Saturday, April 7, 2018

عن أشباه الدول في العصر الحديث


انشغل الرأي العام الأمريكي لشهور طويلة بقضية جنائية هي بلا شك من أكثر القضايا إثارة للمشاعر الجياشة، ما بين تعاطف مع الضحايا وحنق على المتهم ورغبة في إيقاع أشد أنواع العقاب به. تتعلق القضية بالطبيب الأمريكي لاري نصار الذي قام على مدار نحو عشرين عاماً قضاها كطبيب لفريق الجمباز الأمريكي للسيدات بالتحرش الجنسي بمئات الفتيات في سن الطفولة والمراهقة. أوضحت التفاصيل المفجعة للقضية كيف تحرر المتهم - المدان الآن والمحكوم عليه بالسجن لفترة تتراوح بين 40 و 175 سنة - من كل وازع أو ضمير، فنهشت يداه أجساد الفتيات، مما تسبب لهن في أثر نفسي مدمر ظل يلازمهن رغم مرور السنين، كما أدى إلى انتحار والد إحداهن.
انخلعت القلوب وهي تستمع لشهادات الضحايا الأبرياء وهن يذرفن الدمع أنهاراً وترتعش حناجرهن فيما يشرحن كيف اغتصب نصار - الذي أسمته وسائل الإعلام "بوحش الأطفال" - بكارة الفتيات الصغيرات، وكيف دمر حياتهن وحياة أسرهن. قالت إحداهن أن في ذاكرتها ثقوباً سوداء تعود لتهاجمها حتى الآن في كوابيسها، وقالت أخرى مخاطبة المتهم: لم أستطع أن أكون شخصاً طبيعياً بعد ما فعلت بي. لقد فقدت جزءاً كبيراً من طفولتي بسبب ما تعرضت له. وقالت ثالثة: لقد تركت ندوباً على روحي لا أعتقد أنها ستندمل أبداً. 
توالت الشهادات تقطع نياط القلب، ثم وصلت الدراما الإنسانية أثناء الاستماع لإفادات الضحايا إلى ذروتها حين قام والد مكلوم تعرضت بناته الثلاث لانتهاكات جسيمة من قبل نصار بمحاولة الانقضاض على المتهم داخل قاعة المحكمة، فانبرى له في ثوانٍ خاطفة حرس المحكمة، وأوقعوه أرضاً قبل أن يتعرض له. هذه اللقطة الأخيرة جديرة ببعض التأمل، فمهما اقترف المجرم من جرائم، ومهما بلغت درجة السخط عليه، يبقى أن له كمتهم ومدان حقوق وضمانات تحميه من بطش الضحايا وذويهم.
في مقابل هذا المشهد الكاشف، تأمل ما يحدث في بلادنا العربية يومياً من عصف وتنكيل بكل حقوق المتهمين، يزداد كلما ازدادت بشاعة التهم الموجهة إليهم. ففي حالات الاتهام بالقتل أو الاغتصاب أو الإرهاب، نجد من يستحل لنفسه إهانة المتهمين، والتعدي عليهم بالقول أو الضرب، متناسياً أولاً أهم قاعدة قانونية يعرفها الجميع، وهي أن المتهم برئ حتى تثبت إدانته، وأن بشاعة التهمة لا تنفي أبداً تلك القاعدة الذهبية، وما يتصل بها من قواعد مثل أن الشك يفسر دوماً لصالح المتهم، وأن عبء إثبات التهمة يقع على النيابة. ثم أن الإدانة إن وقعت فمؤداها أن يظل العقاب بيد الدولة ومؤسساتها القانونية، لا أن يتم إنزال العقاب بصورة عشوائية همجية تستجيب لشهوة الانتقام ودفقات الغضب.
يصل الأمر إلى أكثر ما هو فداحة حين تقوم بتلك الاعتداءات المشينة قوات الأمن - أو إنفاذ القانون - نفسها. وفي بعض الأحيان يصل الأمر إلى أن تقوم هذه القوات "بتصفية" المتهمين على رؤوس الأشهاد، بل والإعلان عن ذلك بلا مواربة في البيانات الرسمية وكأنهم بصدد التبشير بفتح مبين. يتناسى هؤلاء وأولئك أن هذه دولة وليست قبيلة، وأن مواجهة الإرهاب والجريمة ليست عراكاً في شارع يتم فيه ضبط لص متلبساً بسرقة دابة أو حبل ملابس، فيبادر أهل الحارة إلى صفعه على قفاه وكل ما وصلت إليه أيديهم وأرجلهم في جسمه، وهم يتصورون أن في ذلك انتصار للحق وانتقام من السارق الدنئ.
ما هكذا تدار الأمم.
لقد أقرت كل التشريعات القانونية الحديثة لائحة طويلة من الضمانات والحقوق للمتهم سواء أثناء مرحلة التحقيق الابتدائي أو أثناء مرحلة المحاكمة. تتضمن تلك الحقوق حق المتهم في السكوت، وفي الاستعانة بمحام، وفي معرفة السبب وراء توقيفه، وفي الدفع ببطلان إجراءات التحقيق، وأن يحاكم المتهم بواسطة سلطة قضائية مستقلة، وأن تكون الجلسات علنية، وأن تتم وفق إجراءات سليمة تحفظ حقوق المتهم وكرامته. كل تلك الضمانات وغيرها الكثير لم تُشَرع من باب تدليل المتهم، بل بغية الوصول إلى الحقيقة عبر إعلاء سيادة القانون وضمان التوازن بين حقوق الدفاع وبين حق المجتمع في القصاص.   
الثابت أن الالتزام الدقيق بنصوص الدستور والقانون هو الخط الفاصل بين فسطاطي الحضارة والبدائية. ففي زمن الشعوب البدائية كانت الغريزة العفوية هي المحرك الرئيسي للفعل ورد الفعل في شتى مناحي الحياة. أما وقد قامت الحضارات منذ آلاف السنين فقد استبدلت المشاعر بالنظم، والغرائز بالقوانين، والأعراف بالنصوص. ومع التطور الإنساني صار للدول دساتير وتشريعات ولوائح تنفيذية شاملة، تنظم وتحدد بأدق التفاصيل حياة المجتمع في سائر الأوجه. يشمل ذلك التنظيم بالطبع قضاءاً متعدد الدرجات يحفظ حقوق الجميع، ويبتغي تحقيق العدل مسترشداً بتراث قانوني ضخم تم تطويره وتنقيحه وسد ثغراته عبر مئات السنين.    
يجدر الذكر في سياق الحديث المتكرر عن "الدولة" وسبل نهضتها أن قوة الدولة لا تقاس ببطش الأجهزة الأمنية، أو إطلاق العنان لها لتعيث في الأرض فساداً طالما تحدق بها أخطار أو يتربص بها أشرار. وأن معيار الدولة الحق هو أن تكون بلا مشاعر أو أهواء أو انحيازات أو ضغائن، وأن مقياس الحكم عليها دوماً هو التطبيق الصارم للدستور والقانون. الأفراد عرضة لأن يكونوا هوائيين، تجرفهم مشاعرهم ذات اليمين وذات اليسار، أما الدولة فلا ينبغي أن تكون كذلك، وإلا فقدت أهم مقوماتها كدولة تنتمي للعصر الحديث، وصارت بحق "شبه دولة"، عبئاً على مواطنيها وعالة على العالم.  
ببصيرة نافذة وعبارة موجزة، لخص العالم النفسي سيجموند فرويد المسألة حين قال أن الحضارة بدأت أول مرة حين قام رجل غاضب بإلقاء كلمة بدلاً من قذف حجر. ذلك بالضبط هو الفارق بين عصر البربرية ونزقه وأدواته وبين عصر الحضارة ومنطقه ومؤسساته. فمن فيهما يستحق أن تُرفع أعمدته وتُنشر مبادئه؟  

د. نايل شامة     
* نُشرت هذه المقالة بموقع الحوار المتمدن (بتاريخ 8 أبريل 2018م).

