنه "لن يرحم". كان ذلك هو "خريف الغضب" كما وصفه محمد حسنين هيكل، الذي شهد محاولات الدولة لاستعادة الزمام، وتأميم الانفتاح الجزئي الذي شهدته السنوات السابقة، ومن ثم العودة الحثيثة إلى آليات ومنطق وعادات الدولة السلطوية.  
واليوم نشهد الفصل الأخير من نفس الدورة التاريخية المعتادة. فبعد أن هدمت ودحضت ثورة يناير كثيراً من المفاهيم والسلوكيات القديمة، أتاحت الإطاحة بمرسي للدولة فرصة إعادة إنتاج نفسها من جديد. ويبدو على المستوى النفسي وكأن أجهزة الدولة (وخصوصاً الأمنية) ترى أن الفترة من خلع مبارك حتى خلع مرسي ما كانت سوى هدنة مؤقتة، أو استراحة محارب، اضطرت خلالها لإخلاء مواقعها تكتيكياً لتفادي عاصفة الثورة، بانتظار موعد العودة الاستراتيجية الكبرى.  
تكرر ذلك النمط في مصر عدة مرات منذ عام 1952م. فعقب كل تنازل فرضته ظروف داخلية أو ضغوط خارجية، تعيد الدولة تنظيم صفوفها، وترتيب أوضاعها، بانتظار موعد إعادة الحياة لشرايينها المتصلبة، ولحظة الوثوب على مخالفيها. فبعد هزيمة 1967م أصدر النظام سريعاً بيان 30 مارس 1968م الذي وعد بالتغيير (وإن تأجلت ثماره بسبب ظروف المعركة مع إسرائيل)، ثم تم الانفتاح في السبعينات بعد أن وضعت الحرب أوزارها، ومرة أخرى عقب ثورة يناير كما سبق ذكره. لكن تلك كانت مجرد إشارات نهايات مراحل، لا أمارات أفول نظام، فكل خطوة باتجاه الإصلاح تبعتها خطوات القهقري باتجاه وأد الحرية وتطبيع القمع ومأسسة السلطوية من جديد. لذلك يمكن مقارنة الثالث من سبتمبر لعام 1981م بالرابع عشر من أغسطس لعام 2013م (يوم أزهقت مئات الأرواح أثناء فض اعتصامات مؤيدي مرسي في القاهرة). كلاهما يمثل ذروة الارتداد عن الديمقراطية، وأوج الانقضاض على المعارضة، ومنتهى العصف بالحريات وحقوق الإنسان.              
تخبرنا تجارب التاريخ أن بعض أقسى النظم السلطوية ولد من رحم تجارب ديمقراطية وليدة، فالنازية في ألمانيا والفاشية في إيطاليا نشأت على أنقاض نظم سياسية قوامها التعددية الحزبية والانتخابات الحرة، وكذلك كان صعود حزب البعث في كل من سوريا والعراق في خمسينات القرن المنصرم وستيناته. واليوم يطل شبح المصير ذاته في مصر. فحين تستدعي معطيات الحاضر صور الماضي بأكثر من أحلام وتطلعات المستقبل، فثمة خلل ينبغي تقويمه، وطريقة حكم يجب تغييرها، وعقيدة راسخة يلزم قصها من الجذور. لكن الأهم – والأكثر مدعاة للتفاؤل – أن لا شيء حتمي، فمازال التغيير ممكناً طالما بقي شعب يفكر ويعي ويثور.    

د. نايل شامة

* نُشرت هذه المقالة بجريدة الحياة (بتاريخ 20 نوفمبر 2013).

