Thursday, September 21, 2017

يوم تحين لحظة التغيير في مصر (4): خطوات على درب المستقبل

وبعد، فلا شك أنه ثمة صعوبات هائلة وعقبات عديدة تقف على طريق التغيير الوعر، سواء الآن، أوعندما تنفغر فرصته كزهرة ناضرة يوماً ما، لكن الفشل بالتأكيد ليس مصيراً محتوماً أو قدراً مقدوراً. ولعله من العبث تناول عوامل التغيير دون التوقف ملياً أمام شرطين رئيسيين - ومرتبطين ببعضهما البعض - من شروطه، ألا وهما الحداثة والمعرفة.
فالحداثة الحقة – لا تلك الرثة المهيمنة على حيواتنا والمتوغلة تحت مسام شعوبنا - تعد من الزاويتين الهيكلية والقيمية من العوامل التي تسهل عملية الانتقال الديمقراطي. في ظل التقليد يظل الوجود في بؤس، والوجوه في وجوم، والدهر في تكرار سقيم. فقط في ظل مجتمعات مغمورة في البنى التقليدية والمعتقدات البالية يمكن أن تتطاير من الأفواه الأباطيل المحشوة خبلاً، مثل ما قال القذافي يوماً حين أفتى بأن الديمقراطية معناها الديمومة على الكراسي، أو أن يقول وزير في ملاوي دفاعاً عن رئيسه المستبد: "لا توجد معارضة في الجنة. الله نفسه لا يريد معارضة، ولذلك طرد الشيطان من جنته. فلماذا يجب على كاموزو (رئيس البلاد) أن تكون له معارضة؟"  وفي مصر تكرر عبر السنوات استخدام عبارات مثل الزعيم الملهم والرئيس المفدي والقائد فلتة الزمان الذي هو هدية من السماء. مع الحداثة يأتي التنوير وتتوارى اللجة ويرتفع الوعي وتقضي الجهالة نحبها، في ما يخص السياسة وما يخص غيرها. إذ مخطئ أشد الخطأ من يظن أن موقف الناس من مسائل اجتماعية وثقافية محضة مثل الثقافة الأبوية وميراث الإناث والختان والنظرة للفنون والموقف من الأقليات ومن الآخر منفصل عن موقفهم من قضايا الاستبداد والديمقراطية. بل هي في غالب الأمر منظومة واحدة كالأواني المستطرقة ينفث بعضها في بعض، إما تنويراً أو جهلاً.   
كذلك لا مناص أبداً من المعرفة، ففيها الخلاص الأخير من ربقة الاستبداد، وهي بالتالي شرط رئيسي من شروط التغيير الحق. فمهما صدقت نوايا الطليعة المستنيرة، ومهما بلغت درجة إخلاصها، فإن مجهوداتها تظل معلقة في الهواء إن جرت في محيط تهيمن عليه منظومة الجهل، وسائر الأفكار والتصورات الناتجة عليها. أليس هذا ما حدث تقريباً لتجربة يناير؟ طليعة متسلحة بأفكار العصر وروحه، ومستعدة لبذل الغالي والنفيس من أجل الوطن، لكن مكاسبها في الميدان صارت هباءاً تذروه الرياح حين اتسعت القاعدة لتضم الجميع، الواعون والغافلون، نافذو البصيرة ومن ينظرون تحت أقدامهم، قوى الاستنارة وقوى الظلام.
لكن تغيير العقول يتطلب وقتاً وجهداً وصبراً، والمستقبل لن ينتظر طويلاً، وساعة العمل دقت بالفعل. في السطور القادمة بضعة أفكار عن سبل تجاوز المأزق الراهن. ومن المهم هنا الإشارة إلى أن هذه مجرد أفكار عامة وأولية، هي أقرب إلى العصف الذهني منها للرؤية المكتملة، أساهم بها في النقاش العام حول المستقبل، لعلها بالاشتراك مع أفكار أخرى تزيل من الدرب حجراً، أو تنير في العقل طريقاً:
-          المصالحة الوطنية ليست ترفاً، بل ضرورة سياسية وحق إنساني. ويجب أن تشمل المصالحة الجميع، إلا من ثبتت عليه بشكل فردي تهم الفساد السياسي أو الإرهاب. وفي هذا الإطار، لا ينبغي أن تؤخذ فئة أو طائفة أو حزب بجريرة بعض أفرادها من المارقين أو الفاسدين، فذلك لا يحقق عدلاً بل يطبق عقاباً جماعياً. ولأن الجروح غائرة والميراث ثقيل، فلتعتمد المصالحة في مهدها على عتصرين. الأول قليل من الإغضاء عن أخطاء الماضي، وذلك بالتسامي فوق دواعي الكبرياء والخوف، ولواعج البغض والمقت، التي لا تمسك بمجتمع إلا نهشته وأقعدته عن النهوض. أما الثاني فإعمال مبدأ "المصارحة قبل المصالحة" تأكيداً على حسن النوايا وإزالة للريبة والشكوك. وبشكل عام من المهم أن نجعل من الماضي - كما قال توفيق الحكيم - منصة للقفز لا أريكة للاسترخاء، وأضيف  من عندي: ولا سوطاً لجلد الذات والغير. أما من الناحية العملية، فإن تجارب المصالحة الوطنية التي يمكن أن ننهل من دروسها عديدة، من جنوب افريقيا ورواندا لميانمار وشيلي وجواتيمالا وغيرها.   
-          إنهاء حالة التشرذم القائمة حالياً بين جميع القوى الديمقراطية صارت ضرورة، إذ لا يعقل في مواجهة سلطة تتشبث بمواقعها باستماتة أن يوجد على الساحة كل هذا العدد من القوى والتنظيمات دون أن تتحد تحت مظلة واحدة وبرنامج عمل موحد. في إطار ذلك، لعل البداية تكون بصياغة وثيقة أساسية تضم مبادئ عامة ومطالب رئيسية، تراعي الحد الأدنى للتوافق ولا تتطرق لمواطن الخلاف. ثم يلي ذلك محاولة الحصول على دعم القوى السياسية والمواطنين لها، بغرض زيادة الضغط على السلطة لتقديم تنازلات حقيقية فيما يخص المجال السياسي وأوضاع حقوق الإنسان. 
-          توسيع معسكر الراغبين في التغيير، وذلك عبر تخفيف هواجس الخائفين من التغيير المتعلقة بالأمن القومي واستقرار الأوضاع، وتبديل مفاهيمهم عن الثورة والتغيير، عبر تبيان أن الهدف الأخير والأسمى مشترك، ألا وهو رفاهة الشعب وسعادته، وأن الاختلاف بيننا يكمن فقط في وسائل هذا التغيير. وأيضاً إظهار أن مصر تستحق ما هو أفضل بكثير من الوضع الراهن، وأن تحقيق ذلك أمر غير عسير. فالوطن للجميع مهما عصفت ريح الخلافات بنا، هو لنا كلنا الأصل والعمر والمآل، وإخوته لن يطمسها شئ أبداً، والمستقبل يظل دائماً أهم من الماضي.   