Saturday, February 24, 2018

نواياكم الطيبة تفرش الطريق للجحيم


ثمة قطاع كبير في النخبة المصرية بتعريفها الواسع يدعو للإعجاب والحسرة في آن. أفرادها - رجالاً ونساءً - أناس أفاضل، حسنو الخلق طيبو النفس، مسالمون ومهذبون، بعيدون عن الدنايا والصغائر، يعاملون الجميع بالحسنى، ولا يعتدون على أحد. أكفاء في تخصصاتهم حقاً، منهم الأطباء والمهندسون والصحفيون وأساتذة الجامعات وسائر تخصصات التكنوقراط. هم مواطنون مثاليون فيما يبدو.
تراهم بالإضافة إلى ذلك يهرعون باستمرار لفعل الخير وبذل الصدقات. تجدهم بنوايا صادقة وضمائر متقدة في مقدمة الصفوف إن احتاجت إلى مجهوداتهم وحافظاتهم مستشفيات الأطفال أو مدارس ذوي الاحتياجات الخاصة أو القرى الأكثر فقراً. ينفقون عن إيمان عميق بأهمية العمل الخيري في التنمية ورفع البلاء عن المكلومين. كما أن حبهم للوطن يبلغ حد العشق. يرتبطون به ارتباطاً عضوياً لا تنفصم عراه. تنخلع قلوبهم إن ألمت بالبلاد الملمات، وترقص قلوبهم طرباً لانتصاراته وأفراحه.  
لكن هل يكفي هذا؟   
الواقع أن كل هذا يبقى مع بالغ الأسف هباءاً منثوراً لا يغني ولا يسمن من جوع، ليس فقط لإنه غير مجدٍ في وطن أكل الدهر على مقدراته وشرب، وتداعت عليه الأمم استخفافاً وطمعاً، بل لأن إسهاماتهم على سخائها ومشاعرهم الطيبة على عمقها تعد جزءاً من مشكلة الوطن الأزلية لا حلاً لها.
الأزمة متعددة الأوجه. أولها - وأهمها - أن جل مجهوداتهم غير مسيس، وتلك مشكلة كبرى. فما خرج عن نطاق السياسة - بإطارها القانوني والحضاري والإنساني - خرج من الحياة برمتها، وبالتالي لن يودي أبداً إلى تقدم، أو يفضي إلى نهضة. السياسة في واقع الأمر تشمل كل شئ في حياتنا، هي كسرة الخبز وصحفة الطعام وكوب الماء وحبة الدواء ولفافة التبغ وضمادة العلاج وتذكرة الترام، وهي السكن ومستوى الخدمات والأسعار والفساد والشفافية وكرامة المواطن، هي الماضي والحاضر والمستقبل. ولذلك قال أرسطو منذ ألفي وأربعمائة عام أن الإنسان "حيوان سياسي"، لأنه بعكس كل الكائنات الأخرى يتفاعل باستمرار مع غيره في إطار واقع اجتماعي وسياسي، معتبراً أن الكائن الذي لا موقف وانتماء سياسي واضح له لم يسمُ بعد لمستوى الإنسان الحق.
ولذلك فإن عملية تنحية السياسة عن أفكار الناس وعن المجال العام الجارية على قدم وساق إنما هي عملية تحايل بامتياز (مهما تمأسست بالوعد والوعيد، مستعينة بأدوات القوة ورأس المال وأفانين الكلام)، إذ هي تنحي عن الحياة أهم ما فيها وتختصرها في مجرد شكليات وممارسات اجتماعية بروتوكولية كهز الرؤوس وتنهدات الحسرة وتمتمات الأمنيات الطيبة. وعليه، فإن فعل الخير مثلاً ليس منفصلاً أبداً عن جوهر السياسة، مهما بدا غير ذلك. فالعطاء ليس جنيهات تعطى للمريض والفقير والمحتاج دون التطرق للأسباب التي أودت بهم ابتداءً لدائرة العوز والمرض.
لكن عالبية أفراد تلك النخبة لا يطرحون تساؤلات أو يزنوا مسلمات أو يدعون لمساءلة، وبذلك فإن ما يفعله هؤلاء من "خير" - وهو قطعاً مؤثر في أوساط واسعة من المجتمع - يديم أوضاعاً قائمة، تظلم الإنسان وتنشر الزيف وتؤجل المستقبل. غاية ما يمكن أن تفعله هو تخفيف جزئي لألم كاسح. كمن يعطي مريض الداء العضال دواءاً مخففاً للصداع، أو من ينعم على إنسان مصلوب على سارية التعذيب بقطعة حلوى، يمضغها لهنيهة قبل أن يعاود الجلاد مهمته السرمدية.  
المعضلة الثانية هي أن هؤلاء لا يدركون هول الموقف وفداحة الكارثة في هذا الزمن البائس الهشيم. مما يسهل من استغلال مشاعرهم الطيبة من قبل السلطة، أي سلطة، اعتماداً على تشوش الرؤية واختلال المفاهيم. على سبيل المثال، إن عدم القدرة على التمييز بين مفاهيم الوطن والدولة والنظام والحكومة، وإلقائهم بالجملة في سلة واحدة، يمكن أن يجعل من حب الوطن مطية لتأييد حاكم (أو جماعة حاكمة) قد يكون هو نفسه أحد أهم عوامل التردي المهيمن على الوطن. وبذلك فهم - على مذبح الوطنية الشماء - يطعنون الوطن في عنقه بأريحية كستنائية وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.
بالمثل، فإن المشاعر الدينية الجياشة يمكن بناءً على مصالح النخبة الحاكمة تبديلها، أو توجيهها في إطار دون آخر، أو حتى قلبها رأساً على عقب. لذلك وجدنا هؤلاء الطيبين المتعلمين تارة يؤيدون الحرب (لأن الجهاد فرض)، وتارة يدعمون مسيرة السلام (عملاً بالآية الكريمة "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها")، تارة يدعمون الرأسمالية (فقد أقر الإسلام الملكية الخاصة)، وتارة يدعمون الإجراءات الاشتراكية (ألم يقل الرسول أن "الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار"؟). ثم هم تارة يًدفعون إلى دعم الديمقراطية والتعددية السياسية، وتارة أخرى إلى الاعتقاد بأن الديكتاتورية هو أنسب نظام سياسي لشعوبنا.
المشكلة أن هذه النخبة، وإن كانت صغيرة حجماً قياساً إلى مجموع سكان الوطن، لكنها عظيمة تأثيراً بحكم أن أعضائها أفضل تعليماً، وأكثر امتلاكاً للثروة، وأكثر ظهوراً في وسائل الإعلام وفي دوائر التأثير السياسية والمالية. ليتهم أدركوا أن الوجود الإنساني في حد ذاته عبء، أن التأثير مسئولية، وأن التقاعس عن المسئولية جرم كبير، وأنهم يضرون من حيث أرادوا النفع. ألم نسمع منذ الصغر عن الدبة التي قتلت صاحبها من قرط الوفاء منزوع العقل؟ فالتفكير والوعي وإعمال العقل جزء من كينونة الإنسان وعلاقته بمحيطه، فلا قيمة لحب بلا وعي، ولا لإخلاص بلا حصافة.
باستمرار الأطراف كلها في أداء أدوارها المرسومة بلا تغيير، تستمر المسيرة الجنائزية الحزينة المهيمنة على حيواتنا منذ مئات اللسنين: أوضاع مزرية تنوء بها القلوب، ونوايا طيبة لا مردود لها، وعجلة شرسة لا تتوقف عن الدهس والهرس، وجوقة ترقص وتقرع الدفوف على لحن الإنجازات البالي، وتبشر في قاع العتمة بنصر قريب، ووطن أحوج للتغيير يغلق بابه ويوصد مزلاجه وكأنه ليس في الإمكان أفضل مما هو كائن، وسلطة تمتطي هودجاً أعرجاً في عصر الصواريخ والإنترنت فائق السرعة. هل أخطأ ادوارد سعيد، ولو قليلاً، حين اتهم المستشرقين - مثل جيرار دي نرفال وادوارد لين وجوزيف كونراد وسائر كتاب الخطاب الكولونيالي - برؤية الشرق من زاوية استاتيكية تغفل حركة التاريخ فيه؟ على هذه الأرض ثمة أشياء لا تتحرك كثيراً.   
لكن هذا المصير الذي تساهم هذه النخبة الساكنة في استدامته ليس بالطبع قدراً محتوماً. ففي مقابل الجمود المهلك، يوجد التغيير البهيج الذي هو جوهر الوجود الإنساني وسر تطوره. ذلك التغيير الذي شغل كثير من الفلاسفة، من فلاسفة اليونان والصين منذ آلاف السنين، وحتى هيجل وماركس في القرن التاسع عشر، وأنطونيو جرامشي وميشيل فوكو في القرن العشرين. يشمل هذا تغييراً في علاقة الفرد بالدولة، وتغييراً في دور وكفاءة مؤسسات المجتمع، وفي القيم الحاكمة للمجتمع، وفي العلاقات الإقتصادية بين طبقات المجتمع وعلاقتهم ببعضهم البعض. هو باختصار تغيير مبتغاه مجتمع أكثر عدلاً وإنسانية ورحمة وسعادة ورفاهية.  
ترى ما هو موقف هذه النخبة من تغيير كهذا؟ وإن هلت بشائره، فما عسى يكون موقفهم من الصراع الذي سيتولد بالضرورة بين قوى التغيير والقوى المستفيدة من بقاء الوضع الراهن؟ هل سيقفون في صف الماضي على حساب المستقبل؟ تلك أسئلة مثقلة بالهواجس والقلق، فعلى أرفف التاريخ المصري الحديث، نماذج عدة من كوارث مريعة ساهمت بها النخبة المتعلمة، صمتاً وغفلة. ألم يرقص بعضهم إبان تنحي عبد الناصر في خضم كارثة الهزيمة المريرة؟ ألم يساندوا قرارات السادات العنترية في سبتمبر الغضب؟ ألم يلبثوا على أريكة الكسل لثلاثين عاماً وهم يتصورون أن صولات وجولات مبارك في الفساد والاستبداد والتوريث هي "العبور الثاني لمصر"؟      
***
شبه الفيلسوف اليوناني هيراقليطس التغيير بالنهر. فكما يستمر النهر في التدفق والعطاء، وهي مسألة حتمية وأبدية، يجب أن يظل التغيير عملية مستمرة. وإذا كان هذا حال كل نهر وكل حضارة، فما البال بنهرنا الآسن الذي انطفأت فراديسه، وجفت غدرانه، وهرب اليمام من شاطئيه واستوطنت رياح السموم الوبيل ضفتيه؟ وما البال بوادينا المنهمر بالحياة الميتة والليال الدوامس، أرض الثكالى والمرضى، حيث الدماء مستباحة، والأرواح مهدرة، والعقل في سبات عميق، والناس تسقط أعمارهم في مسيرة السعي وراء البقاء، أرواحهم معلقة في ذؤابة الألم، ومن شرفات عيونهم يطل القهر والكمدرواخهم أ.
لا وقت لدفن الرؤوس في رمال الخيلاء الكاذب،  فلنبادر بالتغيير قبل أن تأتي نار سقر فلا تبقي ولا تذر.