Read on

Monday, October 28, 2013

أبناء الدولة وأيتام المجتمع


حرص وزير التعليم ومحافظ الجيزة ومدير الأمن بالمحافظة في أول يوم دراسي على اصطحاب نجلي اللواء نبيل فراج الذي استشهد في العملية الأمنية الموسعة التي جرت مؤخراً في كرداسة من منزلهما إلى مدرستهما، وقاموا بمرافقتهما حتى باب فصلهما، وذلك "للاطمئنان عليهما" بحسب وصف جريدة الأهرام. وأثناء الزيارة بكى الوزير من فرط التأثر على والد الطفلين، شهيد الوطن الذي سقط في معركة الدولة ضد الإرهاب. بالتوازي مع ذلك، سقط مئات المصريين في الصراع السياسي الدائرة رحاه منذ منتصف أغسطس الماضي، لم يستمع ذووهم إلى كلمة مواساة أو عزاء واحدة.   
تحظى الدولة المصرية التي أنشأها محمد علي وعمقها جمال عبد الناصر بطبيعة أخطبوطية وميتافيزيقية في آن، ففضلاً عن أن مؤسسات الدولة ومظاهرها موجودة في كل مكان، فإن حضورها النفسي بالغ التأثير. إذ تحيط بالدولة هالة من الاحترام والتقديس، تمتد بالتبعية إلى قادتها وموظفيها وممثليها. وفي اللغة الدارجة يشار إلى الدولة ومسئوليها باعتبارهم "الحكومة"، سواء كانت الإشارة إلى رجال الشرطة أو مهندسي الري أو موظفي الأجهزة المحلية أو حتى عمدة أي قرية وخفرائها.  
وتاريخياً مزجت نظرة غالبية المصريين للدولة بين الخوف والخضوع والنقمة والإعجاب المستتر (فيما يشبه متلازمة ستوكهولم الشهيرة). وطغي لعقود طويلة شعور بأن الدولة هي الراعي (أو هي الأم والأب كما يتندرون)، وبأن غضبها لا سبيل لمقاومته، ولذا فمن الأفضل تجنبه أو السير في ركابه. وقد ذكر قاسم أمين أن المصريون يهابون السلطات أكثر مما يهابون المرض، كما عبر جمال الدين الأفغاني عن دهشته من الفلاح المصري الذي يشق الأرض بفأسه باحثأً عن رزقه, لكنه لا يشق به صدور ظالميه. وتحرص الدولة بدورها على تغذية هذا الشعور الراسخ بالمهابة، والتأكيد على أنه بدون الدولة سقط الوطن ذاته، وبدون الحماية والرعاية، صار المواطنون عرايا في مهب الريح.
سادت هيمنة الدولة الفعلية والنفسية حتى سقط كلاهما أو كاد في لحظة يناير الفارقة في 2011. أجبر المتظاهرون الآلة الأمنية الباطشة على الانسحاب بعد أربعة أيام فقط من المواجهات، ثم أسقطوا رئيس الدولة العنيد المتشبث بكرسيه بعدها بأسبوعين. سقط حاجز الخوف العتيد، وصارت الهيبة القديمة هباء منثوراً، وبدا لوهلة أن البلاد بصدد تغيير جذري في دينامية علاقة الدولة بالمجتمع، يزول بمقتضاه ذلك الخضوع لإرادة الدولة، ويبشر ببزوغ قوى مجتمعية طال تعرضها للإقصاء والتهميش.
لكن ذلك الوعد ذهب سريعاً أدراج الرياح. فحتى في ذروة توهج يناير فرضت الدولة وجودها، إذ عجز الثوار عن تقديم بديل لمبارك، وارتضوا بتولي المجلس الأعلى للقوات المسلحة مقاليد الحكم. ثم فشل مرسي في عامه الكئيب في ترويض مؤسسات الدولة، التي بدت وكأنها تتمنى فشل مشروعه، ولذا جاءت مشاركتها في 30 يونيو أمراً طبيعياً. وبعد سقوط الإخوان، عادت الدولة سيرتها الأولى، تعيد بعث الروح في هيبتها، وتصمم نظاماً ديمقراطياً على مقاسها (ديمقراطية لها أنياب كما قال السادات يوماً)، وتفرض التغيير من أعلى فيما تكبحه من أسفل، ثم تستخدم القبضة الأمنية والآلة الإعلامية لتأديب مخالفيها.