-          امتلاك زمام المبادرة أمر حيوي، على الأقل لإثبات أن قلب السياسة لم يكف عن الخفقان. ومع أهمية دخول كل معترك مدني أو قانوني من أجل اثبات التواجد ونشر الأفكار، وعدم ترك الساحة خالية للسلطة وأدواتها، إلا أن التركيز على الملفات المهمة أمر أكثر جدوى. فالاصطفاف خلف أهداف قليلة ومحددة أفضل من تبديد الجهود في الهرولة وراء كل القضايا. ولعل الأولوية الآن هي للتباحث في شأن الموقف من الانتخابات الرئاسية المقرر أن تبدأ إجراءاتها في غضون شهور قليلة. يأتي ذلك على الرغم من تضاؤل فرص الفوز بها. ولكن لعل الجميع يدرك أن المعارك كثيراً ما تحسم بالنقاط لا الضربات القاضية. وأياً كان الموقف من الانتخابات وغيرها من القضايا فالمهم أن يظل دائماً موقفاً موحداً وثابتاً.
-          أما معايير اختيار المعارك السياسية الواجب التركيز عليها فيعتمد على أهمية الموضوع وتأثيره على فرص حلحلة الأوضاع وتقويض السلطة وتمهيد الطريق نحو تغيير أكبر. ويمكن الاقتداء في هذا الصدد بالتجربة الناجحة التي خاضها المحامي القانوني خالد علي في مواجهة اتفاقية ترسيم الحدود المصرية السعودية.  
-          البحث عن قيادة تروج وتعبر عن معاني الديمقراطية وقيم الحرية واحترام كرامة الإنسان. فالشعوب تميل بالفطرة لشخصنة الأفكار، وأغلب الناس كما قال الملك الحسن الثاني يوماً لا يكترثون كثيراً بالبرامج أو الخطط أو الأفكار وسائر المطلقات، وإنما بفريق من البشر، يتبعونهم ويخلصون لهم، ويفضل أن يكون لهذا الفريق قائد واحد وصوت واحد. كان هذا حال عبد الناصر الذي جسد للجماهير معاني الحرية والاستقلال والنهضة، وأعفاهم من مشقة التفكير في هذه المفاهيم السياسية ومدلولاتها العملية. وعلى الرغم من أن في جوهر هذا المنحى استسلاماً لآليات غير صحية نأمل أن تتغير، إلا أن للضرورات في هذا الزمن الوغد أحكامها.    
-          التمييز بين معارضة سياسات السلطة وهو حق أصيل، وبين الحفاظ على وحدة الجيش، وهو واجب لا يتزعزع. فالقوات المسلحة بحجمها ودورها وتاريخها ركن لا غنى عنه في الحفاظ على وحدة البلاد وسلامتها، ولا يمكن بأي حال من الأحوال محو ارتباط الشعب بالجيش، ولا محو الذكرى العطرة لأكتوبر 1973م. وإنطلاقاً من الحرص على سلامة الوطن والجيش معاً فلابد من الإعلان وبلا مواربة أن العلاقات المدنية-العسكرية تعرضت لخلل شديد في السنوات القليلة الماضية. وأن لهذا الخلل تبعاته السلبية على كل مناحي الحياة في مصر. ولا حل لاستعادة التوازن المفقود في المجتمع سوى بعودة كل طرف إلى قواعده. ومن ثم تبرز أهمية فتح حوار مع قيادات المؤسسة العسكرية، وشرح كيف أن انفتاح المجال السياسي ليس استهدافاً للجيش، بل هو على العكس يصب تماماً في مصلحته، الآن ومستقبلاً.   
-          في إطار إدارة العلاقة الشائكة مع السلطة، لم لا يتم إحياء فكرة الوفد؟ المقصود تكوين وفد بقيادة شخصية قوية العزائم كريمة الشمائل لا سبيل للطعن في شرفها، وذات مصداقية وشعبية واسعة في الداخل والخارج، وعضوية مجموعة من رموز الأمة. ويكون تكوين الوفد تعبيراً عن أن الأوضاع لم يعد من الممكن السكوت عليها، ومهمته أن يتفاوض مع السلطة رافعاً لائحة محددة من الطلبات المدعومة شعبياً (أكرر، المقصود التفاوض حول طلبات، لا رفع الطلبات انتظاراً لمكرمة أو هبة). ربما قال قائل إن السلطة عصية على الإصلاح، ولا فائدة من الحوار معها، وربما كان هذا صحيحاً. لكن التجربة خير برهان، ثم أن الفكرة في حد ذاتها ستؤدي إلى قليل من إعادة إحياء السياسة بوصفها ميداناً للتفاوض بين مختلف قوى المجتمع. أليس هذا أفضل – ولو قليلاً – من حالة الموات التام السائدة حالياً؟   
أما اللاءات الثلاث التي ينبغي أن تحكم ميثاق العمل الوطني فهي:
1-      عدم اللجوء للخارج بتاتاً، لأن المسألة برمتها مصرية. أما الجبهات التي تشكل في الخارج فغير مفيدة ولا قيمة لها، لأسباب مبدأية، فضلاً عن أنها تشوه سمعة الجهود الوطنية، إضافة إلى أن التواجد بالخارج يعرضها للاستغلال من الدول المضيفة، ولها مصالحها الخاصة بالطبع.
2-      عدم اللجوء للعنف. ففضلاً عن أسئلة المشروعية الأخلاقية الواضحة فإن الجدوى السياسية له محدودة للغاية.
3-      التوقف عن التخوين والسباب والنبش في اختلافات الماضي وإطلاق الاتهامات الجزافية بحق الحلفاء والغرماء على حد سواء. قديماً قيل: اعوجاج اللسان علامة على اعوجاج الحال. وعدالة القضايا بالفعل يلوثها السلوك والخطاب المعوج للمدافعين عنها.  
ما لا يدرك كله لا يترك كله، والنزال في القضايا الكبرى يحتاج لنفس طويل، واحتساب للصبر الجميل، ثم تنويع في الوسائل وتفرقة بين المراحل المختلفة للصراع دون تململ أو شكوى، ويبقى أن إشعال شمعة خير ألف مرة من لعن الظلام أناء الليل وأطراف النهار، وهو ما وصل إليه حالنا للأسف الشديد. 

