Thursday, June 19, 2014

الدولة الأمنية والمجتمع الأمني في مصر

  

يقال في التراث العربي إن "الناس على دين ملوكهم"، فصلاح الحاكم يصلحهم وفساده يفسدهم، ويقال أيضاً نقيض تلك العبارة: "كما تكونوا يولى عليكم"، أي أن نظام الحكم ما هو إلا مرآة عاكسة للشعب وشخصيته وخصائصه الثقافية، ومن داخل هذا الإطار طرح الفيلسوف مالك بن نبي مفهوم "القابلية للاستعمار"، والذي يفضي إن مُد على استقامته إلى فكرة "القابلية للاستبداد" عامة. أياً ما كان الأمر فإنه مما لا شك فيه أن ثمة علاقة جدلية تربط بين الحاكم والمحكوم، فكلاهما يؤثر في الآخر ويتأثر به، ليتشكل من دينامية تفاعلاتهما البيئة الحاضنة لهذا أو ذاك التوجه السياسي، والسلوك الإنساني، والمسار الحضاري.    
الوضع في مصر اليوم خير مثال على ذلك التفاعل بين السياسي والمجتمعي، فثمة إحساس طاغ بالحرب غُرس وسُقي في ردهات السلطة، فاستشرى وتوغل بين جنبات المجتمع. تحليل مضمون تصريحات المسئولين سيكشف على الأرجح أن أكثر العبارات تداولاً على ألسنتهم هي "المؤامرة" و"الخطر" و"الأمن القومي". أما وسائل الإعلام المساندة للدولة فاستعاضت عن باحثي العلوم السياسية والاجتماعية بطوفان ممن يشار إليهم بحسبانهم "محللين أمنيين"، وهم ضباط أمن سابقون يدرك أغلبهم السياسة من منظور أمني، ويتحدثون في شئونها على الهواء كما كانوا، على ما يبدو، يثرثرون عنها مع مرؤوسيهم قبل التقاعد. ثم إن الحرب التي تخوضها الدولة المصرية ليست فقط مع الجماعات الإرهابية التي ترفع السلاح وتقوض الاستقرار، بل مع الجميع: مع العالم الذي يترقب ويناقش، ومع الصحافة التي ترصد وتنتقد، ومع شباب تنعي بكائياته ضياع الحلم وانطفاء جذوة الثورة.
انهماك الدولة في قرع طبول الحرب أدى إلى قيام مجتمع ذي حس أمني عال، يرصد المخاطر، ويتحسب لكل كلمة أو هفوة لعلها تخفي ورائها خطراً أو تهديداً عظيماً. سادت لذلك أجواء التربص والارتياب، والخوف من "الآخر"، وبزغت النزعة إلى التفتيش في النيات، وممارسة العقاب الجماعي. والشاهد أن الدولة لم تكتف بحشد المواطنين في معاركها تحت رايات المصلحة القومية وحب الوطن، بل شرعت (ولو ضمنياً) في تأليبهم ضد بعضهم بعضاً. يشير إلى ذلك بوضوح تعبير "المواطنون الشرفاء" الذي ظهر في مصر في أعقاب ثورة 25 يناير. والمقصود بهم أولئك الذين يأخذون على عاتقهم مساعدة الأجهزة الأمنية في القبض على المتظاهرين وتسليمهم للشرطة، بدعوى الحفاظ على الأمن وفرض الانضباط. بعبارة أخرى، هم مواطنون مدنيون انتزعوا لأنفسهم بمباركة أجهزة الدولة حق الضبطية القضائية، والقيام بدور الشرطة في مجتمع يضطرم بنير بالتوتر والانفلات والصراع السياسي. 
بالتزامن مع ذلك، يسود بين عموم المصريين تقدير وتمجيد نادران لرجال الأمن، ما يطرح كثيراً من علامات الاستفهام والتعجب. أولها يتأمل في ما تغير منذ يناير 2011م حين بلغ غضب المصريين من الشرطة مبلغاً دفعهم للثورة عليها ومهاجمة مقارها. وثانيها يتعجب من ذلك الإجلال الذي يتزامن مع استمرار زهق الدماء والتعذيب وسائر الانتهاكات. وثالثها يدهش من عدم قدرة المجتمع على غربلة ما يساق إليه من حجج، واستجلاء القيم منها من الرث.    
لقد تفاقم التشوش في خضم الإحساس بوطأة الصراع السياسي عقب عزل الرئيس محمد مرسي، إذ اختلط المعقول باللامعقول، وامتزجت المفاهيم في شكل يتعذر استيعابه، فصارت الهرطقة ديناً والإيمان كفراً. يتداخل في الفضاء العام زحام من الصور والروايات والحجج المباركة لقبضة الأمن الحديدية، لينتج صورة غائمة مموهة تتأرجح بين فضاءات العبث وابتهاجات الوهم وغوايات الأساطير. الأمثلة كثيرة ومتنوعة، ففي أجواء المجتمع الأمني المحمومة وُصفت حكومة رئيس الوزراء السابق حازم الببلاوي مراراً وتكراراً بأنها حكومة "الأيدى المرتعشة"، على رغم قيامها بإصدار الأمر بفض اعتصامات مؤيدي مرسي الذي أسفر في أقل التقديرات عن وفاة أكثر من 600 شخص في يوم واحد، وعلى رغم قيامها أيضاً بإصدار قانون التظاهر المثير للجدل، وإعتبارها جماعة الإخوان المسلمين جماعة إرهابية استباقاً لحكم القضاء. وعلى إحدى القنوات الفضائية المصرية انبرت مذيعة لتقول بملء الفم أن "الدولة البوليسية القمعية" كانت وستظل ضرورة لمواجهة الإرهاب. فيما قال إعلامي وصحافي ملأت شهرته الأفاق أن "النفاق مطلوب من أجل الوطن"، وقال صحافي آخر أنه يتشرف بكونه عميلاً لأجهزة المخابرات و أمن الدولة.     
تاريخياً، ظلت نظرة المصريين لرجال الشرطة مثقلة بالمشاعر السلبية والضعائن، وفي رواية "بداية ونهاية" للأديب نجيب محفوظ إشارة مستترة إلا ذلك، لكن شيئاً ما تغير في السنوات الأخيرة. لا يمكن إغفال تأثير الإلحاح الإعلامي على ذهنية الشعب، أو استبعاد الخاصرة الرخوة التي ينفذ منها الاستبداد دوماً لتقديس السائد وتسفيه التغيير: الغرائز البدائية، كغواية الأمل في تحسن الأحوال وعصا الخوف من المجهول.  
لتلك الأسباب وجاهتها، لكن الأمر ربما يتعدى ذلك. لقد استفاض المفكر باولو فريري (1921-1997) في كتابه الأشهر "تربية المقهورين" في الحديث عن "التجرد من الإنسانية" الذي يحدث لكل من القاهر والمقهور في ظل استدامة بنية القهر. يقول فريري أن المقهور المغمور في أغلال بيئة قاهرة لا يدرك حقيقة أنه مقهور على رغم بداهتها، وإن أدركها فهو يخشى الحرية لأنه ألف الاضطهاد وتكيف معه، وإن أدرك الحرية فقد يتحول إلى قاهر جديد، لأن ذلك المفهوم المشوه عن جوهر الإنسانية – القائم بالضرورة على وجود ثنائية القاهر والمقهور - ترسخ في أعماق عقله لدرجة يستعصي محوها. من هنا يمكن فهم لماذا يبرر بعضهم التعذيب مثلاً معتبراً إياه من طبائع الأشياء، أو يضمر الكراهية للتغيير (وبالطبع الثورة) ناظراً إليه في شكل لا واع كشر مستطير ينبغي وأده.      
الدول السلطوية ليست في حاجة إلى مواطنين، بل إلى مخبرين، يعاونوها على أداء مهماتها الأمنية، ويغضون الطرف عن انتهاكاتها، أو يبررونها إن لزم الأمر. أما المواطنون فمنقسمون لفئتين أشار إليهما بحذق وبصيرة الطبيب والكاتب الراحل مصطفي محمود (1921-2009) بقوله: هناك من يناضلون من أجل التحرر من العبودية، وهناك من يطالبون بتحسين شروط العبودية.   