ويلاحظ أن هناك تشابهاً كبيراً في أفكار ومعتقدات الفئات الاجتماعية المنضوية تحت لواء الدولة، إذ يتعاطفون مع الدولة، ويبررون تجاوزاتها، ويلعنون ثورة يناير وثوارها، ويسمونها بالنكسة تارة وبالمؤامرة تارة أخرى، فيما يعتبرون أن 30 يونيو هي الثورة الحق التي أعادت الأمور إلى نصابها الصحيح.        
ومع عودة الدولة، ستظل الفئات المكونة للقاعدة الاجتماعية للدولة تحظى بالدعم والمحاباة. فالمؤسسة القضائية ستحافظ فيما يبدو على مكتسباتها في الدستور الجديد (خاصة وقد تبوأ أحد أبنائها موقع رئيس الجمهورية)، والمؤسسة العسكرية التي ساهمت في إقصاء رئيسين للجمهورية في أقل من ثلاث سنوات صارت اللاعب الأهم في مضمار السياسة المصرية، بل والعمود الأهم في هيكلها المقدس. وأغلب الظن أنه لن يجرؤ أحد على الاقتراب من امتيازاتها، ولا حتى رئيس الجمهورية القادم. وأجهزة الأمن الداخلي استعادت نفوذها، ولم تعد تشعر بالحرج من إعلان ذلك، حتى أن وزير الداخلية صرح في مؤتمر صحفي بأن قطاعات مراقبة النشاط الديني والسياسي في جهاز الأمن الوطني التي توقفت إبان ثورة يناير قد عادت مجدداً للعمل.   
ورئيس الجمهورية الجديد سيأتي غالباً من صفوف المعسكر الدائر في فلك الدولة وشبكات المصالح المرنبطة بها. وحتى إن امتنع الفريق السيسي عن الترشح، فهناك قائمة من العسكريين السابقين أعلنت جهوزيتها لخوض السباق، وستنال على الأرجح دعم مؤسسات الدولة الظاهر، أو على الأقل رضاها المستتر. يمكن في هذا السياق فهم تصريح ياسر برهامي نائب رئيس الدعوة السلفية حين عبر عن اقتناعه بأن المرشح الرئاسي "يجب أن يحظى بقبول مؤسسات الدولة".  
هؤلاء هم أبناء الدولة، بهم تستمر رغم الإخفاقات، وعليهم تعتمد في الأزمات، وبجهودهم تعود بعد النكسات. أما أيتام المجتمع الذين لا ظهير لهم بين جنبات الدولة فهم خارج المعادلة، إما مهمشون وإما مضطهدون. فالحقوقيون مثلاً ينظر إليهم بشك وارتياب، خاصة أن جوهر عملهم هو كشف تجاوزات الدولة. والإعلاميون المستقلون المغردون خارج سرب الدولة (أحمد أبو دراع نموذجاً) فليس لهم مكان تحت سمائها. كذلك حال الفلاحين والعمال رغم تدهور أحوالهم، واتساع كتلتهم العددية نسبة إلى حجم السكان. أما قضية شهداء يناير والقصاص من قاتليهم فقد كادت أن تكون نسياً منسياً، خاصة مع الحط الممنهج لقيمة الثورة التي سقطوا من أجلها.
للشعارات السياسية دوماً ظل من الواقع. ولئن عبر شعار "الشعب يريد إسقاط النظام" عن روح ثورة يناير الحالمة بالتغيير، فإن أغنية "تسلم الأيادي" الي تبثها الشاشات، ويغنيها طلاب كثير من المدارس في الصباح بديلاً للنشيد الوطني، هي عنوان المرحلة الحالية وشعارها. الثانية نقيض الأولى، فالأيادي التي تسلم هي أيادى الدولة، وبمعنى ما، فإن الأغنية ضمنياً تقول: فلتنقطع الأيادي التي تعادي الدولة، وتتصور أنها قادرة على إزاحتها. وما بين صرخة يناير وأغنية يونيو تكمن قصة الثورة المصرية، انتصاراتها وعثراتها ومآلاتها.    