د. نايل شامة
* نُشرت هذه المقالة بموقع المنصة (بتاريخ 21 سبتمبر 2017).        


Wednesday, September 13, 2017

A New Middle East?

Peering into the state of affairs in the Middle East reveals that the region might be on the verge of sea change. On various levels, and in several subsystems, a significant remoulding of maps, alliances and norms seems to be on the horizon. In this Middle East in flux, fundamental alliances are crumbling, old paths are being abandoned, political articles of faith are questioned, new plots and schemes are planned, emerging actors that don’t play it safe are asserting their presence, and traditional powers are groping to find their way amid increasing difficulties.
The winds of change are blowing in all directions. The contours of some of these changes already manifested themselves in the crisis that erupted last June between the United Arab Emirates (UAE), Saudi Arabia, Egypt and Bahrain on one hand and Qatar on the other. The standoff demonstrated that small Middle Eastern states that strive to punch above their weight have become regional forces to be reckoned with. In essence, the crisis was a testimony to the rising power of Qatar and the UAE: the former has proved influential enough to trigger the enforcement of a political and economic blockade by four more powerful states; the latter has led the anti-Qatar coalition and strove to push Doha out of the fold.
The crisis also marked the demise of the role of regional institutions, such as the Gulf Cooperation Council and the Arab League (AL), and their replacement by other, less formal and institutionalized, groupings. For instance, instead of its traditional reliance on the AL and the Organization of Islamic Conference, Saudi Arabia has preferred to work within the so-called Arab Alliance in Yemen, and the Quartet in regional politics. If this trend continues, which seems like the case, these institutions run the risk of descending into total irrelevance.     
In Gaza, an unanticipated political warming of relations between Hamas and its erstwhile bitter rival, Fateh’s former security honcho Mohamed Dahlan, has been in the making for months. According to the plan, whose full details are still unclear, Dahlan will return from his exile in the UAE to become prime minister of Gaza, Hamas will retain its control of the security file and Egypt will reopen the Rafah Crossing. Obviously, the step is taken in open defiance of Fateh and the Palestinian President Mahmoud Abbas, with which Dahlan has been at loggerheads for many years.
If finalized, the new arrangement - which is mediated by Egypt, financed by the UAE and indirectly backed by the United States - would significantly reshape Palestinian politics. It would reinforce the current division between Gaza and the West Bank, and undermine the influence of Abbas over Palestinian political and armed factions. It would also subject solid regional alliances to a drastic reconfiguration. News of the plan have already drawn the ire of Abbas and strained Cairo’s longstanding relations with Fateh,
Yet, the most striking outcome of this deal is that it might turn the cautious rapprochement between Hamas and Egypt into a substantial alliance, an unthinkable development in light of the antagonism and mistrust that have governed their relations over the past decades. Hamas has already tightened its control of the Egypt border, and organized a huge rally to declare its support for the Egyptian army in its war against terrorism. In return, Cairo has, as scholar Michele Dunne explained, “abandoned earlier efforts to isolate or crush Hamas,” the Palestinian offshoot of its domestic nemesis, the Muslim Brotherhood.     
Meanwhile, another political storm may be gathering in the heart of the Arab world. A final solution for the Palestinian question - the “ultimate deal” in the words of Donald Trump, or the “deal of the century” as the Egyptian President Abdel-Fattah El-Sisi dubbed it – has slowly come to the surface. It has apparently gained currency in Washington and Arab capitals in recent months. US and Middle Eastern leaders have not explained what exactly is meant by these terms, and whether they describe a workable short-term framework agreement or just a distant long-term objective. However, media reports indicate that the plan offers a formula to solve the Palestinian-Israeli conflict that involves the entire Arab world, and imply that it would radically transform both Middle Eastern politics and geography. According to these reports, the vision includes the establishment of a Palestinian state in Gaza, which would include parts of northern Sinai, and would accommodate Palestinian refugees. Israel would in return concede parts of its territory to Egypt. Full normalization between Israel and Arab states would ensue, which might pave the way for the formation of an Israel-Sunni Arab coalition against Iran.        
Concurrently, the time-honored norms of Arab politics are slowly changing. Most Arab states no longer pay deference, or even lip service, to the ideals of pan-Arabism or Islamism, which have consistently been seen as sources of domestic legitimacy. For decades following the inception of the modern Arab state system, Arab regimes used to make noise about Arab unity, the plight of the Palestinians and the wellbeing of the Islamic Umma. But now they make no effort to hide that realpolitik, not ideology, has become a fact of life in Arab politics. Saudi Arabia, for one, has to a large extent relinquished its historical role as a leading ‘Muslim’ country and the guardian of the Muslim holy shrines. It is now wagering on military might rather than Muslim diplomacy. That’s not entirely a surprise in light of Riyadh’s relentless bombing of a fellow Muslim country, Yemen, and its secret endeavors to develop ties with Israel—both taboos in the eyes of Arab people.
Other crucial developments in the region include a possible rapprochement between two of the region’s leading powers: Iran and Saudi Arabia. Signs suggesting a possible thaw in their icing relations include a handshake between the foreign ministers of the two countries in Istanbul, a rare visit by Iraq’s Shia cleric Muqtada Sadr to Saudi Arabia, and a declared plan to exchange diplomatic visits after the end of the Hajj season. In the shifting sands of the Levant, the Islamic State is losing territory and influence; the balance of power is tipping in favor of the Syrian regime of Bashar al-Assad who is clawing back territory from the rebels; and a referendum for the independence of Kurdistan is slated for September 25.
The implications of these developments for the international relations of the Middle East are still not fully clear, but are likely to be extremely significant. Bashar’s victory will embolden Arab autocrats and undermine the already meagre prospects of democratic transition in their countries; the rise of an independent Kurdistan in Iraq will encourage separatist Kurds in Turkey to follow suit, and may ignite a new civil war in Iraq for the control of the oil-rich city of Kirkuk; the deal of the century would put an end to the 70-year-old Arab-Israeli conflict; and a shift in regional alliances would likely breed a change in the region’s balance of power, disrupt the pecking order of the Arab state system and, perhaps, trigger the birth of an entirely new regional order. Domestically, meanwhile, a world of difference still exists between the expectations of Arab people and the foreign policies of their states. Legitimacy deficits persist, patience is wearing thin and instability remains the order of the day.