د. نايل شامة
* نُشرت هذه المقالة بموقع المنصة (بتاريخ 24 فبراير 2018م).


Thursday, February 1, 2018

The Scourge of Petrodollars

The Middle East, perhaps more than anywhere else, is a region of contrasts and contradictions, the kind that life throws our way to teach lessons and lift the fog of ignorance. One of those popped up last month when the New York Times spared no detail in describing the world’s most expensive home, a chateau near Versailles owned by the Saudi Crown Prince Mohamed bin Salman. With text and image, the article described at length the exquisite chateau and its 57-acre landscaped park: ceilings adorned with chandeliers and fresco paintings, Carrara marble statues, an underwater chamber with fish swimming overhead, and the park’s gold-leafed fountain and hedged labyrinth. An earthly paradise, no doubt.       
In his short-yet-speedy ascent to power, which included his appointment as minister of defense in 2015 and as crown prince last June, Mohamed bin Salman (often referred to by the English acronym MBS) has exhibited a penchant for a lavish lifestyle and splurge spending. The list of splashy purchases he made over the past two years includes a $500 million yacht, the record-breaking $450 million “Salvator Mundi” painting by Leonardo da Vinci and that $300 million French mansion. Rather ironically, MBS acquired these extravagances against the background of a Saudi budget deficit totaling 297 billion riyals in 2016; growing poverty and high youth unemployment; the recent detention of hundreds of businessmen and princes on opaque anti-graft charges; and massive spending on a pointless war on Yemen.
In foreign relations, MBS (the de facto Saudi ruler since 2015) has wrought havoc on a regional cauldron already bubbling with volatile conflicts and pressures. Under his direct leadership, Saudi Arabia blockaded Qatar, reportedly attempted a coup in Doha, forced Lebanon’s prime minister to resign and kept him against his will in Riyadh, intensified a cold war against Iran and waged a ruthless war against the Arab world’s poorest country, Yemen. 
Yemen has borne the brunt of Saudi military might, but it has also exposed its folly. It is estimated that the war in Yemen costs the Saudi budget around $200 million daily. The Saudis tout that their efforts are aimed at supporting Yemen’s legitimate government and defending the region from the spectre of Iranian expansionism, but the grim realities on the ground put their words to shame. As a result of nearly three years of intense aerial bombardment and a naval blockade, Yemen - already plagued for many years by poverty and instability - has plunged into the abyss of total collapse.
Since the Saudi war on Yemen began in 2005, at least 13,000 civilians have been killed, more than three million people have been displaced, and the country has been hit by the largest worldwide outbreak of cholera in five decades. Today, of 28 million Yemenis, around 20 million (71 percent) are in need of some humanitarian assistance, including 17 million who are considered food insecure and 14 million who do not have access to safe drinking water or sanitation. With around 7 million Yemenis just “a single step away from famine,” the country is facing a famine “of biblical proportions” warned one prominent aid worker.    
If we juxtapose these two images - the joie de vivre of the Saudi crown prince and the hellish misery resulting from the war he wages - a thorny question will inevitably hover in the air: Other than towards securing a luxurious life for the ruling family and bankrolling military adventures in the region, where has the largest inflow of wealth in the modern history of the Arab World gone? These windfall gains began pouring on Saudi coffers in the 1930s. A 1945 State Department memo described the discovery of oil in Saudi Arabia as “one of the greatest material prizes in world history.”
Yet, rather than focusing on enlightenment, social progress and human development, the ‘black gold’ was invested in power, its building, consolidation and projection. To be sure, the new wealth elevated Saudi Arabia in the scales of power from a playground - where regional and international forces grappled with each other in pursuit of influence - to a major player to be reckoned with on the regional and global stage. But then what? What has this massive political and economic power brought? The untold truth in regional discourses, the elephant in the room, is that the largest windfalls bestowed on the Middle East in modern history have been a curse in disguise, and a major source of misery in the region. 
Since it was founded, Saudi Arabia has been ruled by a single family. The rule of the country and control of its riches have been passed down from one generation to the next like a family heirloom. The Saudis forged a drab state at odds with the order of modern nations. Its buildings, freeways, shopping malls and cars may be modern and fancy, but they are just a façade hiding an archaic polity. The ruling family has opted for a sociopolitical system that is allied to the ulema; protected by a network of draconian security agencies that show no mercy towards dissidents; steeped in nepotism and influence-peddling; wedded to obscurantism; and that asserts its presence in world politics using the power of Riyalpolitik.   
Worse still, at the heart of this peculiar regime – depicted by one political scholar as a “pious kleptocracy” - is a culture that harbors a deep animosity towards liberties and any form of bottom-up change. This hostility has been so powerful - as though freedom is a plague from which one should take refuge - that it has shaped the genes of this state, both politically and culturally. Of course, in the Arab world most, if not all, regimes tend to oppose reform, but the ruling Saudi family has the financial means to bail out autocrats, give them the kiss of life when threatened, and, if necessary, replace them with other subservient autocrats in order to buoy their regimes and the region’s club of despots.
This explains why numerous despots who were swept out of office (such as Idi Amin of Uganda and Tunisia’s Ben Ali) have found in Riyadh a comfortable haven. Deep down, this was a gesture of fidelity to fellow dictators, companions of the road who keep the regional order running as it is, corrupt and undemocratic. It also shows indifference, even subtle contempt, to the people who endured agony and despair under the rule of these dictators.  
Unsurprisingly, then, the Kingdom was, almost by instinct, unalterably opposed to the voices of the Arab street clamoring for liberty in the potent 2011 wave of protests, the Arab Spring. The calls for reform in Tunis, Cairo, Sana’a and Manama jolted Saudi Arabia into immediate action, spending massively in support of embattled dictators and digging in for a long fight against the forces of change. From day one, Saudi Arabia became the Arab Spring’s foremost enemy. Not only did it support the dictators up to the hilt, but it also encouraged regional and international powers to toe the same line. This belligerent posture soured Riyadh’s longstanding relations with Washington. President Obama, the oil princes thought, did so little to save Egypt’s Hosni Mubarak and Tunisia’s Ben Ali, who, lest we forget, had killed hundreds of peaceful protestors under the gaze of the world.
Culturally, the kingdom’s conservatism has undermined the efforts of liberal religious reformers in Egypt and the Levant, attempting to renew the religious discourse and reconcile Islam with modernity. Much has been written about the Islamic Republic of Iran’s attempts to export its “revolution”, but much less about Saudi Arabia’s export of its Islamic “ideology.” Based on a marriage of power between the ruling family and the clerics, the kingdom has espoused a narrow, dogmatic and ultra-conservative variant of Islam, Wahabism. Not only is this version pitted against modernism, against life itself, but it is also against the true principles of Islam.   
To buttress its image among Muslims as the voice of Islam and “the guardian of the holy mosques,” and to gain political currency, Saudi Arabia made a concerted effort to spread this narrow understanding to Muslim-majority countries In the Arab world, Africa, and East and Central Asia. Decades of massive funding to charities, mosques, learning centers and, in Pakistan and Bosnia, madrassas and training camps run by zealot Wahhabis produced generations of young Muslims who loathe nonbelievers, view women as a source of fitnah (temptation or affliction), and consider armed struggle to be the panacea for all ills. Similarly, years of generous support for the “mujahedeen” in Afghanistan bred Al-Qaeda, which orchestrated the 9/11 attacks, and which has morphed into what is now known as global jihad.   
To add insult to injury, Saudi Arabia has in recent years been heaping oil on the fire of sectarian strife, adding an unnecessary cause of unrest to a region already awash with conflict and instability. This owes itself to the intense Saudi rivalry with Iran, which has possessed the new generation of Saudi rulers. MBS, in particular, has exhibited an increasing appetite for war, risk-taking and harnessing sectarianism to win allies and roll back Iranian influence. Today, nearly all civil conflicts in the region, especially in Yemen and Syria, have turned into quintessentially proxy wars between Riyadh and Tehran loaded with a heavy dose of sectarian overtures.    
***
Various scholars have championed the argument that Saudi Arabia is fated for a quick collapse. Renowned British historian Robert Lacey heralded his best-seller book on the Kingdom by a harsh statement: “In theory, Saudi Arabia should not exist—its survival defies the laws of logic and history.” But it, and alas continued to use its vast wealth to back dictators, hamper change, toy with the fates of other nations, ignite sectarianism and spread a radical version of Islam. Saudi Arabia is certainly not the only source of evil in a region caught in the grip of numerous misfortunes. However, if these practices go on unabated, can a democratic, progressive and non-sectarian Arab world ever see the light of day?   