د. نايل شامة 

* نُشرت هذه المقالة بجريدة الشروق (بتاريخ 19 أكتوبر 2013).

 

Read on

Friday, October 25, 2013

No space for a middle place


Egypt’s current political crisis is defined by the struggle between the military and the Muslim Brotherhood. The polarization that has torn the country apart since Hosni Mubarak’s fall in 2011 reached its zenith after the dismissal of Mohamed Morsi in July, and now almost all of Egypt’s political forces side with one or other. On the 14th of August, security forces dispersed sit-ins organized by the Brotherhood in Cairo, with the worst level of urban violence since the 2011 revolution.
Only a minority of Egyptians are reluctant to ally with either side, the genuine liberals recently important for their advocacy of equality, civil rights and respect for human rights: politicians such as Mohammed El Baradei, academics like political scientist and human rights activist Amr Hamzawy, and members of such youth movements as the April 6, and of human rights organizations, have tried to make a difference, asserting their presence in public space. They have in turn vehemently opposed the regimes of Mubarak, the administration controlled by the army, the Supreme Council of the Armed Forces, the Morsi administration and the current government. Each minor success has quickly turned into a major defeat. Mubarak was removed, but Mubarakism survived; Morsi was democratically elected, then ousted. One step forward, two steps back.
Liberalism is premised on a rejection of theocracy and autocracy, but in Egypt that premise has been distorted, and diluted by nationalist, populist, leftist and religious sentiments. It remains an alien ideology rooted in western political philosophy, and has failed to permeate Egypt’s largely religious society. The efforts of liberal thinkers in the first half of the 20th century, such as Taha Hussein, Ahmed Lutfi al-Sayyid and Salama Moussa, were mostly confined to intellectuals and their insulated theoretical debates. Moreover, the relationship between contemporary liberal parties and the principles they claim to stand for is tenuous. Liberal politicians, in their attempts to accommodate the rise of Islamic fundamentalism, mitigated the founding tenets of liberal philosophy. They refuse to be labeled “secular” (a term Islamists equate with lack of faith), preferring instead the more ambiguous “civil”, and are defensive, wanting to convince skeptics that liberalism is not antithetical to Islam. (All liberal parties oppose the removal from the constitution of article 2, which stipulates that Islam “is the main source of legislation.”)
Only a few who claim to be liberal have refused to succumb to social pressures and political necessities. They reject religious and military fascism in the same breath and to the same degree. They are now as outraged at self-proclaimed liberal political parties, such as Al-Wafd, the Free Egyptians Party and the Egyptian Social Democratic Party, which claim to speak for liberties and human rights, as they are at the military and the Brotherhood. These parties participated in the huge anti-Morsi protests and then fully backed the roadmap proposed by the military. Their hostility to the Brotherhood and Morsi made them turn a blind eye to the worsening transgressions of the security forces since Morsi’s removal from power.
Their stance is easy to understand, but difficult to justify. The Islamists’ use of religion as an instrument to outbid political rivals deepened the concerns of liberal politicians about the perilous mix of Islam and politics. They see military rule as a lesser evil. At least, it is secular in nature and committed to some form of political pluralism. More importantly, secular parties have lost every electoral contest against Islamists since Mubarak’s overthrow in 2011, so the exclusion of Islamists (particularly the Brotherhood) removes a superior competitor. The secular parties’ support of the military’s moves seems to be driven by self-interest, not defiance against the potential threat of theocracy, or perhaps a mixture of both motivations. Islamist movements are all illiberal in varying degrees but they are big fans of elections, their fastest means to power. It is from this distinction that the common phrase depicting Egypt's post-Mubarak political struggle as one between “liberal undemocrats and illiberal democrats” derives its validity.
Genuine liberals are unable to sympathize with the military, the Islamists or the ostensibly liberal parties who use the military in their existential battle against the Islamists. They are also dismayed by the liberal politicians, journalists and activists who have turned into apologists for the security forces, defending their plans, justifying their offences and, when cornered, refusing to discuss the issue altogether. When I asked Nadia Abou al-Magd, a journalist critical of the coup, about Egyptian liberals who support the military, she retorted: “Liberals? You mean fascists.” She thinks political labels and classifications lose their meaning in the Egyptian context: “I keep asking myself: what is liberalism? What is humanity? What is a nation?”
These liberals face today an extremely unfavorable social environment. The prevailing political culture is exclusionist par excellence. Media smear campaigns, reminiscent of the 1930s fascist propaganda, are ubiquitous. Quiet, objective debates are rare, overshadowed by calls for vengeance and annihilation; tolerance is scarce, and attempts at moderation dismissed. Those few voices that call for conciliation are accused at best of naivety, at worst of treason. As journalist Rania al-Malky put it: “If you’re against the coup, you’re unpatriotic; if you criticize the police for the unnecessary use of lethal force, you’re a terrorist sleeper cell; if you question the official line on who killed who [and] when, why and how, and demand evidence…you’re blinded by bias, unfit to be Egyptian.”
Nobel laureate Mohammed El Baradei resigned as vice president when the Muslim Brotherhood sit-ins in Cairo were dispersed. He said in his resignation letter: “It has become hard for me to keep bearing responsibility for decisions that I did not approve of and warned against their consequences.” He was the only voice of restraint in a government led by hawks, longing for a confrontation. After his resignation, his detractors accused him of absurd offences: he had fled the life-or-death battle against terrorism, he was a Muslim Brother in disguise, or an accomplice in a grand US-engineered scheme to partition Egypt.
The current political order is backed by power but marred by illegitimacy. The lethal use of force against demonstrators, the mass arrests of Muslim Brothers, the shutting down of Islamic satellite channels and the re-enactment of the emergency law are reminiscent of Mubarak’s days. These extra-legal measures and the fragile political track endorsed by the post-Morsi regime can hardly be defended in the name of democracy. The military replaced an elected president, Shura Council (upper house) and a popularly approved constitution by an appointed president and government and a constituent assembly with barely any Islamists.
The public mood is, unfortunately, not conducive to the restoration of the constitutional path and fair application of the law. Sara Labib, a liberal writer, says: “Amid the revolutionary fervor that followed Mubarak’s overthrow... all parties have trampled on the law. But you can’t have revolution and law at the same time.” The continuous questioning of the integrity of legal processes and the defamation of judges has produced a crisis of confidence in the legal system and in the validity of the law. So, overwhelmed by an overdose of hate rhetoric, most Egyptians close their eyes to human rights violations, clinging to pretexts such as “they’re necessary to fight terrorism” and “they’re only temporary measures,” or even claiming the Islamists “deserve it.”
Liberalism cannot grow in a barren terrain, devoid of respect for human rights, the law and democratic values. Former Egyptian President Gamal Abdel-Nasser's attempt to apply socialism from above failed in the 1960s. There were no true socialists, only subordinate state officials and sycophant bureaucrats. Today, many parties and public figures raise the banners of liberalism, use its jargon and preach its values, but only a few can be dubbed genuine liberals. Liberalism from below will only flourish when it is cultivated in the psyche of the nation, and when Egyptians renounce the “military-Muslim Brotherhood” dichotomy and replace it with the “freedom or tyranny” classification.