Nael Shama
* This essay appeared in The New Arab (English) on September 11, 2017.


Thursday, September 7, 2017

يوم تحين لحظة التغيير في مصر (3): ماذا تعلمنا من التجربة؟

سنوات ست ونيف مضت منذ لحظة الخامس والعشرين من يناير في 2011م، مر فيها الوطن بأكثر التجارب السياسية ثراءاً في تاريخه الحديث. كانت أيام مبارك في مجملها قليلة الأحداث، ضعيفة المردود، خافتة التأثير. تتابعت الوقائع على مدار ثلاثين عاماً بإيقاع ثابت رتيب ممل، يبعث على الخمول والكسل العقلي. وبغتة جاءت يناير وما بعدها، كسيلٍ عارم عرمرم في بركة ميتة، مفسحة المجال لطبقات من التفاعلات الكثيفة بين شبكات من الفاعلين والمشاركين. توالت الأحداث في الدهاليز والثكنات والميادين واستوديوهات التليفزيون، ومع كل حدث عبرة تتجلى، ومع كل انعطافة درس يتكشف، وفي كل قرار مناسبة للتدبر واستخلاص العبر. سنوات ست من الصعود والهبوط والاضطراب والتقلب والرجرجة، لكن بعد هذا الفيض من التفاعلات يجدر السؤال: ماذا تعلمت الأطراف المختلفة حقاً من هذه التجربة الثرية التي عايشتها عن كثب؟ هل عرفنا على وجه اليقين لِمَ لم نتمكن من تجنب المصير الذي آلت إليه يناير؟ وكيف السبيل إلى تجنبه حين تحين "يناير" أخرى؟  
مثلاً، ماذا تعلمت السلطة حقاً من زلزال الثورة؟ هل تفهمت أخيراً أن مفهوم السياسة أوسع كثيراً من مفهوم الأمن؟ هل أدركت أن المشاركة السياسية أساس أي نظام مستقر وقابل للحياة؟ هل أتاها حديث المنطق، فعرفت أن الاستئثار بالسلطة لا يدوم، وأن تأليه الحاكم لعنة تعجل بالنهايات، وأن تكميم الأفواه لا يمنع العقول من التفكير؟ ثم هل - وهو أضعف الإيمان - نما وعيها السياسي، أو صحا ضميرها الإنساني، فأدركت أن الممارسات التي تنتهك كرامة المواطنين لا تقيم أود الدولة ولا تعزز هيبتها، فضلاً عن انحرافها عن جادة كل دين وقانون؟ كلها لاءات تنضح بعمق الأزمة وصعوبة الحل، بل الأدهى أن أهل السلطة ما برحوا يعتبرون أن ثورة يناير إما مؤامرة، أو في أفضل الأحوال "وعياً زائفاً" أدى إلى "تحرك" غير محسوب كاد أن يسقط الدولة وينشر الفوضى. وعوضاً عن تفعيل التغيير اكتفوا بمغازلة الحالمين بالتغيير، يعدون بالرخاء والناس جوعى، ويبشرون بالأمن والناس مذعورون، ويرقصون على نغم العصر الذهبي المرتقب والبلاد في خراب مقيم.
وغلى الجانب الآخر من الصدع الوطني الكبير، ماذا تعلم الإخوان المسلمين من مأساة صعودهم وسقوطهم السريع إبان الثورة؟ هل اقتفوا أثر تجربتي 1952-1954 و 2011-2013م بدقة وأناة، ورصدوا دلالاتها ودروسها؟ هل بلغهم خطر خلط السياسة بالدين أم مازالوا في غيهم يعمهون، يعبون من قدح المظلومية ويعيدون إنتاج سائر الأفكار العتيقة؟ هل قاموا بمراجعة شاملة لعامهم البائس في السلطة مستخلصين مواضع الخلل ومواطن الزلل؟ لم يتغير كما يبدو شئ في أفكار الجماعة المترهل عقلها الجمعي سوى انزلاق فريق منهم نحو العنف السياسي، فصاروا كالمستجيرين من الرمضاء بالنار، يداوون الداء بداء أشد منه فتكاً.   
وماذا عن الأحزاب السياسية؟ للأسف يبدو أن أغلب قادتها وكوادرها لم يدرك بعد أن الصراع الحقيقي إنما هو بين مناصري الديمقراطية وأعدائها، لا بين الليبراليين والإسلاميين أو بين الليبراليين والاشتراكيين، وأنه لا إصلاح حقيقي بدون تعديل في طبيعة العلاقات المدنية-العسكرية القائمة. كما لم يظهر أيهم برهاناً على الإلمام بشروط وعقبات عمليات الانتقال الديمقراطي، كما أظهرتها عشرات من تجارب الدول عبر العقود السبعة الماضية، ومئات من الكتب والدراسات حول تلك التجارب. ثم يبدو أن الأحزاب لم تتعلم أن مغبة الخضوع والقبول بقواعد اللعبة كما ترسمها السلطة، أوخم من مغبة الممانعة، وأن ثمن دعم الاستبداد فادح، وأنها ستكون هي أول من يدفعه. وعلى الصعيد التنظيمي، مازال العراك والتشرذم والشللية وتغليب المصالح الشخصية مهيمناً على سلوكها وتوجهاتها.   
ثم ماذا عن السواد الأعظم من الشعب؟ هل صقلتهم التجربة وأيقظتهم الأزمة؟ ألم يصيبهم الجلوس في مقاعد المتفرجين بالضجر بعد؟ هل نفضوا عن أنفسهم غبار الضعف ووثاق الاستكانة وكفوا عن مؤاخاة اللامبالاة وشرعوا في طريق الوعي ولو بخطوة ؟ هل عرفوا أن الاستبداد مهلك، وأن اليقظة فرض وأن الخلاص للمنتفضين من أجل حقوقهم وعد؟ هل أدركوا أن جدارتهم بإنسانيتهم مرهون بالفكاك من عبادة القوة والهرولة بلا كلل وراء السراب؟  
***
وكأن مصر قد كتب عليها منذ أمد بعيد أن تدور بلا توقف في فلك آليات سيزيفية سرمدية يلوح فيها الأمل مع فجر كل تجربة، ثم ينقشع الوهم، ويتبدد الأمل، وتبوء كل تجربة بالفشل في نهايتها، ثم تتكرر الكَرَّة من البداية مرة أخرى. حماس فترقب فخيبة أمل فشعور طاغ بالهزيمة، وهكذا دواليك. تحمس الشعب "للحركة المباركة" في يوليو 1952م، آملاً في أن يكون في حكم "الضباط الأحرار" بديلاً حسناً لتسلط الملك وفشل الأحزاب السياسية. ثم اتقدت المشاعر وارتفع منسوب الحماس مع جلاء الإنجليز وتأميم قناة السويس والتصدي للعدوان الثلاثي. ثم ما لبثت أن وقعت أقنعة الناصرية وبدت عيوب التجربة شيئاً فشيئاً حتى زالت ورقة التوت الأخيرة مع هزيمة 1967م. 
تكررت الديناميات نفسها مع الرئيس السادات، الذي بدأ عهده بوعود القضاء على مراكز القوى وهدم المعتقلات وتدشين دولة القانون. استبشر المصريون خيراً بتلك الإيماءات، وارتفعت حرارة الاستبشار بالمستقبل إلى عنان السماء مع حرب أكتوبر المجيدة. ثم فتر ذلك الحماس بالتدريج بعدما تعثر الاقتصاد، وساد منطق الانفتاح "سداح مداح"، وحين اتضح أن للديمقراطية مخالب وأنياب حقيقية أودت في سبتمبر الغضب بآلاف السياسيين والمثقفين في غياهب السجون في ليلة واحدة. ظهر أن الليلة تشبه البارحة بل هي امتداد لها. ثم جاء مبارك، فأخرج المعتقلين السياسيين، وبشر بشعار "صنع في مصر"، ووعد بألا يبقى في السلطة لأكثر من فترتين، ثم انتهى إلى ما انتهى إليه من فساد وعناد وتوريث وجمود وفشل محقق.
مع تتابع متواليات التاريخ الحديث، وبعدها دراما سنوات يناير، راحت السكرة وجاءت الفكرة مراراً وتكراراً، لكن الجميع لم يتوقف عن معاقرة الغفلة. يحدث هذا في ظل ثقافة تلح على فكرة أن "المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين"، وأنه "لا حكيم إلا ذو تجربة"، وأن "التجربة خير برهان". باختصار، إن كانت التجارب الماضية رغم تكرارها وثرائها قد تركت فينا من رواسب الحزن ودواعي القنوط ما يفوق ما منحته من نفحات المعرفة، فإن المنطقي أن نكون مثل أولئك الذين لا يعون ماضيهم فيكتب عليهم أن يعيدوه، فنفشل في اقتناص الفرصة حين تداهمنا في المرة القادمة، ثم نبكي على أطلالها ناعين زوال الألم وضياع الحلم.   
وبعد، هل يمكن لمن صارت الغفلة من طبائعهم أن يصنعوا التغيير المنشود؟