د. نايل شامة

* نُشرت هذه المقالة بجريدة الحياة (بتاريخ 16 يونيو 2014).

Read on

Wednesday, June 11, 2014

The Dilemmas of Egyptian Foreign Policy


Although Egypt is a political powerhouse in the Middle East, its foreign policy hardly reflects that. Under its longtime president Hosni Mubarak, Egypt receded into a long phase of quietism and withdrawal. Mubarak is gone, but 'Mubarakism without Mubarak' has persisted, even under the short-lived rule of the Islamist president Mohamed Morsi. As soon as he steps forth into the presidency, Egypt's new ruler, Field Marshal Abdel-Fattah Al-Sisi, will find himself on the horns of multiple foreign policy dilemmas. The way he tackles them will shape the substance, orientation and purpose of Egypt's foreign policy in the near future.
1- Resources and Aspirations
Egypt traditionally sees itself as the natural leader of the Arab world. In his manifesto The Philosophy of the Revolution, former Egyptian president Gamal Abdel-Nasser (ruled 1954-1970) rambled on about a leading role in the region that is "wandering aimlessly about seeking an actor to play it." This role, he added, "should at last settle down, weary and worn out, on our frontiers beckoning us to move, to dress up for it and to perform it since there is nobody else who could do so."[i] The foreign policy of Nasser's successor, Anwar Sadat, particularly the go-it-alone peace deal with Israel, led to Egypt's ostracization in the region. But Sadat was confident that Egypt's isolation in its sphere of influence was only temporary, and that Arabs were bound to follow in its footsteps. Although Mubarak was not interested in the flamboyance of leadership, preferring instead to be a distant, bureaucratic president of a status quo state, he still clung to a vital Egyptian involvement in the Palestinian problem.
The recent rise of Al-Sisi in Egyptian politics revived nationalist sentiments and ambitions after decades of dormancy. Fostered by state institutions and the pro-regime mass media, ostensibly as a bulwark against Islamism, these nationalist sentiments bred a wave of great expectations. On Egypt's cafes and television shows, analogies are frequently drawn between Al-Sisi and Nasser, the leader whose reign witnessed the most dynamic and change-oriented Egyptian foreign policy in modern times. Great hopes are pinned on Al-Sisi's leadership. He will be another Nasser, his supporters wish, taking on the mantle of leadership, defying international powers and restoring Egypt's wounded prestige in the world.
But times have massively changed. Capitalizing on political determination and the availability of resources, Nasser could, with relative ease, fund revolutionary movements in Africa, provide support for Arab states against Israel and lead the developing world, under the umbrella of the Non-Aligned Movement, against the plots of superpowers. His electrifying charisma added an element of inspiration and magic to his foreign policy. For more than ten years (1956-1967), the role Nasser had envisaged as a young officer rested indeed on Egypt's shores.  
Egypt's dire economic situation today inhibits its ability to play the same role. Three years of political turmoil took a great toll on its economy, slowing down economic growth and foreign investment flows and reducing tourism and export earnings. In foreign affairs, the economic crisis increased Egypt's vulnerability and deepened its dependence on Gulf states, especially Saudi Arabia, Kuwait and the UAE, who together provided more than $20 billion in various forms of assistance to Egypt since Morsi's ouster.[ii] As a result, Egypt's foreign policy has been increasingly wedded to the interests of Gulf states, with less autonomy and a narrow margin of maneuverability being the outcome.  
The change in Egypt's stance toward the Syrian conflict is proof of this. Morsi had vocally supported the Syrian "revolution." He severed diplomatic ties with Syria's regime during a rally in which hardline Islamists called for "jihad" against Bashar al-Assad. But a few weeks after the coup, Egypt's Foreign Minister Nabil Fahmy announced that Egypt is reevaluating its relationship with Syria, adding that Morsi's decision to cut diplomatic ties with Damascus would be "re-examined."[iii] In the following months, Cairo's policy on Syria came closer to that endorsed by its Gulf allies, indicating a policy that is "shaped by donors."[iv]
Al-Sisi must find a creative answer to this predicament: How to reconcile needed economic aid from donors with an independent foreign policy? Without aid, Egypt's ailing economy will continue to suffer, but for a populist president like Al-Sisi, dependency on - or worse, acquiescence to - the small oil Sheikhdoms will come at a huge cost: diminished popularity and reminiscence of the notorious days of Mubarak, not Nasser.       
2- Authoritarianism and the Outside World
The ouster of Morsi, and the subsequent crackdown on the Muslim Brotherhood (MB), unleashed all the demons of the authoritarian state, which had been dormant since Mubarak's overthrow in 2011. In the name of combating terrorism and restoring the 'prestige' of the state, thousands have been killed and arrested in the span of a few months, an Orwellian protest law was issued and dissent has been quashed using all possible means. Such draconian measures cannot take place in today's globalized, interconnected world, which attaches great importance to liberties and human rights issues, without international ramifications.  
Indeed, widespread human rights abuses in Egypt elicited major responses from various international players. The African Union, for instance, suspended Egypt's membership days after Morsi's removal in July 2013. As a result, Egypt (along with international pariahs Zimbabwe and Sudan) was last January excluded from attending the high-profile US-Africa Leaders Summit, which will take place in Washington next August. Also, a joint declaration was issued last March by 27 member states in the United Nations Human Rights Council, expressing concern over Egypt's excessive use of force against protestors, and asking the Egyptian authorities to hold those responsible for the abuses to account. In the same vein, the outcry of international journalists over the trial of the journalists of Al-Jazeera's Cairo office continues unabated, causing embarrassment for the Egyptian government in major world capitals.  
Al-Sisi will soon be caught between internal and external allies. A large segment of his power base rejects any conciliation with the MB, and advocates continuing – or even escalating – the crackdown on dissidents, Islamists and revolutionary youth alike. Moreover, any attempt to reform state institutions, especially the gigantic security apparatus, will be resisted by a state that has become too old and too corrupt to change its notorious ways. On the other hand, blatant authoritarianism at home will continue to strain Egypt's relations with the outside world, especially the United States and European countries, undermining foreign aid, investment and Egypt's international reputation.
3- Few Allies, Many Antagonists
Egypt has few allies in the region: the Gulf states. With the exception of Qatar, which dances to a different drum, these states have an abundance of petrodollars and harbor an abundance of antipathy towards Islamist movements - the perfect allies of today's Egypt. Conversely, because of their support for the MB, Turkey, Qatar and Hamas are seen in Cairo as barefaced adversaries. Egypt's relations with neighboring Libya and Sudan are cordial, but fraught with tension. The Sudan did not toe the line of Egypt over Ethiopia's Renaissance Dam, which Egypt regards as a menace to its share of Nile water. The inability of Libya's government to curb arms trafficking across the border, and to control the Islamic militias that are hostile to Egypt's regime, and the latter's reluctance to extradite members of Gaddafi's regime who live in Egypt are causes of friction in Egyptian-Libyan ties.[v] Egypt's formal diplomatic relations with Iran have been severed since 1980, and their restoration is nowhere on the horizon.          
Egypt therefore is semi-isolated in the region where it is centered, the Middle East. Proximate states such as Libya, Qatar, Sudan and Hamas – and, in the wider region, Turkey, Iran and Ethiopia – are not allies. They all fall within the scope of hostile, unfriendly or, at best, neutral states. In response to this inimical milieu, the strategy of the post-Morsi regime has rested on escalation. Cairo expelled the Turkish ambassador in November, recalled its ambassador to Doha in January, and an Egyptian court labeled Hamas a terrorist organization in March. Media assaults on Ankara, Doha and Hamas have verged on hysteria, reflecting how distant reconciliation is.     
However, not only cannot a strategy that is premised on confrontation survive, especially for a pivotal country with leadership aspirations, but it could also be very detrimental. For instance, suffocating Hamas for too long might drive its radical elements to forge ties with the Islamist insurgents in Sinai. Also, Egypt will not be able to mediate between the belligerent Palestinian factions, Fateh and Hamas, or between Israel and the Palestinians if it continues to boycott Hamas. Moreover, the legitimacy of Egypt's new president will be undercut if he is seen at home as colluding with Israel against the besieged and poverty-stricken Palestinians. Likewise, a protracted state of tension with two regional powers like Turkey and Iran is neither constructive nor conducive to regional stability.
Which strategic formula will Al-Sisi embrace to confront these threats, break out of this isolation, and restore Egypt's stature in the region? Escalation may undermine Egypt's national security and ignite a new Arab Cold War, to whose ill winds no state would be immune, but inaction could be costly, too. So will Al-Sisi manage to strike a balance between both courses of action, with skill, intellect and prescience?