Nael M. Shama

* This article appeared first in Le Monde Diplomatique (English) on September 1, 2013.

 

Read on

Monday, September 23, 2013

الوطنية الجديدة في مصر


ما كاد الصراع السياسي في مصر يصل إلى ذروته بعزل الرئيس السابق محمد مرسي وفض اعتصامات مؤيديه حتى سادت في البلاد ملامح نسق فكري جديد، لا يرقى لمرتبة الأيديولوجية، لكن دعائمه الفكرية والنفسية المختلفة ليست جزراً منفصلة بمكن غض الطرف عن أهميتها وتداعياتها.

هذا النسق من التفكير والسلوك (الذي تدعمه توجهات النظام الجديد ويجد أرضية واسعة في الشارع والإعلام ومؤسسات الدولة) يتبنى خطاباً وطنياً شعبوياً زاعقاً، تتكاثر فيه الإشارات إلى الأمن ويقل الحديث عن السياسة، ويتغلب فيه منطق الصراع وحتمية المعادلات الصفرية على إمكانيات التعاون والإدماج، كما أنه يميل إلى استبعاد المخالفين، واصطناع الأعداء في الداخل والخارج. ويركز النسق الجديد على دور الدولة لا المجتمع، إذ يحتفي بجهود الأجهزة الأمنية (وخصوصاً المؤسسة العسكرية) في حماية الوطن من التهديدات، وينقب عن الزعامات المحتملة في صفوف العسكريين دافعاً إياها إلى صفوف القيادة. لكن رياح "الوطنية الجديدة" في مصر تنذر بعواصف وتقلبات عدة ينبغي التحوط من تداعياتها.  