وللحديث بقية في الجزء القادم من المقال.     

د. نايل شامة
* نُشرت هذه المقالة بموقع المنصة (بتاريخ 7 سبتمبر 2017).       


Wednesday, August 30, 2017

يوم تحين لحظة التغيير في مصر (2): ملاحظات حول تقديس الثورة

حديث التغيير المحتوم في مصر يجرنا شئنا أم أبينا إلى حديث الثورة بمفهومها الضيق، أي المظاهرات والاعتصامات وسائر الاحتجاجات الشعبية التي تؤدي إلى حدوث تغيير في قمة السلطة يمهد الطريق لتغيير النظام برمته. هذا الاقتران الشرطي في ذهنية كثير من المصريين راجع لسببين أساسيين. الأول هو تجربة الماضي القريب، متمثلة في 25 يناير و30 يونيو، اللتان صارتا جزءاً لا يتجزأ من وعي الشعب ونظرته إلى وسائل التغيير. أما الثاني فهو انسداد وسائل التغيير السلمي من داخل النظام، بل ووفاة السياسة عملياً في العهد الحالي، ما يجعل التغيير من داخل إطار المؤسسات الحالية أمراً يكاد يكون مستحيلاً، ولذلك تتكرر الإشارة إلى عبارة جون كينيدي الأثيرة - "هؤلاء الذين يجعلون الثورة السلمية مستحيلة يجعلون الثورة العنيفة حتمية" - في أدبيات المنشغلين بالشأن العام في مصر.    
التوق إلى الثورة أدى إلى اختزال التغيير في الثورة، بل وتقديس الثورة ورفعها فوق مستوى التناول والنقد. ثمة إشكاليات عدة تنبثق من ذلك المنحى. فمن حيث المبدأ يبدو أن البعض وقع بوجدانه أسيراً للثورة وصورها ورموزها، فنسى أن الثورة وسيلة وليست غاية في حد ذاتها، فركز أنظاره على الوسيلة متناسياً الغاية الأخيرة التي يرتجى الوصول إليها. والواقع أن التاريخ الإنساني يزخر بتجارب كثيرة تجاوزت فيها الوسائل الغايات وابتلعتها. مثلاً، طور العالم الأسلحة كوسيلة لاستخدامها لغاية محددة هي الحرب، لكن تطور صناعة السلاح وزيادة القدرة التدميرية الفتاكة لتلك الأسلحة (وخصوصاً الأسلحة النووية) جعل الحرب نفسها مستحيلة، وإلا خسر الطرفان ودُمر العالم بأسره.   
ثم أن الجنوح للثورة أمر محفوف دوماً بالمخاطر، ولهذا لا يجب اللجوء إليها إلا اضطراراً، لا السعي إليها هرولة بغض النظر عن السياق والتداعيات والنتائج. ولعل الجميع يدرك أن الأوضاع في مصر - الآن وفي المستقبل القريب - أسوأ كثيراً مما كانت عليه في 2011م، وعلى جميع المستويات. فالاقتصاد يمر اليوم بأزمة عضال لم يشهد مثلها منذ ثلاثين عاماً على الأقل، أما السنوات السابقة لثورة يناير، فشهدت تحسناً نظرياً في بعض المؤشرات الاقتصادية مثل معدل النمو، لكن أحداً لم يشعر بثماره بسبب سوء التوزيع وتوحش الفساد. أيضاً تراجعت وطأة العمليات الإرهابية في مصر مبارك منذ عام 1997م، ثم شهدت مصر هدوءاً كبيراً في السنوات الخمس السابقة على الثورة (باستثناء حادث كنيسة القديسين في الإسكندرية)، فيما وصل الوضع الأمني اليوم إلى ما هو أخطر بكثير. ثم أن رد فعل القوى المعادية للثورة لن يقف عند حدود التحريض الإعلامي الساذج أو استخدام أرباب الجمال للهجوم على المتظاهرين كما حدث في يناير. لقد تعقدت بشدة شبكات المصالح المستفيدة من الوضع القائم، وامتدت بطول البلاد وعرضها، والأرجح أن يستميت أصحابها للدفاع عن مصالحهم بكل قوة وقسوة. سيناريوهات المستقبل إذن إما غائمة أو كابوسية تشيب لها النواصي، لذا فالحسابات السياسية والإنسانية مطلوبة، والبحث في الخيارات والاحتمالات فريضة، والتريث ضروري،، وليس في ذلك أي نقيصة أو عيب.    
وحتى إذا وصلنا في مصر إلى وضع لا يتأتى تغييره بغير طريق الشارع وانتفاضته، وهو أمر محتمل، فإن دور الشارع سيقتصر على إطلاق شرارة التغيير، لا بلورة محتواه وتحديد مآله. لقد أبدع الشباب أيما إبداع في ثورة يناير، راسمين في جمهورية التحرير صورة بديعة، بكفاءة التنظيمً وبسالة التصميم وروعة الالتزام ورقي المعاملة. لكنهم - ومعهم زمرة السياسيين والمثقفين - فشلوا أيما فشل في المرحلة الانتقالية التي دُشنت بعد رحيل مبارك. سيطر سلطان الغضب والإفراط في العفوية، وغاب التحليل السليم لما هو حاصل ولما هو آت، واختفى التنظيم والتخطيط، وساد التشرذم القوى الثورية من بعد التوحد، وشاع الانغماس في معارك جانبية لا طائل من ورائها. ولذلك صحت فيهم مقولة الشاعر أحمد شوقي: "قادة الثورة مقودون بها، كالجلاميد تقدمت السيل، تحسبها تقوده وهي به مندفعة". ولم يكن غريباً بالتبعة أن تُهزم الثورة وتُنكس راياتها في أعين قطاعات واسعة من الشعب قبل أن تسحق على يد السلطة وهراواتها.
وفي العموم، يبقى أن الانفجار الثوري لحظة، أما التغيير فعملية مستمرة من العمل المضني تدوم شهوراً وسنوات، تتعرج وتنعطف فيها المسارات مراراً قبل أن تصل لمحطتها النهائية. فما الضمان على أن مصير يناير التعس لن يتكرر إن كرر الظرف التاريخي نفسه مرة أخرى؟
***
إن الشد والجذب في أوساط المثقفين بين مدرستي الإصلاح والثورة، وما بينهما من ظلال وأطياف وتخوم، قديم قدم الفكر الإنساني، ولا يعكس بالضرورة الفرقان بين فسطاطي الحق والباطل، بل هي فقط تصورات ورؤى مختلفة تبغي الوصول لعين الهدف. اختلف الفلاسفة مثلاً حول الثورة الفرتسية، فعارضها ادموند بيرك بشدة في كتابه "تأملات حول الثورة في فرنسا"، معرباً عن ثقته في أن التغيير الراديكالي لا يجدي نفعاً، وأن الثورة بالضرورة ستزيد الأوضاع سوءاً. أما توماس باين فكان من أشد أنصارها وملهميها، من خلال كتابيه "المنطق السليم" و"حقوق الإنسان". كما تفرقت السبل بمنظري الثورة الشيوعية في نهاية القرن التاسع عشر، فكان هناك إدوارد بيرنشتاين الداعي إلى مراجعة أفكار كارل ماركس، وكانت هناك الثورية روزا لوكسمبورج التي انتقدت أفكار بيرنشتاين في كتابها الشهير "إصلاح اجتماعي أم ثورة؟". أيضاً، في ظل احتدام الصراع في مصر مع السراي والإنجليز في عشرينات القرن الماضي، قال السياسي مكرم عبيد: "دلوني على الطريق، أثورة؟ ... نحن لسنا رجال ثورة. وأما الانتخابات فلندخلها"، فيما تحمس آخرون لاستئناف ثورة 1919م. وبالمثل، آمن الاشتراكيون الإنجليز من أتباع الجمعية الفابية - مثل الكاتب برنارد شو والإقتصادي سيدني ويب - بالإصلاح التدريجي الهادئ عوضاً عن التغيير بواسطة الثورة الشاملة.  
بيد أن معسكر الثورة في مصر نزع بإسم الحفاظ على النقاء الثوري المحض إلى تقديس الثورة بشكل مطلق، ورفض كل ما عداها. أنتج ذلك تزمتاً، وإفراطاً في التشدد مع المختلفين في الرأي، حتى هؤلاء المنضويين تحت لواء الثورة. ولذلك انتشرت لغة التخوين وسادت الشتائم في أوساط الثوار منذ يناير وحتى الآن. ثمة مفارقة كبيرة هنا، وهي أن الثوار تحولوا في تعلقهم هذا بفكرة الثورة واستبسالهم في الدفاع عنها لمحافظين متصلبي المزاج لا ثوريين حقيقيين. إذ ما الثورة سوى يقظة واعية، واستمرار أبدي في إعمال العقل، والتعاطي مع الأفكار، وتقليب الأمور على جوانبها؟ يشبه هذا التشدد ما ذهب إاليه فلاديمير لينين من وصف كارل كاوتسكي بالمرتد (renegade) في كتابه الشهير "الثورة البروليتاربة والمرتد كاوتسكي". كان كاونسكي قبلها أحد منظري الماركسية العتاة، ووُصف كثيراً "ببابا الماركسية". ثم اختلفت رؤى  الرفيقين حول الثورة والحكم وطبيعة الدولة السوفيتية الناشئة، وما لبث أن استحال الاختلاف خلافاً، ثم استعر الحلاف وتحول إلى عداء مستطير. وكان أن قال لينين بعدها: "أنا أكره وأحتقر كاوتسكي الآن أكثر من أي وقت مضى ، بحقارته وقذارته وزهوه بنفاقه". أما روزا لوكسمبورج فوصفت كتابات كاوتسكي بأنها "سلسلة مقرفة من شبكات العنكبوت". وفي السنوات الأولى للثورة الإيرانية، استفحل الخلاف بين الإمام الخميني ونائبه آية الله حسين منتظري (وهو أحد قادة الثورة ومنظريها)، ما أدى إلى فرض الإقامة الجبرية على الثاني، وإبعادة كلية عن حقل السياسة والفتوى.
نرى ما يشبه هذا الفُجر في الخصومة في سجالات الثوار المصريين ومناقشاتهم، حيث التطاوس الأجوف، والنزعة إلى نفي الغرماء ووصمهم بالخيانة ووصد الأبواب أمام آرائهم، وتبادل ذرابة الكلام وقاسي النعوت عند أول خلاف في وجهات النظر دون أن يندى لأحدهم جبين. أنى للتغيير الحق أن ينجح في تخليص الوطن من ربقة الاستبداد إن كان هذا النزق الطفولي هو سمت جنوده الأوفياء؟ وأنى لنا أن نصل إلى الديمقراطية إن كانت قيم كثير من الساعين إليها ديكتاتورية وإقصائية بامتياز؟
وبصرف النظر عن مثالب ومناقب نهجي الإصلاح والثورة، فإن ثمة أمران رئيسيان يجب وضعهما دوماً في الاعتبار. الأول أن الثورة في الأساس إدراك وتفكير، وليست تعصباً وبغضاً وحزبية وعلواً في الصوت وضيقاً في الأفق. ليست هذه بالطبع دعوة إلى المهادنة مع الظلم، أو القبول بالاستبداد وسياساته، أو حكم الأقلية ورجاله، بل هي دعوة إلى إعمال العقل، وتعاطي السياسة، والتخلص من إسار العاطفة حين تدق ساعة العمل. الأمر الثاني أن إرادة الفعل لا قيمة لها إن لم يسبقها حرية العقل. فالتفكير هو أساس التقدم الإنساني، أو كما قال هيجل أساس إعادة إنتاج البشرية لذاتها (sich selbst produzieren)، ثم جاء ماركس واستبدل قيمة التفكير بالعمل. أما الحقيقة فما هي إلا شك يؤدي لليقين ويقين قابل للشك. لكن العقل الثوري في مصر كثيراً ما يتنحى مفسحاً المجال لطغيان المشاعر وفيضان الغضب وتدفق شحنات الوجدان، في حالة من الانجراف لا يشكمها منطق أو تلجمها رشادة.
حري بالثوار النبلاء ألا يقعوا فيما وصف به الفيلسوف نافذ البصيرة اومبرتو إكو الفاشيين، حين قال أنهم صاروا أسرى للعمل أو الحركة (action)، فالحركة في نظرهم جميلة في حد ذاتها ولهذا يجب الاعتماد عليها بدون أن يسبقها أو يرافقها أي تدبر، فالتفكير شكل من أشكال الخصي. فليكن العقل نبراسنا دوماً على درب الحرية، أليس العقل بعماد الحرية في نهاية المطاف؟  
  
وللحديث بقية في الجزء القادم من المقال.     