Foreign policy victories and failures were kingmakers and breakers in Egypt. The nationalization of the Suez Canal Company and the 'Crossing' in 1973 made Nasser and Sadat national heroes. In contrast, the 1967 defeat heralded Nasser's political demise, and Sadat's separate peace with Israel 10 years later precipitated his assassination. Undoubtedly, Al-Sisi will soon be put to serious tests. Will his foreign policy be his crowning glory or his knockout punch?       

Nael M. Shama
* This article appeared first on AhramOnline on June 11, 2014.


[i] Gamal Abdel-Nasser, The Philosophy of the Revolution, Cairo: Information Agency, 1954, p. 68. (in Arabic)
[ii]  "Gulf Aid to Egypt Since 30 June More than $20 Billion: El-Sisi" AhramOnline, 6 May 2014, http://english.ahram.org.eg/NewsContent/1/64/100653/Egypt/Politics-/Gulf-aid-to-Egypt-since--June-more-than--billion-E.aspx.
[iii] "Egypt to Re-evaluate Relations with Syria," Al-Jazeera.com, 21 July 2013, http://www.aljazeera.com/news/middleeast/2013/07/201372013042628686.html.
[iv] Michele Dunne, "Foreign Policy Shaped by Donors," Sada, 3 April 2014, http://carnegieendowment.org/2014/04/03/foreign-policy-shaped-by-donors/h6z0.
[v] Mohamed Elmenshawy, "Bad Neighbor, Good Neighbor: Libya-Egypt Relations," Middle East Institute, 21 March 2014, http://www.mei.edu/content/bad-neighbor-good-neighbor-libya-egypt-relations. 

Read on

Wednesday, June 4, 2014

في رحاب الدولة العربية الفاشلة


لا يملك المرء إلا التأمل المشدوه إزاء انتشار من يطلقون على أنفسهم لقب "الدولجية" (نسبة إلى الدولة) في عدد من الدول العربية في الآونة الأخيرة. الدولجية هم أولئك الذين يؤمنون بمؤسسة الدولة، بدورها المهيمن وسلطاتها الواسعة، وهيبتها التي لا ينبغي أن يشوبها شائبة، وقانونها الذي يجب أن يسود على الجميع. الدولة في نظر هؤلاء كيان مرادف للوطن، يرمز له ويلتصق به، حتى لا يكاد يبين الفرق بينهما. ومن ثم فهي كيان مقدس، يسمو فوق مستوى النقد، ويتنحى بعيداً عن مساحات الاختلاف السياسية والأيديولوجية. بالنسبة إلى هؤلاء، فإن منتقدي الدولة إما جهلاء أو عملاء، أما المدافعون عنها فجنود بواسل في معركة مقدسة. تبجيل الدولة هذا ولد بالتبعية ولعاً برجل الدولة القوي الذي سيدحر الغزاة، ويعيد الأمجاد، ويفجر أنهار اللبن والعسل الدافقة.  
بيد أنه يغيب عن هؤلاء أمران أساسيان. أولهما أن مفهوم "الدولة" السياسي مختلف كلية عن معنى الوطن. قالوطن أرض وشعب وحياة وروابط وانتماء، أما الدولة فمحض مؤسسة، قوامها نظام سياسي وجهاز إداري وإطار تشريعي، تحتمل جميعها الصلاح أو السوء، ومن ثم فلا قداسة أو حصانة لها. أما الأمر الثاني والأهم فهو أن الدولة في الوطن العربي لا تستحق مثقال ذرة من تبجيل، إذ ليس في سجلها سوى صفحات متوالية من الإخفاقات والانكسارات وجر أذيال الخيبة. تغير الكثير في العالم منذ مولد الدولة العربية الحديثة في منتصف القرن العشرين. صعدت البشرية إلى الفضاء، وانكشف سر الجينوم البشري، وانتشرت الحاسوبات والهواتف المحمولة، وهرول العالم باتجاه إقامة نظم ديمقراطية تعددية، فيما ظلت الدولة العربية كما هي: كيان متصلب مهتريء، يعيش متخشباً خارج العصر وإن رفع شعاراته، ويعلق فشله على مشجب الآخر، ثم يعتمد على أدوات القهر للحفاظ على وجوده. 
فشلت الدولة بداية في معركة الاقتصاد والتنمية، فاعتمدت اقتصاداتها على الريع والمساعدات الخارجية والخدمات، عوضاً عن الانتاج والتصنيع والابتكار. ورعت تلك الاقتصادات الهشة بنياناً أفعوانياً ضخماً من شبكات الفساد واقتصاد المحاسيب ورأسماليات "تسليم المفتاح" (القائمة على خصخصة المشاريع العامة)، ما أفضى إلى التخلف الاقتصادي، وشيوع الفقر والبطالة، واستدامة الاعتمادية على الخارج. ونظرة سريعة على تقارير التنمية الإنسانية الصادرة عن الأمم المتحدة تشي بقتامة الصورة الكلية، فالناتج المحلي الإجمالي للدول العربية كافة أقل من نظيره في اسبانيا، أما إجمالي الصادرات غير النفطية لكل الدول العربية فأدنى من إجمالي صادرات فنلندا (وهي دولة تعدادها نحو خمسة ملايين نسمة). بغياب التنمية، انتشرت أحزمة الفقر على ضفاف المدن الكبرى – كالقاهرة وبيروت والجزائر – وفي مناطقها المهمشة البعيدة عن اهتمام المركز وخططه وموارده. من أحد تلك المناطق خرج بائع متجول يقاسي شظف العيش وجور السلطة، مشعلاً النار في نفسه ومفجراً انتفاضات الربيع العربي في 2011م.       
فشلت الدولة العربية أيضاً على امتداد المسافة من المحيط إلى الخليج في إفامة نظام سياسي يصون الحريات والحقوق الأساسية، ويحترم الكرامة الإنسانية وتكافؤ الفرص. فصارت إسرائيل تتشدق بأنها "واحة للديمقراطية" في صحراء متخمة بأنظمة سلطوية، لها برلمانات شكلية، وأحزاب ضعيفة، وقوانين صورية، وأبواق زاعقة، والكثير من المعتقلات وقوات مكافحة الشغب. نمت وازدهرت وتمددت في الوطن العربي الدولة السلطوية، ممارسة ومنطقاً وأسلوب حياة. ومن رحمها خرج حكام صاروا في التاريخ الإنساني نماذج في الهوس بالسلطة وجنون العظمة، كالقذافي وصدام حسين وبشار الأسد. ولذلك بزغ مفهوم "الاستثناء العربي" في الدراسات الديمقراطية، محاولاً تفسير لماذا شذت دولة الإقليم عن التيار، وتخلفت عن موجات الديمقراطية العالمية الثلاث.    
ثم فشلت الدولة العربية خارجياً بامتياز، وانكشف وهنها وهوانها أمام تفوق وتنظيم الآخر. تجرعت الدولة مرارة الهزيمة تلو الأخرى أمام إسرائيل (بإستثناء الأداء المميز للجيشين المصري والسوري في حرب أكتوبر، ولحزب الله في 2006م)، وفشلت في حماية أشقائها من الهجمات الإسرائيلية المتتابعة (العراق في 1981م، وتونس في 1985م، ولبنان في 1982م و2006م، وقطاع غزة في كل السنوات). ثم فشلت مجدداً في نصرة الدول العربية في نزاعاتها الحدودية مع الدول غير العربية (كجزر الإمارات الثلاث، ولواء الاسكندرون السورى، وسبتة ومليلية المغربية). انهار مفهوم الأمن القومي العربي على عقبيه، ولم يعد يعني الكثير في وطن عربي تبدلت خرائطه، وتشكلت عبر مسامه طرقاً نفذ منها الجيران وجيران الجيران. بل عجزت الدولة العربية حتى عن إدارة تناقضاتها الداخلية، فتفاقمت الصراعات الإثنية والمذهبية بداخلها، ومشاهد الحرب الأهلية المفزعة في سوريا (ومن قبلها في العراق والسودان ولبنان) ليست في حاجة إلى تذكير. اغتصبت فلسطين، واحتل العراق، وانشطر السودان، وتمزق الصومال، وتفجر لبنان، فيما المدافع ساكنة والميكروفونات هادرة.  
الفشل في مواجهة الآخر على الصعيد الأمني والعسكري صاحبه قصور مطبق في سد الفجوة العلمية والتكنولوجية مع الدول المتقدمة. فهوس الدولة بالسيطرة رافقه إهمال، وأحياناً ازدراء، للعلم، ما أدى لانخفاض مستوى التعليم، وشيوع نمط ثقافي متهافت بائس، يكرس للاستبداد ويكبح الابتكار. وفي عدد براءات الاختراع المسجلة في العشرين سنة الأخيرة من القرن العشرين في الولايات المتحدة خير دليل، ففي مقابل أكثر من 16000 اختراع من كوريا الجنوبية، حظيت مصر مثلاً بسبع وسبعين براءة اختراع فقط. كذلك ففي الوطن العربي ثاني أعلى معدل أمية بين أقاليم العالم الجغرافية (بعد إقليم جنوب الصحراء)، أما الكتب المترجمة إلى العربية في العام الواحد فلا تزيد عن خمس الكتب المترجمة إلى اليونانية (على رغم أن سكان اليونان يجاوزون الأحد عشر مليوناً بقليل). على أغصان شجرة الجهل السامة ولدت طامة التطرف، والتي ما برحت تقوض بنيان الأمة الفكري وسلامها الاجتماعي، وتحول بينها وبين الالتحاق بالعصر.           
فعن أي دولة يتحدث المتعبدون في محراب الدولة؟ عن ذلك الكيان السلطوي المهتريء الذي أضاع الأرض وأورث الفقر ونشر ثقافة الجهل ورسب في المعارك كافة داخلياً وخارجياً؟ أم عن دولة أخرى يتمنونها في مخيلتهم لكن لا دليل البتة على وجودها على أرض الواقع؟ 