فأولاً، تحيط الغيوم بماهية غايات ذلك النسق، وما إذا كانت أدواته تصب في خدمة أهداف (وطنية) عليا، أم في خدمة مصالح "نخبة حاكمة" تدافع عن مكتسباتها الخاصة. فالخطاب الحالي يمثل في جوهره آلية للانتصار في معركة سياسية آنية أكثر منه خطة واضحة المعالم لإدارة البلاد أو التخطيط للمستقبل. ومن أجل حسم الانتصار في تلك المعركة المصيرية، تستخدم المشاعر الوطنية الجياشة كوقود لماكينة سياسية وإعلامية تشرعن بلا هوادة إقصاء الآخر المنافس، تحت دعاوى التخوين والعمالة. فمثلاً شيوع تعبير "هم ليسوا مصريين" في وسائل الإعلام للإشارة إلى الإسلاميين هو المقابل الموضوعي لخطاب التكفير الذي ارتفعت وتيرته على منصة رابعة العدوية عقب عزل مرسي. كلاهما خطاب يشيطن الآخر، وينزع عنه أهلية الرأي، ومشروعية المشاركة في صوغ مستقبل البلاد، وبالتالي يوفر المبرر الأخلاقي للإقصاء على أقل تقدير، أو حتى يسوغ توظيف العنف في الصراع السياسي.

وتتماهي وسائل الإعلام الرسمية والخاصة، ومعظمها يمينى الهوى، مع توجهات وأفكار تعيد إلى الأذهان  في شكل ما البروباجاندا الفاشية التي ازدهرت في ألمانيا وإيطاليا في الثلاثينيات من القرن الماضي، من حيث تعبيرها عن الرأي الواحد، وعدم اتساعها للتيارات الفكرية والسياسية كافة التي يموج بها المجتمع، وترويجها لسيل من قصص المؤامرات والخطط السرية التي تؤكد أنها تحاك لمصر، ومن حيث ادعائها أيضاً، الظاهر أو المستتر، احتكار الحقيقة، اضافة إلى احتفائها بعسكرة الوطنية المصرية.

والمفارقة هنا أن ذلك الإقصاء الذي يتم باسم الوطنية وتحت رايتها ونشيدها يقوض أسس الوطنية الحقة التي يبشر بها، والتي تؤمن بداهة بأن جميع المواطنين سواء في وطن واحد يحتضن الجميع، ويرحب بمشاركتهم في العمل والبناء. وهو لذلك نموذج مشوه للوطنية يفرق ولا يجمع، يكرس الشقاق ولا يخدم الوفاق.

ويلاحظ أن هذا النمط من الوطنية هش وسريع الزوال، فالمشاعر المهتاجة لا تلبث أن تهدأ، واحتياجات المواطنين الأساسية لا يمكن تلبيتها لوقت طويل بالأغاني الوطنية والخطب الرنانة وأحاديث المؤامرات الخارجية. فالوطنية الجديدة التي تعتمد على تعبيرات هائمة عن الأمن القومي وتروج لمعركة ضد الإرهاب غير معروفة الحدود تختلف عن الوطنية المصرية التي نشأت لمناهضة الاحتلال البريطاني في النصف الأول من القرن العشرين، أو عن تلك التي ازدهرت أيام جمال عبد الناصر، الذي قدم مشروعاً قومياً جامعاً، تمحورت خطوطه العريضة حول تحقيق الاستقلال الوطني والتنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.  

ومن ثم فعلى الجميع إدراك حقيقة أن اكتساب ثقة وتأييد الجماهير لا يمر عبر بوابة الانتصار في معركة الإرهاب واستئصال شأفة الإخوان المسلمين، بقدر ما يتحقق بالقدرة على إحداث تغيير حقيقي في حياة المواطنين، المثقل كاهلهم بأعباء اقتصاد يترنح وخدمات متدهورة وأمن غائب. إضافة إلى ذلك، فإن تناقض بعض التوجهات الحالية مع مباديء ثورة يناير يوميء إلى حتمية اندلاع صراع جديد بين النظام وشباب الثورة، ربما يجيء أوانه حين تهدأ حدة المشاعر المعادية للإخوان، وتتضح فداحة ممارسات الأجهزة الأمنية. وقد بدأت مظاهر ذلك الصدام مع ثوار يناير بالفعل في الظهور على السطح، متمثلة في التوتر المتصاعد بين حركة 6 أبريل والنظام الحالي. 