Nael Shama

* This essay appeared in The New Arab (English) on January 31, 2018. 

Tuesday, December 12, 2017

أين يتوارى ضمير مصر؟

في إحدى قصص مجموعة "الرقصة المباحة" كتب الأديب يحيى الطاهر عبد الله أن الحقيقة ضاعت "لما اختلط كلام الناس بكلام العيون كلام العسكر بكلام المخبرين بكلام السجانين". يرزح الفضاء العام في مصر بالفعل تحت وطأة زحام خانق من الصور والمعاني والأصوات والأضواء والظلال، تتفاعل وتتصادم وتتعارك وتغطي على بعضها البعض في حركة دائبة. ثمة مثققين ثقاة ورجال فكر عتاة تركوا بصماتهم النجيبة في الفكر والإبداع الإنساني، إرث من ذهب لمن أراد التفكر والتدبر والتأمل. وفي جانب من المشهد زرافات من أشباه مثقفين، أو ما دون ذلك، فقيرون في العلم حد الإملاق، أغنياء في الابتذال حد الإفراط، يتدلق من ألسنتهم جهل ونفاق من أسوأ الأنواع. وفي جانب آخر من الصورة مبعوثو الرذيلة الذين تمكنوا من فن السباب، وصاروا برغم ذلك نجوماً مؤثرين، يتبعهم ويحسن وفادتهم أرهاطاً من المحبين والمريدين أينما ولوا وجوههم، وكأنهم أنبياء هذا الزمان. وهناك في زاوية أخرى نفر مازالوا متمسكين في المسافة بين شهيق الإخلاص وزفير العجز بأهداب الأمل، محاولين أن يجدوا لهم مكاناً صغيراً تحت الشمس، رغم الزمن الوغد والظروف غير المواتية. ومن الماضي تراث ضخم من النصوص والأفكار والتفاسير والآراء يفرض حضوراً طاغياً على الجميع.  
في الحديقة المصرية إذن تنوع هائل، الشذى والعطن يتجاوران، هجين متنافر من رياض آسرة ومستنقعات أسنة، جو حميم وأرض رميم. ولذلك تشابه على الكثيرين الأمر، وفاتت عليهم القدرة على النمييز بين الغث والسمين، فانحازوا لأرباب الرذيلة وأبناء السفاهة على حساب أولوا العلم والفضيلة. ولهذا يجدر التساؤل: أين يقبع ضمير مصر الحقيقي في وسط كل هذا الصخب السريالي؟ أين هي البوصلة؟ وإلام يكون النسب؟ وماذا من كل هذا السجل المتخم جدير بالعض عليه بالنواجذ، وماذا منه واجب الرفض؟
***
الضمير العام بحسب الفيلسوف الفرنسي إميل ديركهايم (والذي تناول المفهوم بكثير من التفصيل في عدد من أعماله) هو مجموع المعتقدات والمشاعر المشتركة التي تربط أفراد المجتمع ببعضهم البعض. هذا الضمير العام هو في البداية - وبالضرورة - "تفكير" كما قال ديكارت (أنا أفكر إذن أنا موجود)، وكثير من الشر المستطير ما هو سوى نتيجة مباشرة للتوقف عن التفكير (كما أوضحت بإسهاب حنا أرندت في "تفاهة الشر"). ومن الضمير ما هو وعي ينبت بالسليقة وينمو بالاحتكاك، ومنه ما هو تفاعل نشط مع النفس ومع العالم، تأمل فيما يصير وفيما يجب أن يصير، وهو هم مستمر بالمستقبل وسبل النهوض والتقدم. والضمير كما قال فرويد مرتبط بالحضارة، يزداد رسوخاً في المجتمعات كلما نهضت وعلا شأنها، ويضمحل كلما تخلفت واستسلمت لغوائل الدهر، بل أن غياب الضمير قد بحول دون قيام وتطور المجتمعات من الأساس.
حتى يستقيم هذا الضمير في مصر، ولئلا يتحول إلى شكل من أشكال سلوك القطيع، يجب أن يتسم هذا الضمير الوطني بأربعة شروط أساسية لا غنى عنها. حيثما توجد هذه الشروط فثمة نسائم من عبير الضمير المصري الحق، وأما ما افتقد لهذه الشروط فلا حاجة للعقل الجمعي به، وبالتالي وجب كشفه وبتره واجتنابه.   
أولاً، وقبل أي شئ، يجب أن يتسم هذا الضمير بالإنسانية. وعليه، فكل ما تصادم أو تناقض مع المبادئ الإنسانية العليا وقيم العيش المشترك بين أبناء البسيطة، يجب أن نقلب له ظهر المِجَن، حتى لو ارتبط في وجدان الناس بفعل التعود، أو الميل الوجداني، أو تأثير السلطة السياسية أو الدينية، وحتى لو كان جزءاً من التراث الوطني أو الديني للبلاد. فليس كل تراث حسن أو مستساغ، بل بعضه شر مستطير ينبغي بتره من الوعي العام فوراً ودون إبطاء.
ما النفع مثلاً من التشبث بنصوص أو عادات أو طرائق تفكير أو صور ذهنية تحول دون التقدم الإنساني المنشود؟ مثال ذلك ما استوطن في التراث الديني من تفاسير معوجة، تحض بطريق مباشر أو غير مباشر على العنف، أو كراهية الآخر، أو التعصب ضد المرأة، أو إساءة معاملة الأطفال. ومن نافلة القول التأكيد على أن كثيراً من الأفكار والممارسات التي يموج بها المجتمع المصري هي للأسف الشديد بالغة العنصرية (سواء ضد المرأة أو الأقليات الدينية أو أصحاب البشرة المختلفة أو التوجهات الجنسية المغايرة، أو حتى من يرتدون - من الرجال أو النساء - لباساً لا يروق للأغلبية)، كما يكتنف بعضها أحياناً شئ من العبودية المستترة، مدفوعة بغلواء نظام أبوي أو طبقي خصيم للإنسانية.   
العمود الثاني هو العلم، فلا قيمة لمعلومات وقناعات تُتداول جيلاً بعد جيل إن كانت متنافرة مع ما أثبته العلم. ولا داعي للتذكير بأن مجتمعنا في العموم مجتمع غير علمي، لا منهجاً ولا أفكاراً، وأن الكثير مما يسيطر على العقول هو إما كلام جاهل قح أو تصورات تغرق العقل في غيبيات وأساطير بينها وبين العلم آماد وآماد. أمامنا بالتالي طريقين: إما الاستمرار في طريقنا الحالي، والقبول بوضع مزر مرشح لمزيد من التدهور، أو العدول عنه كي نرتق الثوب المهترئ، وننفض الجهل والزهو الكاذب من جوانية أذهاننا بشجاعة بحثاً عن الحقيقة المجردة، مهما كانت مؤلمة أو صادمة.   
أما العمود - الشرط - الثالث للضمير فهو الارتباط بثقافة المكان. فالضمير قفزة نحو المستقبل بقدر ما هو ارتباط بجذور الماضي، بالتاريخ والجغرافيا والوجدان والمخيلة. وأفضل القفز هو ما ارتكزت الأقدام فيه على أرضية صلبة، متمثلة في هوية واضحة، وفهم لطبيعة الموقع والدور والمهمة. وفي هذا الإطار يتعين بالضرورة أن يتحرى الضمير الوطني عدة مسائل شائكة، مثل العلاقة بين الماضي والمستقبل، وبين الأصالة والمعاصرة، وبين التراث والتجديد.   
الشرط الرابع للضمير هو أن يكون على الجانب الآخر من السلطة، وفي معسكر التغيير الاجتماعي الواسع. فمعضلة هذه الأمة في حدها الأعلى هو تخلفها السياسي والمجتمعي، وكلاهما بالطبع يغذي بعضه البعض. في ظل هذا التخلف المقيم منذ قرون، والتي تحاصرنا أوجهه وتداعياته وإرهاصاته في كل مكان، لا حل أبداً - وعلى وجه اليقين - سوى بالتغيير الاجتماعي، ليس فقط المتدرج البطئ، بل السريع المتسارع، الساعي لتعويض ما فات واللحاق بركب الحضارة ومواكبة الحداثة في أسرع وقت.
لا مناص من أن يعتمد هذا التغيير على قاعدة رفض السلطة السياسية ومنظومتها القيمية والأخلاقية، والتي كانت ولاتزال سبباً مباشراً ورئيسياً في نكبة الوطن وتخلفه. لذلك لم يكن غريباً أن يركز إدوارد سعيد - في كتابه "المثقف والسلطة" - على أن المثقف يجب أن يكون دوماً على يسار السلطة، لأنه يسعى للتغيير فيما السلطة بطبائع الأمور تسعى باستماتة لاستدامة الوضع الراهن، وأن يقول أمل دنقل "المجد للشيطان معبود الرياح، من قال لا في وجه من قالوا نعم" لأن من قال لا لم يمت، وأن يقف الحلاج في وجه السلطة وقهرها و"ألفاظها البراقة كالفخار المدهون"، وكذلك أن يُلقى - نتيجة لمحاولاتهم المضنية - بآلاف من المثقفين عبر القرون الغابرة في غياهب السجون، ذلك أنهم "فهموا" وسعوا أن "يُفهموا الآخرين" أن التغيير أم الحاجات وضرورة الضرورات. بل وأن يتخذ أدونيس الرفض ميثاق حياة وسبب وجود: أفتت العالم كي أمنحه الوجود / ضارباً بعصاي الصخر حيث ينبجس الرفض / يغسل جسد البسيطة / معلناً طوفان الرفض/ معلناً سفر تكوينه. 
ذلك بالتحديد هو سبب البريق الذي يتمتع به مفهوم "الثورة" بين المثقفين، وتلك المكانة التي يولونها لكلمة "لا"، وهو سبب بزوغ "أدب المقاومة" بينهم كلون أدبي خالص. كل ذلك لم يفهمه العامة من أعضاء حزب الكنبة ورواد مدرسة أن العين لا تعلو عن الحاجب، والمتمسكون بمقولات بالية مثل "على قد لحافك مد رجليك"، و"المكتوب على الجبين لازم تشوفه العين"، و"من خرج من داره اتقل مقداره"، وسائر الأمثال الشعبية التي تحض على الاستكانة والقبول بالأمر الواقع مهما اعتراه من ضيم وهدر لحقوق الناس. وبفعل الغفلة وقصور الأذهان وجدت كذلك تصورات تافهة سوقاً لها بين جنباتهم، مثل أن الديكتاتورية ضرورية لبعض المجتمعات، التي يناسبها نموذج "المستبد العادل" أكثر من الديمقراطية وحكم القانون (مستندين تارة على مفاهيم دينية مثل "طاعة ولي الأمر"، وتارة أخرى على مفاهيم دنيوية مثل المنفعة والمصلحة والاستقرار)، أو أن احترام حقوق الإنسان يجلب على المجتمعات الوبال الشديد، أو أن طأطأة الرؤوس وإحناء الظهور أصلح للعباد من الجهر بكلمة الحق. 
المثققون الحقيقيون - على الجانب الآخر - هم رسل التغيير، دعاة كسر الأغلال، ودحض الجمود والتحجر، والانطلاق إلى رحاب المستقبل، أما الجموع فمتحفظين، بغلب عليهم الخمول العقلي والنفور من التغيير. ولهذه الشقة الواسعة كالوهد العظيم بين الفريقين، قال الشاعر: تريدونني أن أكون مثلكم / تطبخونني في قدر صلواتكم / آه يا موتى، تعيشون كالبلاط / يفصلني عنكم بعد بحجم السراب.    
***
فلنهمل الوجوه الكالحة المطلة على المنابر والشاشات البراقة، فهم كغثاء السيل، صوتهم عال لكن كلماتهم سم ودعاواهم خراب. ولنتلمس ضمير مصر الحقيقي في صيحات الأفغاني ووصايا الكواكبي وأفكار أحمد بهاء الدين ونظريات لويس عوض وأشعار أمل دنقل، بحثاً عن الحقيقة ورفعاً للوعي وشحذاً للهمم، حتى يقضي الله بعدها أمراً كان مفعولا.  

د. نايل شامة

* نُشرت هذه المقالة بموقع المنصة (بتاريخ 12  ديسمبر 2017).