د. نايل شامة
* نُشرت هذه المقالة بجريدة الحياة (بتاريخ 1 يونيو 2014).

 

Read on

Friday, May 2, 2014

الإرهابيون في مصر بين شيطنة وأنسنة


إنهم يكرهوننا. هكذا ومن دون عناء وجد الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش (وحلفاؤه من غلاة المحافظين الجدد) مخرجاً من عثراته وحماقاته المتتالية. استند بوش إلى تلك الكلمتين، وبسط منهما ستاراً واسعاً ليشرعن حربين سقط فيهما مئات الآلاف من القتلى، وليقوض منظومة الحريات التي قام عليها المجتمع الأمريكي، وليتملص من أي مسئولية أخلاقية أو سياسية. هكذا تكون السياسة أحياناً: باهظة في تكاليفها، وشحيحة في منطقها، وموغلة في تضليلها. لكن لئن لجأ بعض الساسة وأرباب المصالح لتلك المقولات الواهية لتبرير سياسات مدمرة افتقرت لأي غطاء منطقي أو أخلاقي، فما عذر أصحاب العقل أن يمشوا في ركاب أصحاب السلطة وتحت عباءة هذيانها؟ وكيف انزلقت بصيرتهم في متاهات التبسيط المخل ومدارات التعميم والعنصرية؟

فالشاهد أنه في خضم دوامات العنف وحملات الكراهية وانسداد الأفق السياسي الدائرة رحاها في مصر منذ سنوات، وجد كثير من المثقفين المصريين مؤخراً ضالتهم النفسية في منهاج بوش المتهافت، وبخاصة في مواجهة تصاعد ظاهرة الإرهاب. فقد لجأوا إزاء قضية بهذه الدرجة من التعقيد والاشتباك لأبسط مقاربة، تلك التي يعتمد قوامها على شيطنة الآخرين، ونزع الطبيعة الإنسانية عنهم، ولفظهم من ساحة الإسلام والإيمان والوطنية. لذلك كثر في الفضاءين السياسي والإعلامي المصري الإشارة إلى الإرهابيين باعتبارهم "مش بني آدمين" (ليسوا بشراً)، كما دعت أصوات لإبادتهم عن بكرة أبيهم من دون محاكمة، وقام آخرون بتشبيههم بالحيوانات تارة وبالشياطين تارة أخرى.       

خلف انتشار ذلك المنحى أسباب عدة، كلها أكثر التصاقاً بالمصالح عنها بالحقائق. أولها أن تشويه الآخر - في المستوى الأعلى من التحليل - فيه ضمنياً تبرئة للذات، واحلال من أي التزام، وإجهاض لأي مساءلة. إذ تمثل الإدانة العمياء المصحوبة بدفن الرؤوس في الرمال أسهل الطرق لغلق أبواب المناقشة الجادة، التي يستتبعها دوماً طرح أسئلة المسئوليات، وفتح دفاتر الحساب، والتفتيش عما جرى ولماذا جرى. فإذا كان العدو الإرهابي ليس آدمياً، بل وحشاً مفترساً لا رحمة في قلبه ولا أمل في صلاحه، فليس على أي طرف آخر جناح في نشأة الصراع، واستدامته، وتعاظم التكاليف البشرية والمادية الناجمة عنه. فما العمل حقاً إن واجهت الدولة أو المجتمع أفراداً أو جماعات لا تحركها سوى نوازع الشر، ولا تأبه سوى بنشر الدمار وحصد الأرواح؟

وعلى المستوى العملي فإن عودة ألة الدولة السلطوية إلى الدوران بأقصى سرعة عقب عزل مرسي وتصدع تحالف "30 يونيو" اقتضى بناء إطار من الذرائع يبرر التجاوزات ويستر السوءات. ماكينة التبرير شرهة للوقود، وأفضل الوقود هو وسم الآخرين بالشر والإرهاب. في هذا الإطار صدر القرار الإداري باعتبار جماعة الإخوان المسلمين جماعة إرهابية استباقاً لأحكام القضاء وسلطات التحقيق. المفارقة هنا أن هناك تشابهاً كبيراً بين نمط تفكير من يحاولون استئصال شأفة الإرهاب وبين نمط تفكير الإرهابيين أنفسهم. فكلاهما يتبنى منطقاً مسمطاً يغلفه التعصب، والسطحية، والوقوع في فخ الثنائيات (كافر - مسلم) أو(إرهابي قاتل - بريء ناصع)، والنزعة إلى تقسيم الجميع إلى حلفاء أو أعداء (تكراراً لمقولة بوش الأثيرة: من ليس معنا فهو ضدنا).     