ولا يمكن إغفال العواقب الوخيمة لذلك النسق الفكري على التماسك والسلم الاجتماعيين على المدى البعيد. إذ أن الإقصاء السياسي يوفر بيئة خصبة لإعادة إنتاج الدولة الاستبدادية، ولازدهار ثقافة مجتمعية لا تتسامح مع المختلفين، سياسياً ودينياً وطائفياً. وإن وجهت سهام الإقصاء اليوم للإسلاميين ومنتقدي الممارسات الحالية فحسب، فإن آثاره ستمتد لا ريب في المستقبل إلى كل الأقليات، خاصة أن المجتمع يعاني أصلاً من استشراء ثقافة متعصبة، تناهض الاختلاف، وتدين كل من شذ عن التيار العام، أو عرض أفكاراً وتصورات مغايرة. وما تعرضت له المرأة والمسيحيون والشيعة والبهائيون المصريون في الماضي القريب ليس بحاجة لتذكير، وأوجاع تلك الفئات تبدو مرشحة للتفاقم في ظل هيمنة المناخ الحالي.   

كما ينبغي الانتباه إلى كلفة الممارسات السلطوية التي تنبثق من هذا النسق الفكري. فالوطنية الزاعقة تركز على "العدو" وأولوية محاربته، وتجعل من الحديث عن الحقوق والحريات ترفاً يمكن إهماله، أو على الأقل تأجيله. والشاهد أن أشد التجاوزات الماسة بحقوق الإنسان في مصر حدثت أثناء صراع الدولة مع الجماعات الإرهابية في تسعينات القرن المنصرم. وفي شكل ما، تستدعى الموجة الوطنية الحالية إلى الذاكرة مكارثية الخمسينات، وأجواء الحرب الأمريكية على الإرهاب في بدايات هذا القرن. ويلاحظ تشابه المنطق ولغة الخطاب بين قادة النظام الجديد والمحافظين الجدد في أمريكا، بخاصة الشعار الأثير "من ليس معنا قهو ضدنا"، الذي جاء مضموناً لا نصاً على لسان أكثر من مسئول حالي.

يعلم الجميع أن الفاشية هي النموذج الفج لتمازج الوطنية والشوفينية والعسكرة والسلطوية. ولئن لم يتم وقف الانزلاق الحاصل في مصر باتجاه تلك النزعات الأربع، فقد نفاجأ يوماً بتحول الوطنية الجديدة إلى فاشية جديدة.    

 

د. نايل شامة

* نُشرت هذه المقالة بجريدة الحياة (بتاريخ 20 سبتمبر 2013).

 