د. نايل شامة

* نُشرت هذه المقالة بموقع المنصة (بتاريخ 30 أغسطس 2017).       

Wednesday, August 23, 2017

يوم تحين لحظة التغيير في مصر (1) صعوبات على الطريق

إذا كانت الجهود الرامية لإصلاح الواقع في مصر قد اصطدمت بصخور عدة، كارتفاع مستويات القمع، وتقلص مساحات التعبير عن الرأي، ورقاد الأحزاب والمثقفين في سبات عميق، فلا مناص – ولا بأس – من الانشغال بالمستقبل والتدبر في أمره. فالوضع الحالي ليس مستداماً وليس مستقراً مهما أوحت الشواهد بغير ذلك، بل يمكن القول أنه يحمل في طيات بنيته وأطره وأدائه بذور تغييره، طال الوقت اللازم لذلك أم قصر. إذ لا يمكن تصور أن تتزامن لفترة طويلة عوامل كممارسة أعلى درجات القمع والمعاناة المجتمعية من أسوأ الأزمات الاقتصادية مع موت العملية السياسية بالكامل وتفاقم الفشل الإداري في كل القطاعات دون أن يحدث أي انفتاح ولو جزئي في النظام السياسي. لكن المعضلة أنه حين تحين في المستقبل لحظة تغيير كبرى – أياً كان نوعها ومقدماتها وتوقيتها – فإن قوى التغيير ستجد أنفسها أمام بيئة غير مهيأة بالمرة للتغيير. ففي الحاضر علل مستعصية ستقف في اللحظة الفارقة حجر عثرة أمام نجاح أي تغيير سلمي ومتوازن وبناء.
أول تلك العلل هو غياب البديل القادر على ملء الفراغ السياسي وقت الأزمة، نتيجة لضمور الحياة السياسية، واقتلاع مؤسسات المجتمع المدني وتأميم الإعلام. المفارقة أنه كانت هناك ثمة حياة سياسية أيام مبارك (الذي قامت ضده ثورة أنهت عهده)، لكنها كانت محكومة بقواعد صارمة، تحافظ على منصب الرئيس وهيمنة الأجهزة الأمنية وسيطرة الحزب الحاكم على البرلمان. برغم السلطوية، لم تمت السياسة، وأعلنت عن نفسها من خلال منابر مختلفة، كالنقابات وصحف المعارضة ومسيرات الشارع (وفي وقت لاحق استعانت بالأدوات الرقمية كالمدونات ووسائل التواصل الاجتماعي). اليوم يبدو ذلك القليل من السياسة (والمحصور في الهامش) من قبيل الرغد والبحبوحة السياسية. فقد لفظت السياسة بشكلها التقليدي أنفاسها الأخيرة في السنوات الأخيرة، واختُزِلت - وهي بطبيعة الأشياء عملية معقدة ومتعددة الأوجه ومترامية الأطراف - في شخص واحد تعاونه الأجهزة الأمنية، ولم يعد هناك حتى حزب حاكم. كما اختُزِلت عملية الحكم - والمنوط بها إدارة تناقضات المجتمع والتعبير عنها – في السيطرة والقمع. باختصار صرنا بصدد سلطة بلا سياسة.  
يبدو الأمر، إن شبهناه بمباريات كرة القدم، وكأن قواعد اللعبة تغيرت جذرياً: حق للجميع أيام مبارك نزول الملعب ومداعبة الكرة لكن تسجيل الأهداف ظل امتيازاً حصرياً لمبارك ونجله وحزبه، فيما اكتفى الآخرون بركل الكرة في أركان الملعب. أما الآن فليس من حق أحد نزول الملعب من الأساس سوى الرئيس وأجهزته ومعاونيه. لذا اكتظت بالآخرين مدرجات المتفرجين أو سلالم الخروج من الاستاد.
وبديهي أن مصر ستدفع ثمناً باهظاً لذلك حين تحين لحظة التغيير. يتذكر الجميع مثلاً أن تهميش القوى العلمانية في العقود الثلاثة لعهد مبارك أدى إلى سيطرة الإسلاميين على كل الإنتخابات بعد رحيله (ومجموعها خمسٍ جرت في الفترة من مارس 2011م إلى ديسمبر 2012م). أما اليوم فالجميع – من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين –  في التهميش سواء. وحين تتداعى الأوضاع ويستوطن الفراغ، ستسعى كل الأطراف بشكل محموم لفرض إرادتها وحسم الأمور لصالحها. بيد أن غياب الأطر السياسية الشرعية، وطول فترة الكمون في الهامش، ينذر بخطر أن تسقط البلاد في قبضة العنف. إذ يولد العنف دوماً من كونه خياراً أخيراً يتم اللجوء إليه حين تتوارى السياسة، وحين لا توجد آليات واضحة تحظى بالتوافق الوطني لحل الخلافات بين الفرقاء.  
ثاني تلك العلل يكمن في انخفاض مستوى الثقة في مؤسسات الدولة جميعاً إلى أدنى مستوياتها، ليس فقط في كفاءتها المهنية وقدرتها على الإنجاز، بل في إخلاصها ووطنيتها أيضاً. يأتي ذلك رغم أن النظام الحالي جاء منذ اللحظة الأولى محمولاً على صهوة الوطنية، وما طفق منذئذ يقتات على سنام مشاعرها الجياشة. لقد كان لافتاً في غمرة الثورة في يناير 2011م أن المتظاهرين صبوا جام غضبهم على الشرطة والحزب الوطني الديمقراطي فحسب، ولذلك استهدفت طاقتهم التدميرية أقسام الشرطة ومقار الحزب على مستوى الجمهورية، فيما لم تُمس بسوء تقريباً باقي المباني والمصالح الحكومية. أما الاحتفاء العظيم يومئذ فكان من نصيب ضباط الجيش وجنوده.
كانت هذه هي الصورة في 2011م، لكن مياهاً كثيرة جرت في نهر السياسة المصرية منذ ذلك الحين. فالحياد الذي اتسم به موقف المؤسسة العسكرية في 2011م تحول في غضون سنوات قليلة إلى دعم كامل وظاهر للنظام، وعلى نفس المنوال أصاب التسييس جزءاً من مؤسسة القضاء العريق، مما جعل منه طرفاً أساسياً في معادلة الحكم. انفصمت إذاً كل أواصر الثقة أو كادت بين الدولة وقطاعات واسعة من المجتمع، ولم يبق ثمة من محصنين - بالهيبة والسمعة - داخل إطار الدولة المصرية. وعليه فإذا وصل السخط الشعبي على نظام الحكم ذروته يوماً، فستمتد نيرانه بلا شك إلى كل المؤسسات، وهو أمر شديد الخطورة، وينبغي بكل وسيلة تجنبه.