بديهياً، حين لا يكون هناك أي تمعن في دور الظروف المجتمعية أو السياسات الحكومية أو العوامل النفسية في خلق البيئة التي تشجع على استخدام العنف، تلقى المسئولية برمتها على الإرهابيين. وينصب التركيز كله على أنهم بطبيعتهم أشرار، مارقون، كارهون للحياة وللآخرين، بل ولأنفسهم. لكن ذلك ليس صحيحاً، فالإرهابيين ليسوا حيواناتٍ أو شياطين، بل بشر مثلنا، وإن انحرفت بوصلتهم، وضل طريقهم، ثم أن هذا الانحراف البغيض ليسوا هم وحدهم بالضرورة المسئولين عنه. إذ لا يولد الإرهابي أو يعيش في فراغ، بل يتفاعل مع واقع محيط، يوفر له إما المحفزات أو المثبطات لسلوكه العدواني. وحين يتسابق من بيدهم الأمر في توفير محفزات الفعل الإرهابي، ويتوانون عن تقديم مثبطاته، فإنهم يصبحون بلا ريب شركاء في المسئولية.

يقول الفيلسوف البريطاني تيري ايجلتون أن وصف العوام لفعل ما بأنه "شرير" معناه بالتبعية أنه "خارج حدود الفهم"، فهو شيء في ذاته، لا سياق له، ولا باعث عليه، ولا أسباب تفسره، ولذلك انتشر على نطاق واسع في مستنقعات السياسة الآسنة. إلا أن ثمة نظرة في الدراسات الأكاديمية لظاهرة الإرهاب أكثر شمولاً، وأقل تعصباً، وأضعف ارتباطاً بالخطاب السياسي والأيديولوجي. هذه النظرة تضع المشكلة داخل إطارها التاريخي والإنساني والاجتماعي، موقنة أن إماطة اللثام عن أسباب الإرهاب يتطلب أكثر من مجرد الإدانة والعقاب. فمثلاً في كتاب عالم السياسة الشهير بول ويلكنسون عن الحركات الاجتماعية تعريف لهذه الحركات لا يجعل من استخدامها للعنف مطية لاستبعادها من مظلة "الكينونة الاجتماعية". كذلك أبدى كثير من الباحثين (مثل إدوارد سعيد ونعوم تشومسكي وريتشارد فولك) تحفظات عديدة على استخدام تعبير "الإرهاب" الذي أسيء استخدامه ففقد معناه، وفضل آخرون استبداله بمصطلح "العنف السياسي".     

أنسنة الإرهاب لا تعفي بكل تأكيد من العقاب اللازم والعادل، لكنها تقر بأن كلاً من الجريمة والعقاب المترتب عليها إنسانيان في المقام الأول. هذا الإطار الإنساني يمثل في جوهره دعوة للفهم، وللإحاطة بطبيعة المشكلة، وأسباب نموها وتفاقمها، وسبل حلها. فالمؤرخون الباحثون في أسباب صعود هتلر - كما يشرح ايجلتون - لا يفعلون ذلك من أجل تبييض صفحته أو تبرئة ذمته، بل بغية الفهم والإدراك. وفي مصر المثخنة اليوم بالجراح لا سبيل إلى الحل إلا بالفهم، الذي يستدعي بالضرورة أنسنة الظاهرة، والذي بدوره يتطلب قدراً كبيراً من النضج والشجاعة والتجرد.    

***

أمضى المثقفون المصريون عقوداً يشرحون أن العمليات الإرهابية التي لجأ إليها بعض الفلسطينيون في غمرة يأسهم ولدت من رحم مأساتهم الطويلة: ضياع الأرض، وذل الاحتلال، وكبد المعاناة. ثم صمت أغلبهم عن ذلك المنطق حين ووجهت بلادهم بالإرهاب الداخلي، مفضلين الحل الأسهل، وهو صب اللعنات وإطلاق دعوات الانتقام. ففي ذلك درء لفريضة التفكير (وربما إراحة لضمائرهم المتعبة)، وتبرير لسياسات يصعب الدفاع عنها، وتحريض للآخرين على خوض معارك الجهاد المقدس، وإجهاض لأي أصوات تبغى الفهم وتسعى لنزع فتيل الحرب.  

الشيطنة سلاح ذو حدين. فمن زرع الشوك حصد الشوك، ومن بنى صروحاً من الهراء اليوم، تهاوت فوق رأسه في الغد، وكما يقول نيتشه: حين تحدق طويلاً في الهاوية، فإن الهاوية تحدق فيك هى الأخرى.         

 

د. نايل شامة

* نُشرت هذه المقالة بجريدة الحياة (بتاريخ 29 ابريل 2014).

   