Wednesday, October 18, 2017

لعنة إسرائيل الأخرى

في معرض دفاعه عن نفسه عقب عودته من سوريا، ولقائه بمسئولين في نظام بشار الأسد، قال الفنان محمد صبحي: أنا زرت سوريا مش إسرائيل. صار ذلك المنحى في الوطن العربي اعتيادياً حتى أنه ما عاد يستوقف أحداً، لكن نظرة متأنية لمنطق العبارة تفرض سؤالاً جوهرياً: لماذا حقاً أُقحمت إسرائيل في شأن يتعلق بالموقف المصري من سوريا ونظامها وحربها الأهلية؟ إنها دون شك لعنة إسرائيل الأخرى التي صارت جزءاً أصيلاً من العقل العربي لا تبرحه قط حتى يرتشف نشوة الألم السائغ الجميل.
لعنة إسرائيل الأولى لا تخفى على أحد، فقد أصابت المنطقة بالكامل منذ زهاء القرن من الزمان. هي لعنة المشروع الصهيوني الذي اغتصب أرض فلسطين بالحرب والمكر والمفاوضات، ومن ثم أقفر البلاد من أهلها وشردهم في أصقاع الأرض بحثاً عن المأوى والأمن، ومنهم ملايين يغمسون شقاء العيش المثخن في المخيمات بخبز الصمود، ويلتحفون بالأمل في العودة للديار يوماً، ولكن هيهات. لعنة إسرائيل الأولى هي أيضاً استباحة جيران فلسطين، والعدوان على أراضيهم، من مصر وسوريا للبنان وتونس والعراق. وهي لعنة اليمين الإسرائيلي المتعصب المدفوع بالرغبة في السيطرة لا الميل إلى تحقيق السلام.  
أما لعنة إسرائيل الأخرى فهي لعنة العقل العربي المستشرية في أوساط العوام والنخبة على السواء. ذلك العقل الذي ارتجف ميزانه واختلت معاييره وتبدد خطوه في تعاطيه مع إسرائيل. هي بادئ ذي بدء لعنة الهوس بإسرائيل، وسواسها الخناس الذي يوسوس في المخيلة ليل نهار، فيعبث في حُشاشة العقول، ويحول بيننا وبين فهم إسرائيل من ناحية، وبين الالتفات لمسائل أخرى لا تقل أهمية من ناحية أخرى. ومن ثم فهي اللعنة التي تجعل العقل – المرابط دوماً في فراش العاطفة الوثير - يتصور أن كل شئ وأي شئ يتضاءل بجانب معاداة إسرائيل. فالاستبداد والقهر والفقر والتخلف أشياء لا تعني الكثير. فالمهم هو أن تصدح بعدائك لإسرائيل بأعلى صوت ليل نهار، ختى تبرأ نفسك من كل نقيصة. لا شئ آخر يهم.
ولهذا ينظر البعض ممن أصابتهم هذه اللعنة لديكتاتور دموي مثل صدام حسين - الذي شن حربين على جيرانه وقصف شعبه بالسلاح الكيماوي وأنشأ في بلاده جمهورية للخوف ليس لمثلها نظير – باعتباره القائد المجاهد والشهيد البطل. يرون ذلك ليس لأنه حرر فلسطين من النهر إلى البحر، أو لأن بلاده وجيشها كان لهما يداً طولى في حومة الصراع العربي-الإسرائيلي، بل لأنه في واقع الأمر اعتسف طريق النضال اللفظي، فكان لسانه طويلاً وكانت حنجرته مجلجلة وكان خطابه حنجورياً لاذعاً مع إسرائيل ومن وراء إسرائيل. وكم من الآثام ترتكب بإسم محاربة إسرائيل. 
إن لعنة إسرائيل الأخرى هي لعنة النظر لإسرائيل من زاوية أسطورية خيالية، لا علمية أو إنسانية. نظرة لا يحكمها المنطق، ولا يرشدها العقل، بل يسيرها فيض متدفق من عاطفة متأججة وغضب هائج وحسرة ملتاعة، وسير بلا هدى على سنة الأوائل ومنهاج الغابرين. لهذه النظرة شقان: فمن ناحية الإدراك الأخلاقي تجعلنا نشعر بالتفوق، فنحن النبلاء وهم الشياطين، نحن النساك وهم الغواني، نحن أهل الفضيلة وهم أرباب الفساد. أما عملياً فكل ما تفعله إسرائيل تآمر، وكل ما تقوله كذب، وكل مكروه يصيب أرض العرب من المحيط إلى الخليح من تدبيرها الأثيم. وعليه، فهجوم لأسماك القرش على الغواصين في سواحل شرم الشيخ هو - قولاً واحداً - من صنع إسرائيل، وموت زعيم عربي هو بالضرورة مؤامرة إسرائيلية، ووقوع الزلازل والبراكين تدبير إسرائيلي محض، وهكذا دواليك. في المقابل، وبفعل مفهوم المرايا المتقابلة، يُسلب الطرف العربي كل تدبير ومشيئة، وتُنزع عنه القدرة على التخطيط والفعل، وينحى دوماً إلى زاوية ميادين الفعل لا قلبها، ضعيفاً مضعضعاً لا يقوى على شئ.
وفي ظل لعنة إسرائيل الأخرى يتحدد موقفنا من كل القضايا تبعاً لموقف إسرائيل منها. فما توافق عليه إسرائيل يثير حفيظتنا فنتوجس منه خيفة، إذ لابد أن في الأمر مكيدة ما، أما ما ترفضه إسرائيل فنرحب به دون إبطاء (إما من باب الوهم أو من باب المكايدة)، وذلك حتى لو لم يصب في مصلحتنا القومية. بعبارة أخرى، صارت إسرائيل مركز الكون في العقل العربي، يقتفي أثرها في كل شأن بلا قبس من علم أو تعقل. لعنة إسرائيل الأخرى هنا هي لعنة العقل العربي الخامل الكسول، الذي يعجز عن التحرك بين مستويات مختلفة للتحليل، ويعشق أسر الثنائيات المتقابلة، والتي لا تصلح أبداً كإطار لفهم الواقع المعقد بطبيعته.
وفي ظل لعنة إسرائيل الأخرى تنتشر الأساطير، وتشيع الأباطيل، ويذيع صيت الأفاقين والحواة. مثلاً، يسود اعتقاد واسع في الوطن العربي بأن كتاب "بروتوكولات حكماء صهيون" هو خطة يهودية سرية لغزو العالم، وأنه يمثل المرجعية العليا لحكام إسرائيل المعاصرين. توالت الطبعات العربية للكتاب منذ عقود (وأحدها حققه الكاتب الكبير عباس محمود العقاد)، وحققت أعلى المبيعات في القاهرة وبيروت وبغداد، حتى أن بعض المناهج الدراسية بالبلاد العربية تضمنت فقرات من البروتوكولات، كما أن ميثاق حركة حماس الصادر في عام 1988م أشار إليه. والواقع أن الكتاب كما هو مثبت ملفق من الألف إلى الياء بواسطة ضباط في البوليس السياسي للقيصر الروسي، اقتبسوه من كتاب "حوار في الجحيم بين مونتسكيو ومكيافيللي" الصادر في 1864م للمؤلف الفرنسي موريس جولي، ونسبوا فيه كل الرذائل إلى اليهود الذين مثلوا حينئذ نسبة معتبرة من أعضاء الحركات الثورية المناهضة للقيصر.  