ثم أن تفكك مؤسسات الدولة وتحولها إلى جزر منفصلة لا رابط ولا تنسيق بينها إلا القليل لا يبشر بخير. فحين يفرض التغيير نفسه يفترض أن يحدث بالدولة، لا بمعزل عنها. فمصر دولة ذات بيروقراطية عتيدة، تبسط وجودها الأخطبوطي على كافة مناحي الحياة، ولذلك لا يمكن تجاوزها أو القفز من فوقها. وعلى الرغم من أن الرئيس السيسي قد وضع الحفاظ على مؤسسات الدولة هدفاً رئيسياً لحكمه، فإن ذلك لم يتحقق، على الأرجح لاختلاف مفهومه عن ماهية "الدولة" والأسلوب الأمثل لاستعادة "هيبتها". بل كان أن حدث العكس تماماً: كفاءة متدنية في الأداء، وتراكم للأخطاء والخيبات في كافة القطاعات، واعتماد متزايد على المؤسسة العسكرية (للاستفادة من انضباطها وكفاءة أدائها) أدى لمزيد من تدهور أداء المؤسسات المدنية.  
والأكثر من هذا غياب القيادة الحكيمة، فلا نحن الآن إزاء ديمقراطية سليمة متسلحة بقواعد الحكم الرشيد، ولا حتى ديكتاتورية آمرة ناهية ترصد مواطن الزلل داخل الدولة فتقومها سريعاً بسلطة الحاكم الفرد. بل نحن بصدد حالة من السيولة والانقسام انطلق على إثرها المرؤوسون في مواقعهم يوطدون نفوذهم، ويشيدون بكل دأبٍ قواعداً من المؤيدين والمريدين. يظهر هذا أكثر ما يظهر في المؤسسات الأمنية، والتي يفترض أن يكون التنسيق والتعاون فيما بينها أعلى ما يكون، بالنظر إلى تقارب الاختصاصات، ووحدة الأهداف (كمحاربة الإرهاب والجريمة). لكن التعاون استبدل بالتنافس، وبزغ بوضوح السعي المنفرد للظفر بالسلطة، ولزيادة رأس المال السياسي عبر الاستثمار في المشاريع الإقتصادية ووسائل الإعلام، وبناء شبكات واسعة من العلاقات في الدولة والمجتمع ودوائر المال والأعمال.  
بالتوازي مع ذلك، سقط نموذج الثورة السلمية في أذهان الشباب، وهم بطبيعة الحال وقود أي تغيير حقيقي ومعوله. إذ حدث لهم تغير هائل على المستوى النفسي والوجداني منذ لحظة يناير، والتي كان شعارها الأثير هو "سلمية". كان الثوار عندئذ أيفاعاً في ميعة الشباب، وكانوا بالطبع حديثي العهد بالسياسة، مدفوعين في حماسهم بالأمل والإخلاص وسلامة الطوية، لكن الانخراط في نهر السياسة الآسن، وانكباب الأطراف كلها على نفخ جمرات الصراع والفتنة، ترك آثاراً كبيرة عليهم.  
فالسنوات المحمومة التي تلت إقصاء مبارك، والعنف الذي ترعرع ثم تربع فيها، ثم عودة الدولة على أسنة الرماح في عام 2013م، هزت كيان الشباب، وربتهم على أن القوة - والقوة فقط - هي ما يفيد وينفع في مضمار السياسة، وأن الأحلام البريئة والشعارات النبيلة التي حملوها على أكتافهم في يناير لا تغني ولا تسمن من جوع. اليوم يؤمن كثير منهم أن إسقاط النظام "بأكمله" ضرورة، وأن بناء ما هو جديد يستدعي هدماً كاملاً لما هو قديم، كما سقط بعضهم فريسة لروح الانتقام والرغبة في التشفي في غرمائهم. ليس هذا بمستغرب، فالعنف معدٍ، والأنظمة العنيفة كثيراً ما تولد معارضة شبيهة بها: عنيفة وشديدة المراس.  
بانصرام الثورة، واختطاف الحلم، وسجن الرفاق، وانفجار حمامات الدم، تكسرت النصال على النصال، وبلغ الغضب الحلقوم، ولذلك ما طفقت أفئدة الشباب ترسف في أغلال اليأس والبغضاء وخيبة الأمل. طاقات الغضب المكظوم ونوازع الشر المكبوتة اليوم هائلة، ولا ينبغي الاستهانة بها أبداً. وبديهي أنه إن واتت الفرصة الشباب لتفريغ هذه الطاقات في حمأة صراع مستقبلي، فستكون العواقب وخيمة، وهو ما يخصم قطعاً من فرص النجاح حين ترسو سفينة المجتمع على محطة التغيير.  
ثم يأتي استمرار تدهور النخب المصرية ليضفي ظلالاً إضافية من الشك على إمكانية نجاح أي تغيير إيجابي، إذ أنى للتغيير أن يتحقق في غياب الكوادر والقيادات؟ لقد رسبت النخبة المصرية منذ لحظة الخامس والعشرين من يناير في كل الاختبارات، ولا يرجى منها الكثير، لا في أوقات الاستقرار ولا في أوقات التغيير. فأمراض الحياة الحزبية الرئيسية ما تزال مستمرة ومتفاقمة، مثل تشظى الكيانات الحزبية، وانغماسها في صراعاتها الداخلية، وجنوحها إلى الصراع مع بعضها البعض أكثر من مناطحتها للسلطة، بل ومساندة بعضها للأنظمة بشكل صارخ (ولذلك سميت "بالمعارضة الوفية")، وفشلها في تقديم أي إسهامات سياسية أو فكرية حقيقية. أما النخب المصرية – داخل الأحزاب وخارجها – فلا يزال يحكم أداء أغلبها مزيج سام من الانتهازية والاستبداد والشللية والمداهنة وقصر النظر.
***
ستشتد على الأرجح عقابيل الأزمة حتى منتهاها. وبالتبعة ستكر السبحة، وينفرط العقد، وتنقشع الغيمة، وتبزغ شمس الفرصة يوماً، لكننا غير مؤهلين لاغتنامها. فغياب البديل السياسي، وضعف الثقة في الدولة والنخب السياسية وآلآليات المؤسساتية القائمة، وفتور الحماس للأدوات السلمية في التعبير مع تصاعد مستويات الغضب، كل هذا يفتح الباب على مصراعيه أمام انفجارات العنف الطائش والمراهقة السياسية من ناحية، وجموح الانتهازية والصيد في الماء العكر من ناحية أخرى. أنى لمصر أن تتجنب هذا المصير الماحق؟ هذا هو السؤال الكبير الذي يجدر بالجميع الانشغال به.  