Read on

Friday, April 4, 2014

مسرح العبث في السياسة المصرية


وجد مسرح العبث السياسي في مصر فضاءاً واسعاً وموطناً وثيراً، يسري بها عن متابعيه، ويضف البهجة الممزوجة بالحيرة والارتباك على أوقاتهم. يجتمع فوق خشبة هذا المسرح الشىء ونقيضه، وتُلبس الألفاظ عكس معانيها، وتتبدل المواقف في طرفة عين، وترتسم مساحة واسعة بين الخطاب والتطبيق، وتختفي أو تكاد رجاحة العقل وحصافة الإدراك. يتضاؤل بؤس عالم روايات جورح أوريل العبثي قياساً إلى لامعقولية الواقع، وتناقضاته الصارخة، ومآسيه المضحكة، ودعاباته المبكية.   
تراجع المنطق في الفضاء العام خطوات، وتقدمت للأمام كل العلل النفسية المناوئة للتفكير السليم، كحمى الخوف، وهيستريا المؤامرات، وداء التعصب، وسرطان الكراهية. وحين تستشري كل هذه الأوبئة النفسية في مجتمع إنساني فلا غرابة في أن تتبدل أولوياته، ومعاييره، ومفاهيمه. فتصبح السياسة مرادفة للأمن، ويتقزم الإعلام متحولاً إلى مجرد أداة للدعاية، وتُجبر المعارضة الوطنية غلى التواري (فالمعارضة خيانة)، وتصير "المصالحة الوطنية" مصطلحاً سيئ السمعة، ويضحى الاستئصال هدفاً قومياً.           
بداية، فإن معسكر السلطة زاخر بالتناقضات، والأمثلة أكثر من أن تحصى، يتصدرها قانون للتظاهر أصدرته حكومة أتت إلى مواقعها بفضل التظاهر، وبينما يقبع بسببه جمع من ثوار يناير خلف الأسوار يتمتع مبارك وبعض مساعديه الذين قامت الثورة ضدهم بالحرية. ثم أن وزير الداخلية الحالي صار لا يشير إلى جماعة الإخوان المسلمين إلا ناعتاً إياها "بالإرهابية"، على رغم أنها هي التي أتت به إلى منصبه. أما المؤسسات الدينية الرسمية فتورطت حتى أذنيها في مستنقع السياسة، على رغم سابق تأكيدها عدم جواز خلط الدين بالسياسة.       
ثمة تناقض أيضاً بين الخطاب الرسمي المفرط في التفاؤل وبين الواقع الطافح بالأوجاع. فبينما يعرب الفريق السيسي مثلاً عن تفاؤله بأن مصر ستصير "قد الدنيا" فإن أوضاع البلاد صارت في بعض المناحي أقرب إلى كوريا الشمالية (التي يُحاسب فيها المواطنون إن لم يصفقوا للقائد بالحماسة اللازمة أو لم يبكوا على رحيله بالحرارة الكافية) من أي بلد آخر. لا أدل على ذلك من أن في مصر – بلد التنوير والعقل وإنتاج الفكر - انبرى البعض مطالباً بمحاكمة دمى وطيوراً مهاجرة بتهمة التجسس، واعتقل طلبة مدارس من فصولهم لحيازتهم أدوات مدرسية عليها شعارات فصيل سياسي معارض، وحُكم بالسجن لأحد عشر عاماً على طالبات قاصرات تظاهرن بالبالونات واللافتات (فيما أفلت السواد الأعظم من قاتلي المتظاهرين السلميين من القصاص)، وشُغل الرأي العام بقضية دور "الكفتة" في علاج مرض الإيدز. أما حديث المسئولين المستمر عن "العرس الديمقراطي" و"الاستقرار" و"هيبة الدولة" المستعادة فهي أقاويل معلقة في السماء بلا وتد، لا سند لها في الواقع، ولا برهان إلا على غيابها.
والواقع أن باكورة عمل السلطة الانتقالية كان وعداً لم يتم الوفاء به. فالبيان الذي ألقاه الفريق عبد الفتاح السيسي في الثالث من يوليو الماضي مدشناً فيه خارطة الطريق تضمن من بين نقاطه العشر "وضع ميثاق شرف إعلامي يكفل حرية الإعلام ويحقق القواعد المهنية والمصداقية والحيدة وإعلاء المصلحة العليا للوطن" بالإضافة إلى "تشكيل لجنة عليا للمصالحة الوطنية". إلا أن هذين الوعدين اللذين التزم بهما جميع من وقفوا على المنبر يومها لم يتم تحقيقهما، ولا حتى الشروع في ذلك، بل صارا نسياً منسياً. ويشبه الأمر كثيراً التزام ثورة يوليو في بيان النقاط الست الشهير بإقامة "حياة ديمقراطية سليمة" الذي أعقبه في السنوات الأولى للثورة انكباب محموم على العصف بالديمقراطية، وإلغاء الأحزاب، وإقامة بنية نظام سياسي سلطوى عاش وأكل على ضفاف النهر وفي واديه لعشرات السنين.     
وفي حين سوغ الفريق السيسي تدخل الجيش على قاعدة أن إزاحة مرسي "أنقذت البلاد من حرب أهلية كانت مقبلة في غضون شهرين"، فإن هذين الشهرين تحديداً شهدا سقوط أكبر عدد من الضحايا المدنيين في يوم واحد في تاريخ مصر المعاصر (يوم فض اعتصامات أنصار مرسي)، فيما بلغ إجمالي عدد القتلى من الأطراف كافة في الأحداث السياسية التي جرت في الفترة من 3 يوليو وحتى 11 نوفمبر فقط أكثر من 2200 قتيل (وفق إحصاء ويكي ثورة)، وزاد عدد المصابين حتى 3 ديسمبر على خمسة عشر ألف مصاب. ومعروف أن "الحرب الأهلية" وفق أغلب التعريفات العلمية هي تلك التي يسقط فيها أكثر من ألف قتيل في صراع سياسي داخلي.
وعلى الجانب الآخر، فإن جماعة الإخوان المسلمين التي تتباكى منذ يوليو الماضي على "الديمقراطية" و"الشرعية الدستورية" لم يُعرف عنها في أدبياتها وسلوكياتها أي ولع خاص بتلك المفاهيم السياسية. فقد كان لمؤسسها الإمام حسن البنا موقف بالغ السلبية من الأحزاب السياسية، ولا يزال موقف الجماعة من الديمقراطية ملتبساً على رغم خوضها غمار الانتخابات النيابية منذ ثمانينات القرن الماضي. كما أن الرئيس محمد مرسي قدم في عامه الكئيب نموذجاً فريداً في مزج الديكتاتورية واحتكار السلطة بالخطاب الديني والمسوح الأخلاقية. أما ادعاء الجماعة "المثالية" الثورية والسعي لتحقيق أهداف الثورة والتصدي لهيمنة العسكر في السياسة فوعود كانوا هم أول من نقضوها إبان تولي المجلس العسكري حكم البلاد، حين أدت مواقفهم "البراجماتية" إلى شقاق مع الثوار، وهجران لميدان الثورة، وانغماس في بحر السياسة وتفاهماته ومواءماته.
أحوال الإخوان المسلمين تنطبق على غيرهم، إذ يعلم المتابعون للسياسة المصرية بعد ثلاث سنوات من الممارسة العملية أن اللافتات والانتماءات الأيديولوجية شيء والممارسة شيء مغاير (أو حتى متناقض)، فالليبراليون صاروا أقرب حلفاء المؤسسة العسكرية، يؤيدون مطالبها في الدستور، ويطالبون قائدها علانية بتولي قيادة البلاد – في ما يشبه الإعلان الرسمي للإفلاس، والتنازل عن الحكم المدني – ولا يحتجون كثيراً على خنق الديمقراطية وانتهاك الحريات. وفلول نظام مبارك وجماعات المصالح المرتبطة به صارت تتشدق الآن بالثورة وأهدافها، وتحتفل بها في ميدانها، وكأنهم صناع الثورة لا أهدافها. وأغلب المثقفين اقترب من السلطة أكثر من اللازم، وانغمس في العمل الإعلامي أكثر مما ينبغي، وانصرف عن الثقافة أكثر مما يحتمل.  
***
ثمة عفن واهتراء شديد في فضاء مصر السياسي، فكل الأطراف مشاركة بكل نشاط في سيمفونية العبث الرديئة، إما بالصناعة، أو التبرير، أو التواطؤ. وإذ تُنسب إلى الكاتب محمد حسنين هيكل عبارة "بحر السياسة جف في مصر"، فإن بحر المنطق جف أيضاً، وبحر الأخلاق صار أرضاً يابسة، إلا من بضع شجيرات تقاوم طوفان التصحر والهلاك. وبينما تجف البحور كافة، يبقى جريان النيل الخالد رمزاً لديمومة الوطن، وشاهداً على تغير أحواله، وباعثاً على الرجاء في مستقبل أفضل.   

د. نايل شامة

* نُشرت هذه المقالة بجريدة الحياة (بتاريخ 2 ابريل 2014).

 

Read on

Saturday, February 22, 2014

Egypt: Forgotten Lessons, Repeated Sins


Contrary to popular belief, Mark Twain never said that “denial ain’t just a river in Egypt”, but the phrase touches on a truth. Denial is not universally scarce, but in Egypt it is both a river and a way of life. This is quite understandable. To cope with tough times, Egyptians have resorted to a plethora of remedies and antidotes, including denial, amnesia and an enormously creative sense of humor. Egypt’s Nobel laureate Naguib Mahfouz, describing the psyche of the nation that clings to the present, hopes for the future and overlooks the past, summed it up well in his masterpiece Children of our Alley: “The lesion of our alley is oblivion.” The nation with the oldest history, ironically, has the shortest memory span.
But if ordinary Egyptians resorted to these psychological defense mechanisms as a means of survival, their rulers did so out of greed. Generalizations are slippery, but they are not always entirely futile. Based on the historical record, it is no exaggeration to argue that, once in power, the minds of modern Egyptian policymakers are afflicted with a lethal combination of denial, amnesia, shortsightedness, ignorance of history, suicidal indulgence in wishful thinking and surrender to the illusions of power — in short, subordination of logic to self-delusion.
Political leaders are, by definition, supposed to learn from the past and plan for the future, but the wisdom of hindsight and the art of foresight have mostly eluded Egyptian politicians. Obviously, if they assume that the past is meaningless and the future is guaranteed, then in the inner sanctum of power they are only left with the indulgences of the present, authority and affluence. Therein lies their present strength, and also their future vulnerability. Two examples from Egypt’s contemporary history tell the melodramatic tale of its rulers — jubilation, amnesia and eventual downfall.