كما يتصور كثير من العرب أن الخطين الأزرقين في علم إسرائيل يشيران لنهري الفرات والنيل، وأن تصميم العلم يرمز لنية إسرائيل السيطرة على الأرض العربية الواقعة بين النهرين، وقد أشار لهذا المعنى بشكل علني كثير من الزعماء العرب، ومنهم ياسر عرفات ومعمر القذافي. لكن هذا أمر غير صحيح بالمرة، إذ يرمز الخطان في الحقيقة للخطوط الموجودة على الطاليت (Tallit)، وهو شال الصلاة الذي يرتديه اليهود الأرثوذكس أثناء أدائهم للطقوس الدينية. كما أنه ليس صحيحاً أن مدخل الكنيست الإسرائيلي تتصدره عبارة "حدودك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل" كما يتصور الكثيرون (وكما قرأت في صباي في الكتاب المدرسي).   
جذور هذه اللعنة بتجلياتها المختلفة تعود في جانب منها للعقلية العربية، والتي ينوء كل عاقل بما ألقته على منكبيه من علل وحماقات، وفي جانب آخر لدور الأنظمة العربية في ترسيخ تلك العلل. فحين زلزلت الأرض زلزالها وقامت دولة إسرائيل في عام 1948م، ثم فيما تلا ذلك من سنين، شعرت الأنظمة العربية بأن في الأفق خطراً ينبغي تجنبه، وفرصة في الوقت نفسه يمكن استثمارها. وكان أن عولت على الفرصة، فاستثمرت فيها بشراسة، وأممت القضية لحسابها، وبرعت في تجارة الأحلام وتجارة الخوف، تطلب مقابلهما إذعاناً غير مشروط، وتسليماً منزوع التفكير والرأي والمشاركة.  
ووصل الأمر بالأنظمة في يونيو 1967م، حين تحممت الأرض العربية في سيناء والقدس والجولان بنار الدم والانكسار، إلى الاستخفاف بأكبر هزيمة عربية عسكرية في التاريخ الحديث، على قاعدة أن إسرائيل بحربها الدنيئة هدفت لإسقاط النظام الناصري. ولما كان النظام لم يسقط، وقائده لم يرحل، فلا هي انتصرت ولا نحن انهزمنا. وجسد هذا التصور المعوج تلك المشاهد البائسة لنواب مجلس الأمة في مصر وهم يرقصون طرباً إذ جاءهم نبأ عدول عبد الناصر عن التنحي، فيما الأرض قد ضاعت، ودماء جنودنا الزكية لم تجف بعد، وحديث نكبتنا يصير أضحوكة العالم بأسره. وعلى الجانب الآخر، انكشف لمن تحرروا من الوهم على صدمة الهزيمة، وما لحقها من هزائم وخيبات، أن صولجان السلطة صدئ، وأنه يقود القطعان نحو المذبح لا مراعي الكلأ، وأن لسانها الثرثار جعجعة بلا طحن، وأن وعودها محض قلاع من رمال ذهبت أدراج الرياح. عرف هؤلاء أن هزيمتنا هي هزيمتنا نحن، إذ ما دخل اليهود من حدودنا وإنما تسربوا كالنمل من عيوبنا كما قال نزار قباني.
لعنة إسرائيل الأولى من صنعها هي ومن والاها، أما لعنة إسرائيل الأخرى فمن صنع العقلية العربية التي فاتها الركب، فصارت تقايض هزيمتها في الدنيا بمصفوفة من كبرياء كاذب وأوهام لذيذة، تماماً كالمخدرات. فما أبخس الثمن وما أبأس التجارة.
***
الواقع أن إسرائيل برغم لعنتها الأولى ليست نكبة هذا الإقليم الكبرى، أو مصدر كل الشرور به. عشرات من السنين مرت منذ قيام الدولة العربية الحديثة تثبت بجلاء أن "أصل الداء" هو الاستبداد السياسي فهو "أشد وطأة من الوباء، أكثر هولاً من الحريق، أعظم تخريباً من السيل، أذل للنفس من السؤال" كما قال عبد الرحمن الكواكبي في رائعته "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد". وبلغة الأدباء فإن هذا الاستبداد العربي يخلق مناخاً يعيث فيه فساداً العسكري الأسود (يوسف إدريس)، إذ يطل علينا من شرفة الهاوية (إبراهيم نصر الله)، خالقاً مدناً بائسة تمتدح فيها الكراهية (خالد خليفة) ويغيب الوعي (توفيق الحكيم) ولا تسقط الأمطار (أمجد ناصر). 
وبديهياً، لو كانت دول هذه المنطقة ديمقراطية لكنا قد تعاملنا مع التحدي الإسرائيلي بشكل أكثر نجاعة، وبمنهاج أكثر علماً. ألم تكن هزيمة 1967م الكارثية في جوهرها هزيمة سياسية وحضارية للنظام الناصري وأخواته العرب قبل أن تكون عسكرية في ميادين القتال؟ ألم تستمر الهزيمة الحضارية بشكل أو بآخر على امتداد مساحة الوطن حتى يومنا هذا؟ ثم أن الفجوة العلمية والتكنولوجية مع إسرائيل اتسعت بشدة لأن للأنظمة الاستبدادية أولويات مختلفة، إذ تركز على البقاء في السلطة، ولا تبالي كثيراً بالعلم، وحتى في سعيها هذا للبقاء، هي لا تعتمد على العلم، بل على هراوات تقمع وكلمات ترسخ الجهل.    
في المائة عام الماضية هُزم العرب شر هزيمة في كل المحافل تقريباً، حتى انقرضوا أو كادوا حضارياً كما قال الشاعر أدونيس. إذا أردنا حقاً أن نطرق أبواب المستقبل، وأن ينهض العقل العربي في المائة العام المقبلة وما بعدها بعد طول سبات، فلا مناص عن النظر لإسرائيل بشكل علمي ومنطقي، لا عاطفي أو غيبي. فالعلم ترياق الجهل، والمنطق دواء العاطفة.     