Read on

Saturday, September 14, 2013

The Sonata of the Departed


The military funeral of the twenty-five policemen who were massacred in cold blood in Sinai was so intensely touching. The slow, dignified procession, the sad funeral dirge, the anguish of the mothers of the fallen and the tears of mourners exuded an overwhelming sense of grief. Funerals are always poignant and gloomy. They remind us of the brevity of life, the inevitability of death and the fragility of our souls. Some funerals also help us capture the immense capacity of the living to inflict injustice and death.    
Men are all equal in death, differences in status, wealth and knowledge notwithstanding. They all wind up lying under a tombstone bearing an inscribed epitaph to mark their grave.  But the way the living treat their dead is unequal. While some get solemn funerals, others are unceremoniously ditched in pit.
Some of us do not take the words of farewell they deserve after the death they did not deserve.
The "Us vs. Them" Epidemic  
This cannot be more vivid than in Egypt where, last month only, hundreds lost their lives in the country's bloody political conflict. The long distance between the glorification of some of Egypt's victims and the demonization of others speaks volumes about the deep depth of injustice to which our nation has sunk. The unfairness of it is disturbing, exposing the cracks that permeated our souls and distorted our sense of humanity. The dead have left and will never be resurrected, but the living who incited, condoned or executed the killings and then danced by the dead bodies are our partners in this nation, our fellow citizens. This is a very scary revelation.
Indeed, the worst thing happening in Egypt now may not be the killings, as brutal as they are, but rather the response of some Egyptians to the killings, oscillating between indifference and jubilation. Many Egyptians celebrated the violent dispersal of the pro-Morsi encampments in Cairo, which left hundreds dead and thousands injured. For them, it was the day of victory over the Muslim brothers, who they believe had attempted to hijack the state and alter its identity. The massacres were just collateral damage, and should not impede the partying, they said. The strongholds of their chief adversary were wiped out, its top leaders were either arrested or forced to flee to hideouts, all good reasons to be elated and optimistic. After all, it is a very ugly war against a very menacing opponent. Who in war ever mourns the fall of his enemy? This can be a valid argument, if only one sees his/her fellow Egyptians as an enemy to be overpowered, humiliated and obliterated.  
And after every round of confrontation, comes the phase of counting and dividing the dead; how many of us versus how many of them. The battle has to go on even after the guns fall silent. No weapon, argument, image or lie is spared in the quest for triumph. There is no time to pause and reflect, for the stakes are high and the cost of lethargy is massive.
The politicians of the new order (and their staunch allies in the state and media) glorify the police officers and soldiers who perished on the battlefield. Those who died on the other side of the national chasm are irrelevant, hence ignored and, if mentioned, diabolized. The stories of their death would expose our side's practices and jeopardize our narrative, the non-Islamists reason. And what do the Islamists do? They, likewise, honor their victims, the martyrs, and diabolize the others' victims.             
Death in Egypt has become a statistic, a soulless figure announced every evening by the authorities. On a less violent day, when fewer than, say, ten people lose their lives in street battles, people heave a sigh of relief. "It could’ve been worse," Egyptians would murmur contentedly. With the increasing number of casualties, they have even begun wondering about which civil war ours will emulate: Will Egypt follow in the footsteps of Lebanon, Algeria or Syria? The possibilities are no longer between good and bad, but rather between bad, worse and worst. Gone are the dreams that hovered in our skies on February 11, 2011, when we built castles in the air and overlooked the misery encircling us on the ground. Our hearts fooled our minds. We were so naïve.
Murder without Remorse   
Whatever happened to this nation? Egyptians have long been known for their patience and warmth, not for stolidity and cruelty. So when did we acquire this toxic mélange of callousness and apathy? Why have we allowed our political and ideological differences to overshadow what we have in common? And, more importantly, where are these destructive ill-feelings leading us?
To nurture both the soil and the soul, ancient Egyptians treated the river and the dead with reverence. They believed there was life after life; death was a bridge to eternity. They turned tombs into giant pyramids and considered funerals and burials to be sacred processions. The spread of Islam in Egypt reinforced Egyptians' belief in the sanctity of life. Bloodshed is a more serious sin than the demolition of the Kaaba shrine, Prophet Muhammad said.
But something tremendously awful has permeated our souls in recent years, undermining respect for both the living and the dead. In the good old days, a dispute between two arguing men could be cooled down if a third party intervened, invoking the disputants to recite their "blessings on the Prophet." Today, scenes of raging crowds who kill innocents, mutilate dead bodies, or burn churches, as they chant "God is great," are not uncommon. Suffice it to take a close look at the footage of the killing of four Egyptian Shias last June in a village in Giza. While the victims were beaten to death with sticks by a hostile mob, the audience witnessing the savage crime yelled and cursed; no one intervened to prevent the lynching. Everyone in the scene appeared nonchalant about the heartbreaking screams of the victims.
The French novelist Drieu La Rochelle, writing in the 1930s, lamented that “the only way to love France today is to hate it in its present form.” Just substitute France with Egypt, and the sentence would make perfect sense. It is painful, but couldn’t be truer.   

Nael M. Shama

* This article appeared first on the Egypt Monocle on September 6, 2013.  

Read on