The forgetful clique

Egypt’s ousted president Mohamed Morsi’s moment of glory was delivering a speech in Cairo’s iconic Tahrir Square on June 29, 2012. Morsi celebrated his election victory that day with his zealous followers, sipping the ecstasy of victory and relishing the long-delayed compensation and vindication for the arduous decades he had spent opposing authority among an outlawed, repressed group, the Muslim Brotherhood (MB). Amidst the intense euphoria, little did he or his cohorts expect that the celebration of the nascent freedom would soon be followed by a return to captivity and anguish, or that he himself would precipitate this fate.
In his impassioned speech, Morsi touched on the struggle of past generations that finally came to fruition with the election of Egypt’s first civilian president after decades of dictatorship and plunder. He rambled on about the “tree of freedom” that had been planted by the generations of the 1920s, the 1930s, the 1940s, the 1950s — but he paused when he mentioned the 1960s, and his tongue slipped. “The 1960s, you do not want to know about the 1960s,” he said.
Morsi’s allusion to the 1960s was easy to understand. The MB had experienced its worst ordeal in the prisons of the late Egyptian president Gamal Abdel-Nasser (ruled 1954-1970). The memoirs and testimonies of the Muslim Brothers who were incarcerated at the time are replete with horrific prison tales: torture of Muslims by fellow Muslims, echoing screams from dark cells and guards whose absence of mercy knew no limits. It was in these wretched prisons that Sayyid Qutb (1906-1966), the Islamist theorist and MB leader, was imprisoned and hanged. These distressing stories reverberated through, were engraved on, the Brothers’ psyche, one generation after another.
Morsi took the helm. But it is one thing to seize power, and another to sustain it. His year in power commenced with great expectations. It ended in a fiasco of his own making. Morsi’s faults as president included power grabs that perpetuated authoritarianism; the pursuit of divisive policies that undermined national unity and stability; the deployment of an extremely poor and unpersuasive political discourse; catastrophic administrative inefficiency; and a lame foreign policy. At the psychological level, Morsi and the clique of senior MB leaders failed to bond with the people they strove to rule. They lacked charisma and charm, experimented with governance like toddlers do with toys, and committed blunders day and night. To add insult to injury, the MB seemed to put the interests of the group above the interests of the nation, giving the impression they were a group in itself and a group for itself.
Morsi seemed unaware of the fact that his popularity had dwindled to a dangerous point by the first months of 2013 — or else he didn’t care. He could have defused public anger in many different ways but he opted for inaction, which in times of crisis is tantamount to suicide. Widespread popular indignation culminated in the June 30 mass protests which paved the way for Morsi’s dramatic ouster by the military on July 3. But the state apparatus did not limit itself to conducting early presidential elections as the anti-Morsi protestors demanded. Instead, it embarked on a more comprehensive change that was premised on crushing the MB, tarnishing the 2011 revolution and restoring the clout of the security apparatus— a swift return to the habits of the authoritarian state.
So, in a tragic irony, Morsi, who had recalled the 1960s on his first day in office, confidently pledging that decade’s notorious ways would never re-occur, became the pretext for the return of its ethos to Egyptian politics. The 1960s’ republic of fear has returned, this time more forceful and more ghastly. Since Morsi’s removal there has been an unprecedented use of (excessive) force against protestors, crackdown on dissenters and stifling of freedom of expression. According to Wiki Thawra, an initiative established by the Egyptian Center for Social and Economic Rights to document the victims of Egypt’s political violence, over 21,317 people were detained between June 30 and December 31, including more than 330 minors (1). Worse, 1,400 people have been killed (mostly by the security forces) since July 3 (2).
The wrath of the state reached its zenith on August 14, 2013 with the bloody dispersal of the encampments of Morsi’s supporters in Cairo that left hundreds dead and thousands injured, representing one of the worst days of violence in Egypt’s modern history. By the evening of that day, the camp of Rabaa in east Cairo (which protestors had transformed into an Indian shantytown) had been reduced to what resembled a battlefield in Syria’s bloody civil war. When the clouds of tear gas dissipated, the magnitude of the tragedy appeared. Images captured rows of corpses wrapped in bloodstained white sheets, wrecked and burned cars, and debris eerily scattered all over. For a moment, it seemed as though a scent of death was floating in the air or that crows were flying amidst the black clouds, croaking the story of Egypt’s failed democracy and ending the power dreams of the MB.
Indeed, in a sense, June 29, 2012 and August 14, 2013 in turn represented the climax and anticlimax of the MB’s brief post-revolution power venture. This fate could have been avoided if only Morsi and his aides had realized that history can repeat itself. It takes no political literacy to know that we are what we remember and that we are condemned to repeat what we forget.

The blind state

The modern state in Egypt, established following the 1952 Free Officers coup, was not only ubiquitous, stretching its presence in all directions and domains, it also bestowed on itself an aura of metaphysical prowess. It thought it was invincible, and it wanted others to think the same way. Because prestige reinforces survival, the state, and its squad of representatives, allies, clients and puppets, strove for decades to make Egyptians believe not only that the system was unbreachable, but also that their own wellbeing was conditioned on the survival of the system.
Then came the events of January 28, 2011, shattering this psychological edifice, perhaps for good. The revolution began on January 25, but its most dramatic and decisive day was January 28 — “Friday of Anger”. Following the Friday prayers, peaceful demonstrators marched to Tahrir Square in the millions, while smaller provincial demonstrations targeted local police stations in Cairo and other cities with shouting, rocks and Molotov cocktails. Around 100 police stations were burned or damaged in the span of a few hours. The scenes were surreal, hitherto unthinkable. Egyptians held their breath as they saw police stations—places they had avoided in the past for fear of mistreatment—consumed by fountains of flame and turned into black facades, atop heaps of rubble and overlooking ruined police trucks.
By the evening, there were no police officers on the streets of Cairo, not even traffic officers. It looked as though they had vanished into thin air, or as if they had been swallowed by a black hole. The army and popular committees filled the security vacuum in the neighborhoods. But the Mubarak regime had breathed its last with the collapse of the police, although its official death was only announced through Mubarak’s resignation two weeks later. Mubarak had finally lost his stick, and no carrots could convince protestors to leave Tahrir, the hub of the revolution, and go home.
But forgetfulness, we must not forget, is the plague of our alley, and it is endemic in the state’s upper echelons. Following the downfall of the MB, the police state again used brute force to quell dissent and restore order — the same misguided methods that had led to the eruption of the revolution in 2011. Old habits die hard, foolish habits die harder. The police apparatus quickly forgot that the activists who called for a day of demonstrations against Mubarak in 2011 had deliberately picked January 25 — Police Day in Egypt. Mubarak’s regime deserved to go for many reasons, but a single cause of people’s indignation was the culture of humiliation sponsored by his interior ministry.
It is easier to forget the past than reflect upon it. It is not astonishing that those who are long on muscles but short on brains are so unaware of the lessons of history. After all, Egyptian police officers seem to be more interested in dominating the country than understanding it. But the velocity with which memories of near history are erased — including scenes witnessed with one’s own eyes — is unfathomable. Thomas Jefferson once said “power is not alluring to pure minds.” Otherwise it can become recklessly blind and deaf, forgetting that plummeting from the summits of political might can happen in the blink of an eye.
The wide-scale repression has already backfired; it is terrorism’s most effective catalyst and raison d’être. The Rabaa massacre and the state repression that preceded and followed it played into the hands of jihadist fighters, who are waging an insurgency in Sinai and slowly creeping into Cairo and the Delta region. It has also alienated the revolutionary youth, who feel that their revolution has been stolen, that their struggle has gone in vain. Let there be no doubt, they will soon rebel again. And although another January 28 is not imminent, it is inevitable if the state continues to act in a way that is out of touch with history and out of touch with morality.
Egypt’s lamentable modern history has followed a circular rather than linear pattern. A single step forward was followed by ten steps back and countless massive defeats were punctuated by meager gains. But the future will come one day. In preparation for it, Egyptians must not forget the lessons and must not forgive the sinners.

Nael M. Shama

(1) Sarah Carr and Leyla Doss, “Too Many to Count,” Mada Masr, 31 January 2014.

(2) Amnesty International, “Egypt Three Years on, Wide-Scale Repression Continues Unabated,” 23 January 2014.

* This article appeared first on the website of Le Monde Diplomatique (English) on February 20, 2014.