د. نايل شامة

* نُشر هذه المقال بموقع الحوار المتمدن (بتاريخ 18 أكتوبر 2017).   

Thursday, September 21, 2017

يوم تحين لحظة التغيير في مصر (4): خطوات على درب المستقبل

وبعد، فلا شك أنه ثمة صعوبات هائلة وعقبات عديدة تقف على طريق التغيير الوعر، سواء الآن، أوعندما تنفغر فرصته كزهرة ناضرة يوماً ما، لكن الفشل بالتأكيد ليس مصيراً محتوماً أو قدراً مقدوراً. ولعله من العبث تناول عوامل التغيير دون التوقف ملياً أمام شرطين رئيسيين - ومرتبطين ببعضهما البعض - من شروطه، ألا وهما الحداثة والمعرفة.
فالحداثة الحقة – لا تلك الرثة المهيمنة على حيواتنا والمتوغلة تحت مسام شعوبنا - تعد من الزاويتين الهيكلية والقيمية من العوامل التي تسهل عملية الانتقال الديمقراطي. في ظل التقليد يظل الوجود في بؤس، والوجوه في وجوم، والدهر في تكرار سقيم. فقط في ظل مجتمعات مغمورة في البنى التقليدية والمعتقدات البالية يمكن أن تتطاير من الأفواه الأباطيل المحشوة خبلاً، مثل ما قال القذافي يوماً حين أفتى بأن الديمقراطية معناها الديمومة على الكراسي، أو أن يقول وزير في ملاوي دفاعاً عن رئيسه المستبد: "لا توجد معارضة في الجنة. الله نفسه لا يريد معارضة، ولذلك طرد الشيطان من جنته. فلماذا يجب على كاموزو (رئيس البلاد) أن تكون له معارضة؟"  وفي مصر تكرر عبر السنوات استخدام عبارات مثل الزعيم الملهم والرئيس المفدي والقائد فلتة الزمان الذي هو هدية من السماء. مع الحداثة يأتي التنوير وتتوارى اللجة ويرتفع الوعي وتقضي الجهالة نحبها، في ما يخص السياسة وما يخص غيرها. إذ مخطئ أشد الخطأ من يظن أن موقف الناس من مسائل اجتماعية وثقافية محضة مثل الثقافة الأبوية وميراث الإناث والختان والنظرة للفنون والموقف من الأقليات ومن الآخر منفصل عن موقفهم من قضايا الاستبداد والديمقراطية. بل هي في غالب الأمر منظومة واحدة كالأواني المستطرقة ينفث بعضها في بعض، إما تنويراً أو جهلاً.   
كذلك لا مناص أبداً من المعرفة، ففيها الخلاص الأخير من ربقة الاستبداد، وهي بالتالي شرط رئيسي من شروط التغيير الحق. فمهما صدقت نوايا الطليعة المستنيرة، ومهما بلغت درجة إخلاصها، فإن مجهوداتها تظل معلقة في الهواء إن جرت في محيط تهيمن عليه منظومة الجهل، وسائر الأفكار والتصورات الناتجة عليها. أليس هذا ما حدث تقريباً لتجربة يناير؟ طليعة متسلحة بأفكار العصر وروحه، ومستعدة لبذل الغالي والنفيس من أجل الوطن، لكن مكاسبها في الميدان صارت هباءاً تذروه الرياح حين اتسعت القاعدة لتضم الجميع، الواعون والغافلون، نافذو البصيرة ومن ينظرون تحت أقدامهم، قوى الاستنارة وقوى الظلام.
لكن تغيير العقول يتطلب وقتاً وجهداً وصبراً، والمستقبل لن ينتظر طويلاً، وساعة العمل دقت بالفعل. في السطور القادمة بضعة أفكار عن سبل تجاوز المأزق الراهن. ومن المهم هنا الإشارة إلى أن هذه مجرد أفكار عامة وأولية، هي أقرب إلى العصف الذهني منها للرؤية المكتملة، أساهم بها في النقاش العام حول المستقبل، لعلها بالاشتراك مع أفكار أخرى تزيل من الدرب حجراً، أو تنير في العقل طريقاً:
-          المصالحة الوطنية ليست ترفاً، بل ضرورة سياسية وحق إنساني. ويجب أن تشمل المصالحة الجميع، إلا من ثبتت عليه بشكل فردي تهم الفساد السياسي أو الإرهاب. وفي هذا الإطار، لا ينبغي أن تؤخذ فئة أو طائفة أو حزب بجريرة بعض أفرادها من المارقين أو الفاسدين، فذلك لا يحقق عدلاً بل يطبق عقاباً جماعياً. ولأن الجروح غائرة والميراث ثقيل، فلتعتمد المصالحة في مهدها على عتصرين. الأول قليل من الإغضاء عن أخطاء الماضي، وذلك بالتسامي فوق دواعي الكبرياء والخوف، ولواعج البغض والمقت، التي لا تمسك بمجتمع إلا نهشته وأقعدته عن النهوض. أما الثاني فإعمال مبدأ "المصارحة قبل المصالحة" تأكيداً على حسن النوايا وإزالة للريبة والشكوك. وبشكل عام من المهم أن نجعل من الماضي - كما قال توفيق الحكيم - منصة للقفز لا أريكة للاسترخاء، وأضيف  من عندي: ولا سوطاً لجلد الذات والغير. أما من الناحية العملية، فإن تجارب المصالحة الوطنية التي يمكن أن ننهل من دروسها عديدة، من جنوب افريقيا ورواندا لميانمار وشيلي وجواتيمالا وغيرها.   
-          إنهاء حالة التشرذم القائمة حالياً بين جميع القوى الديمقراطية صارت ضرورة، إذ لا يعقل في مواجهة سلطة تتشبث بمواقعها باستماتة أن يوجد على الساحة كل هذا العدد من القوى والتنظيمات دون أن تتحد تحت مظلة واحدة وبرنامج عمل موحد. في إطار ذلك، لعل البداية تكون بصياغة وثيقة أساسية تضم مبادئ عامة ومطالب رئيسية، تراعي الحد الأدنى للتوافق ولا تتطرق لمواطن الخلاف. ثم يلي ذلك محاولة الحصول على دعم القوى السياسية والمواطنين لها، بغرض زيادة الضغط على السلطة لتقديم تنازلات حقيقية فيما يخص المجال السياسي وأوضاع حقوق الإنسان. 
-          توسيع معسكر الراغبين في التغيير، وذلك عبر تخفيف هواجس الخائفين من التغيير المتعلقة بالأمن القومي واستقرار الأوضاع، وتبديل مفاهيمهم عن الثورة والتغيير، عبر تبيان أن الهدف الأخير والأسمى مشترك، ألا وهو رفاهة الشعب وسعادته، وأن الاختلاف بيننا يكمن فقط في وسائل هذا التغيير. وأيضاً إظهار أن مصر تستحق ما هو أفضل بكثير من الوضع الراهن، وأن تحقيق ذلك أمر غير عسير. فالوطن للجميع مهما عصفت ريح الخلافات بنا، هو لنا كلنا الأصل والعمر والمآل، وإخوته لن يطمسها شئ أبداً، والمستقبل يظل دائماً أهم من الماضي.   