Read on

Tuesday, December 17, 2013

Cairo and Moscow: Limits of Alliance


Egyptian-Russian relations have recently been marked by a substantial increase in diplomatic activity amid a media frenzy over a potential arms deal. These developments have given rise to suggestions that Egypt's foreign policy is shifting away from the United States and toward Russia—a major realignment given Egypt's extensive political and military ties with the United States since the 1970s.
The flurry of Egyptian-Russian diplomatic activity in the past months has indeed been remarkable. The visit of Egypt's foreign minister Nabil Fahmy to Moscow in September was followed in October by an unusual visit to Cairo by the Russian intelligence chief, Viackeslav Kondraskou. In November, an Egyptian popular diplomacy delegation that included former diplomats, former MPs, public figures, journalists, and artists visited Moscow to "express appreciation" for Russia's support of the "June 30 revolution,"[1] a Russian warship docked at the port of Alexandria for the first time since 1992, and a high-level Russian delegation including Foreign Minister Sergey Lavrov and Defense Minister Sergei Shoigu visited Cairo to hold talks with their Egyptian counterparts.
The timing and pace of the expansion of bilateral ties with Moscow has been primarily seen against the backdrop of Cairo's relations with the United States, its key strategic ally and military donor. These relations have been bedeviled since the removal of President Mohamed Morsi last July. Although the United States has acknowledged the status quo in Egypt and avoided labeling the regime change as a "coup," it has undertaken a number of punitive measures that produced a chasm between it and Egypt's interim government and defense establishment. Troubled by the bloody crackdown on Morsi's supporters in August, the Obama administration called off the biannual joint U.S.-Egypt military exercise "Bright Star" and halted the delivery of military hardware to Egypt, including F-16 fighter jets, Apache helicopters, Harpoon missiles, and tank parts.
The Egyptian rapprochement with Moscow seems to reflect an Egyptian interest in creating balance in its foreign relations by diversifying its alliances and minimizing its heavy reliance on Washington. It is also driven by the rising Russian influence in Middle East politics, particularly in the Syrian conflict, and by a shared Russian-Egyptian interest in combating militant Islamic groups. However, there are a number of reasons why it is highly unlikely that Egypt's leadership aims to substitute Washington with Moscow as its chief international patron.
First, the Cold War's bipolar structure, which allowed developing countries to play superpowers against each other in order to extract political and economic concessions from both, collapsed more than 20 years ago. Russia today is neither capable of supporting Egypt as generously and defiantly as the Soviet Union did in the 1950s and 1960s nor is Egypt as strategically significant to Moscow as it was at the height of U.S.-Soviet rivalry. Egypt's leaders certainly realize the constraints imposed by the U.S.-dominated global configuration of power and have repeatedly emphasized that their interest in developing closer ties with Moscow does not come at the expense of their strategic alliance with the United States. Asked by the daily Kuwaiti Al-Siyasa about whether Egypt intends to introduce changes to its alliance with the United States and the European Union, General Abdul-Fattah el-Sisi, the Commander-in-Chief of the Egyptian Armed Forces, said that "Egypt's morals" and political "prudence" do not sanction such maneuvers.[2]
Second, the deep, cumulative effect of more than three decades of close Egyptian-American cooperation, particularly on the military and security fronts, makes such closeness unlikely to fundamentally diminish. Military cooperation between the two countries has developed over the years into a multifaceted program that includes, from the United States, a generous $1.3 billion annual aid package, substantial armaments supplies, training of Egypt's military personnel in the United States, and transfer of technology. Egypt provides the United States with a guarantee of secure naval passage through the Suez Canal, the provision of military facilities, and limited access to Egyptian airfields. The two countries also coproduce weaponry and conduct joint military exercises. Any attempt to dismantle this edifice would be financially costly to the Egyptian military and practically difficult.
The working relationship between Egypt's array of security agencies and their American counterparts is likewise solid and deep-rooted. Joint cooperation in the fight against terrorism intensified after 9/11 and has continued unabated. In a recent interview with the Washington Post, the director of Egypt's General Intelligence Service, Mohamed Farid el-Tohamy, said that he is "in direct contact with [Director] John Brennan at the CIA and the local station chief, more than with any service worldwide."[3] Information sharing with U.S. intelligence agencies is expected to increase in light of the intensification of Egypt's war against militant insurgents in Sinai.
Third, diplomatic relations between any two states are bolstered when the political elites of both countries are tied by like-mindedness and congruence of opinion. One reason behind Egypt's sudden turn to the West in the 1970s was the personal disposition of its leader, Anwar Sadat, who disliked the Soviets, describing them once as a “crude and tasteless people."[4] In contrast, the harmonious friendship American politicians (particularly President Jimmy Carter) developed with Sadat played a substantial role in facilitating the conclusion of the Camp David Accords in 1978.
Despite strong disagreement between Egyptian and American officials over the events accompanying and following the removal of Morsi, there is nonetheless a deep attachment to, and even admiration for, the values and ethos of the West among the majority of Egypt's top brass. None of them witnessed the golden age of Egyptian-Soviet relations, which was forged in the mid-1950s and lasted until the mid-1970s. El-Sisi was only 18 when Sadat, in 1972, expelled the Soviet military advisors who had been stationed in Egypt since the country’s disastrous defeat by Israel in 1967, effectively ending what had represented the zenith of Egyptian-Soviet military cooperation. Egypt's senior military officers thus have no special affection for Russia or its military doctrines. The majority of them, including el-Sisi, received training in the United States and/or have participated in joint military exercises with the United States.
Fourth, major foreign policy realignments generally follow major domestic political changes, such as profound revolution, key changes in leadership, or the restructuring of socioeconomic policies. The change of regime in Egypt this past summer did not establish a new state with new institutions, doctrines, and aspirations, but rather brought back the old state, reviving its security apparatus and reinforcing its deep-rooted patterns of alliances. The massive crackdown on protestors, the return of Mubarak loyalists to positions of prominence, and the restoration of the alliance between the security apparatus, the bureaucracy, and the business community attest to the return of much of the pre-2011 state. And, as Egypt's foreign policy did not witness much change under the rule of the transitional SCAF government and then under Morsi, it is unrealistic to expect a revolutionary change in that policy today.
It can be argued that Egypt's flirtation with Russia does not mean a shift in the country's foreign policy away from the United States as much as an attempt to induce the United States to shift its Egypt policy back to where it was before. In fact, Mubarak often employed this tactic of getting closer to competitors or enemies of the United States, such as Iran, in order to pressure the United States and to arouse concern among American politicians about the prospect of losing Egypt, encouraging them to amend unfavorable policies.
Whether one looks at Egypt's relations with Russia and the United States from a geostrategic standpoint, the perspective of political elites, or the angle of domestic political structure, the conclusion reached is the same: Egypt seeks closer ties with Russia, but it remains allied to the United States, the current crisis in bilateral relations notwithstanding. Egypt's relationship with Washington has indeed bent many times over the past decades, but it has never broken. A massive change in Egypt's foreign policy behavior will only occur if a massive change takes place in the underlying determinants of that behavior.

Nael Shama
* This article appeared first on the website of the Middle East Institute on December 16, 2013.  

[1] Joel Gulhane, "Popular Delegation Travels to Russia to Express Appreciation," Daily News Egypt, 7 November 2013, http://www.dailynewsegypt.com/2013/11/07/popular-delegation-travels-to-russia-to-express-appreciation/.
[2] "El-Sisi to the Kuwaiti Al-Siyasa: Those Who Realize the Magnitude of Egypt's Problems Will Not Enter the Presidential Race," Al-Araby, 21 November 2013, http://www.alarabynews.com/?p=126642.
[3] David Ignatius, "The Future of Egypt's Intelligence Service," The Washington Post, 11 November 2013, http://www.washingtonpost.com/blogs/post-partisan/wp/2013/11/11/the-future-of-egypts-intelligence-service/.
[4] Ali E. Hillal Dessouki, "The Primacy of Economics: The Foreign Policy of Egypt," The Foreign Policies of Arab States: The Challenge of Change, Bahgat Korany and Ali Hillal Dessouki, eds. (Boulder, CO: Westview Press, 1991), 166.

Read on