-          امتلاك زمام المبادرة أمر حيوي، على الأقل لإثبات أن قلب السياسة لم يكف عن الخفقان. ومع أهمية دخول كل معترك مدني أو قانوني من أجل اثبات التواجد ونشر الأفكار، وعدم ترك الساحة خالية للسلطة وأدواتها، إلا أن التركيز على الملفات المهمة أمر أكثر جدوى. فالاصطفاف خلف أهداف قليلة ومحددة أفضل من تبديد الجهود في الهرولة وراء كل القضايا. ولعل الأولوية الآن هي للتباحث في شأن الموقف من الانتخابات الرئاسية المقرر أن تبدأ إجراءاتها في غضون شهور قليلة. يأتي ذلك على الرغم من تضاؤل فرص الفوز بها. ولكن لعل الجميع يدرك أن المعارك كثيراً ما تحسم بالنقاط لا الضربات القاضية. وأياً كان الموقف من الانتخابات وغيرها من القضايا فالمهم أن يظل دائماً موقفاً موحداً وثابتاً.
-          أما معايير اختيار المعارك السياسية الواجب التركيز عليها فيعتمد على أهمية الموضوع وتأثيره على فرص حلحلة الأوضاع وتقويض السلطة وتمهيد الطريق نحو تغيير أكبر. ويمكن الاقتداء في هذا الصدد بالتجربة الناجحة التي خاضها المحامي القانوني خالد علي في مواجهة اتفاقية ترسيم الحدود المصرية السعودية.  
-          البحث عن قيادة تروج وتعبر عن معاني الديمقراطية وقيم الحرية واحترام كرامة الإنسان. فالشعوب تميل بالفطرة لشخصنة الأفكار، وأغلب الناس كما قال الملك الحسن الثاني يوماً لا يكترثون كثيراً بالبرامج أو الخطط أو الأفكار وسائر المطلقات، وإنما بفريق من البشر، يتبعونهم ويخلصون لهم، ويفضل أن يكون لهذا الفريق قائد واحد وصوت واحد. كان هذا حال عبد الناصر الذي جسد للجماهير معاني الحرية والاستقلال والنهضة، وأعفاهم من مشقة التفكير في هذه المفاهيم السياسية ومدلولاتها العملية. وعلى الرغم من أن في جوهر هذا المنحى استسلاماً لآليات غير صحية نأمل أن تتغير، إلا أن للضرورات في هذا الزمن الوغد أحكامها.    
-          التمييز بين معارضة سياسات السلطة وهو حق أصيل، وبين الحفاظ على وحدة الجيش، وهو واجب لا يتزعزع. فالقوات المسلحة بحجمها ودورها وتاريخها ركن لا غنى عنه في الحفاظ على وحدة البلاد وسلامتها، ولا يمكن بأي حال من الأحوال محو ارتباط الشعب بالجيش، ولا محو الذكرى العطرة لأكتوبر 1973م. وإنطلاقاً من الحرص على سلامة الوطن والجيش معاً فلابد من الإعلان وبلا مواربة أن العلاقات المدنية-العسكرية تعرضت لخلل شديد في السنوات القليلة الماضية. وأن لهذا الخلل تبعاته السلبية على كل مناحي الحياة في مصر. ولا حل لاستعادة التوازن المفقود في المجتمع سوى بعودة كل طرف إلى قواعده. ومن ثم تبرز أهمية فتح حوار مع قيادات المؤسسة العسكرية، وشرح كيف أن انفتاح المجال السياسي ليس استهدافاً للجيش، بل هو على العكس يصب تماماً في مصلحته، الآن ومستقبلاً.   
-          في إطار إدارة العلاقة الشائكة مع السلطة، لم لا يتم إحياء فكرة الوفد؟ المقصود تكوين وفد بقيادة شخصية قوية العزائم كريمة الشمائل لا سبيل للطعن في شرفها، وذات مصداقية وشعبية واسعة في الداخل والخارج، وعضوية مجموعة من رموز الأمة. ويكون تكوين الوفد تعبيراً عن أن الأوضاع لم يعد من الممكن السكوت عليها، ومهمته أن يتفاوض مع السلطة رافعاً لائحة محددة من الطلبات المدعومة شعبياً (أكرر، المقصود التفاوض حول طلبات، لا رفع الطلبات انتظاراً لمكرمة أو هبة). ربما قال قائل إن السلطة عصية على الإصلاح، ولا فائدة من الحوار معها، وربما كان هذا صحيحاً. لكن التجربة خير برهان، ثم أن الفكرة في حد ذاتها ستؤدي إلى قليل من إعادة إحياء السياسة بوصفها ميداناً للتفاوض بين مختلف قوى المجتمع. أليس هذا أفضل – ولو قليلاً – من حالة الموات التام السائدة حالياً؟   
أما اللاءات الثلاث التي ينبغي أن تحكم ميثاق العمل الوطني فهي:
1-      عدم اللجوء للخارج بتاتاً، لأن المسألة برمتها مصرية. أما الجبهات التي تشكل في الخارج فغير مفيدة ولا قيمة لها، لأسباب مبدأية، فضلاً عن أنها تشوه سمعة الجهود الوطنية، إضافة إلى أن التواجد بالخارج يعرضها للاستغلال من الدول المضيفة، ولها مصالحها الخاصة بالطبع.
2-      عدم اللجوء للعنف. ففضلاً عن أسئلة المشروعية الأخلاقية الواضحة فإن الجدوى السياسية له محدودة للغاية.
3-      التوقف عن التخوين والسباب والنبش في اختلافات الماضي وإطلاق الاتهامات الجزافية بحق الحلفاء والغرماء على حد سواء. قديماً قيل: اعوجاج اللسان علامة على اعوجاج الحال. وعدالة القضايا بالفعل يلوثها السلوك والخطاب المعوج للمدافعين عنها.  
ما لا يدرك كله لا يترك كله، والنزال في القضايا الكبرى يحتاج لنفس طويل، واحتساب للصبر الجميل، ثم تنويع في الوسائل وتفرقة بين المراحل المختلفة للصراع دون تململ أو شكوى، ويبقى أن إشعال شمعة خير ألف مرة من لعن الظلام أناء الليل وأطراف النهار، وهو ما وصل إليه حالنا للأسف الشديد. 

د. نايل شامة
* نُشرت هذه المقالة بموقع المنصة (بتاريخ 21 سبتمبر 2017).