وللحديث بقية في الجزء القادم من المقال.        

د. نايل شامة

* نُشرت هذه المقالة بموقع المنصة (بتاريخ 23 أغسطس 2017).

Monday, June 26, 2017

جمود السياسة وأعاصير الفشل في مصر

فيما يواصل الخطاب الرسمي التبشير بالغد الصبوح الذي ينتظر الشعب المصري بعد هنيهة من الصبر الجميل، تجوس في سماء السياسة والمجتمع في مصر غيوم مدلهمة عابسة مكفهرة القسمات تخفي أضواء المستقبل، وتبسط ظلالاً داكنة من الجزع والوحشة في سماء الحاضر. أربعة عواصف على الأقل تجمعت نذرها في الأفاق، ويشتد أوارها يوماً وراء الآخر، ماضية - إن لم يتم إجهاضها سريعاً - بخطى واثقة نحو ما لا يحمد عقباه.
أولاً: اشتدت وطأة العمليات الإرهابية كماً وكيفاً. فمن ناحية شهدت الشهور الأخيرة اتساع نطاق الهجمات الإرهابية وخروجها من الحيز الجغرافي الضيق الذي انحصرت فيه لعدة أعوام في محافظة شمال سيناء، والذي أشار إليه الرئيس عبد الفتاح السيسي بكونه لا يزيد عن 1% من مجموع مساحة شبه جزيرة سيناء. خرج الإرهاب من مكمنه وامتدت أياديه لتضرب عدة مناطق استراتيجية بالعمق المصري - في أقاليم القاهرة والإسكندرية والدلتا والصعيد - وجنوب سيناء. أما على صعيد الكم فتشير الإحصاءات الصادرة عن معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط إلى زيادة عدد العمليات الإرهابية في نطاق محافظة شمال سيناء من 143 في عام 2014م إلى 426 في عام 2015م ثم 681 في عام 2016م. ثم كان أن دخلت القبائل مؤخراً على خط المواجهة المسلحة مع فرع تنظيم الدولة الإسلامية في شمال سيناء، وهو تطور مآله لا ريب تعاظم الصراع وإطالة أمده. أما الهجمات التي وقعت خارج نطاق شمال سيناء فقد انخفض عددها في عام 2016م مقارنة بالعام السابق، لكن زادت خطورتها وأعداد الضحايا الناجمة عنها في الشهور الأولى من عام 2017م.
سنوات تربو على الأربع انقضت من حرب ضروس مع الإرهاب أظهرت عجز الدولة عن التعامل بكفاءة مع هذا التهديد المتصاعد من زاويتين رئيسيتين. الأولى هي الخطط الأمنية المطبقة على الأرض في خضم المواجهات المباشرة، والثانية تتعلق بالإطار السياسي والفكري الذي زرع الريح فحصد العاصفة، إذ وفرت السياسات المتبعة البيئة المناسبة لبزوغ وتمدد الإرهاب من حيث أراد حصاره واستئصال شأفته. وهو ما أومأ إليه مؤخراً مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان حين حذر من أن الإجراءات الأمنية العنيفة التي تنتهجها الحكومة المصرية تغذي التطرف والإرهاب ولا تقطع دابرهما، مضيفاً أنه ما هكذا يُواجه الإرهاب.   
ثانياً: تشهد الساحة المصرية منذ ديسمبر الماضي استهدافاً منظماً للمسيحيين المصريين، شمل تهجيرهم قسرياً من منازلهم بمحافظة شمال سيناء، واستهداف كنائسهم بالقاهرة والإسكندرية وطنطا وسانت كاترين، إضافة إلى استهداف حافلة تقل مسيحيين في طريقهم للصلاة في المنيا. والأكثر مدعاة للقلق من استهداف العاصمتين الأولى والثانية للدولة المصرية في غضون أشهر قليلة هو أن استهداف الكاتدرائية المرقسية بالإسكندرية في أبريل الماضي وقع أثناء تواجد البابا تواضروس بها، أما حادث المنيا فيكشف عن اتجاه لاستهداف الأقباط في أكثر الأماكن الأمنية رخاوة، وفي أبعدها من الناحية الجغرافية عن مركز الأحداث. هذان التطوران – استهداف أهم القيادات وعامة المسيحيين على السواء - ينذران إن تكررا بتداعيات ونتائج بالغة الخطورة.   
ويدرك المتابع لسلوك وخطاب الفرع المصري للتنظيم أنه ليس في نيتها الإحجام عن استهداف المسيحيين، بل من المرجح أن يتسع المدى الجغرافي وتطول قائمة الأهداف الحيوية لحملتهم الدموية. وبديهي أنه لن تقف عقبى ذلك عند تهديد الأمن العام، وتقويض شرعية النظام، وخفض موارد الدولة من السياحة والاستثمارات الأجنبية فحسب، بل قد تتعداه إلى شق صفوف المجتمع وزرع بذور فتنة طائفية لا يعلم إلا الله آثارها ومداها. 
ثالثاً: مازال الاقتصاد المصري في حالة من التأزم شديدة ومستفحلة. فبعد أشهر من التلكؤ وجر الأرجل، استقرت الجكومة أخيراً في نوفمبر الماضي على ما رأت فيه حلاً للأزمة، وهو تحرير سعر الصرف. لكن الأزمة الاقتصادية مازالت تراوح مكانها بعد أكثر من ستة أشهر من تطبيق الإجراءات الرامية لتعزيز موارد الدولة من العملة الصعبة وتطويق السوق الموازية للنقد الأجنبي. وتشير الأرقام الرسمية الصادرة من الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى ارتفاع معدل التضخم السنوي إلى 31.7% و32.5% و32.9% في شهور فبراير ومارس وأبريل الماضية، وهو معدل قياسي لم يتحقق منذ أكثر من ثلاثين عاماً، أما زيادة أسعار الغذاء والمشروبات فقد تجاوزت على مدار عام حاجز الأربعين بالمائة. في نفس السياق، توقع تقرير لمؤسسة "يولر هيرميس" الائتمانية أن تشهد مصر في عام 2017م أسوأ معدل نمو اقتصادي منذ عام 1967م، أي منذ خمسين عاماً كاملة، وفي سنة تلقت فيها الدولة هزيمة عسكرية ثقيلة.  
رابعاً: برغم تلك الأزمات المستعرة، ما انفكت السياسة متابعة سباتها العميق، فيما يواصل سيف الأمن البتار العصف بالدستور والقانون، وانتهاك الحريات والحقوق بلا رادع أو وازع. وتُظهر أزمات السلطة المستمرة مع السلطة القضائية والأزهر وأطراف في الإعلام إلى انصباب اهتمامها على السيطرة التامة، بالتوازي مع سقوط معايير رأب الصدع المجتمعي ووأد الأزمات في مهدها من سلم أولوياتها. وما التطور الأخير بحجب العشرات من المواقع الخبرية على موقع الإنترنت إلا حلقة في سلسلة طويلة تشي بضيق صدر السلطة بأقل القليل من الاستقلال واختلاف الرأي.
يستمر انسداد الأفق السياسي هذا فيما تبدأ الإجراءات الممهدة لانتخابات الرئاسة 2018م في أقل من عام في بيئة سياسية جدباء، وغياب لكل أنواع الحريات، وعزوف لكل المرشحين المحتملين عن حتى البوح بنواياهم مخافة البطش وتلويث السمعة. يتزامن ذلك مع اختزال السياسة المصرية بكل تعقيداتها ومستوياتها في شخص واحد ومؤسسة واحدة. ذلك أمر جسيم في بلد كمصر، إمكانياته البشرية هائلة لكنها محجوبة ومحاصرة، فصارت كالسيوف في أغمادها يأكلها صدأ النسيان.
ثم جاءت موافقة مجلس النواب على اتفاقية تعيين الحدود البحرية بين القاهرة والرياض - والتي تتضمن نقل السيادة على جزيرتي تيران وصنافير للسعودية – ثم مسارعة الرئيس السيسي في التصديق على الاتفاقية (برغم استمرار النزاع القانوني حول سلامتها الدستورية والقانونية) لتصيب شرعية النظام في مقتل، ولتُفقد قطاعات واسعة من الشعب المصري ثقتهم في النظام السياسي بأكمله. يرى هؤلاء أن النظام القائم بشخوصه ومؤسساته ما عاد مؤتمناً، ليس فقط على رفاهة الشعب وتحقيق تطلعاته في الاقتصاد والأمن، بل حتى على الحفاظ على وحدة الوطن وسيادته على كامل أراضيه. يفاقم هذا التطور الجلل من عمق الأزمة السياسية، ويهدد بحدوث تداعيات سياسية ودستورية واجتماعية لا يبدو أن بمقدور السلطة الحالية التعامل معها بكفاءة.
***
تغذي هذه الأزمات بعضها البعض، ليزيد استحكام الأزمة وليتعمق مأزق الشرعية. لكن الدولة تجابه هذه الحزمة من التهديدات بجعبة خاوية الوفاض من الرؤى بعيدة الأمد والحلول السياسية الناجعة، مواصلة تربصها الدوائر بكل أشكال الاحتجاج، واتكائها على ما بقي من شعبية الرئيس عبد الفتاح السيسي وخطاباته العاطفية، التي توقظ مشاعر الأمل والحماس لبرهة، لكنها لا تغني ولا تسمن من جوع وفقر وإرهاب واستبداد.
ولهذا احتجبت الشمس في سرادق الغيم طويلاً دون بادرة على حل أو حلحلة لأيٍ من معضلات السياسة والاقتصاد والمجتمع الرئيسة في مصر. ومن نافلة القول أن أكبر النار من مستصغر الشرر، وأن تجاهل الأزمات يفاقمها، وأن العواصف الناشئة قد تتحول سريعاً لأنواء هوجاء تنثر الوبال وسوء العاقبة. وعليه فحري بمن بيدهم مقاليد الأمر أن يغوا وينتبهوا ويبادروا سريعاً بإصلاح الخلل من جذوره قبل أن يعصف الريح الصرصر بكل شئ.  

د. نايل شامة

* نُشرت هذه المقالة بموقع المنصة (بتاريخ 26 يونيو 2017).


Tuesday, April 18, 2017

The Syria Questions


Over the past two centuries, Arabs asked themselves an endless stream of questions. The appropriate role of Islam in politics; the dialectic relationship between tradition and modernity; the merits or demerits of liberalism and socialism; the meaning and purpose of a true Arab or Muslim identity; the challenge of how to bring to Arab societies the light of renaissance out of the squalor of backwardness; and how to manage the relationship with the West and, after 1948, Israel were, to name a few, some of the theoretical debates that have preoccupied Arabs since the dawn of the 19th century.      
Hardly any of these questions have been settled and put to rest, adding to the travails of a nation seeking to come to grips with its wretched present and future. Still raging in the Arab mind, these open questions are causing confusion, the lack of a vision and the absence of a true sense of direction. Now, additionally, the powerful winds blowing from the civil war in Syria have triggered a number of political questions that could have far-reaching ramifications on the region’s state-society relations, interstate dynamics and international affairs.
First, with the escalation of the civil war in Syria, Arabs have found themselves caught between a rock and a hard place, supporting Bashar Al-Assad or jeopardizing Syria’s territorial integrity. The Sykes-Picot agreement of 1916 had put down the roots of the modern Arab state system, carving new political entities in an area brimming with a jumbled mix of identities and peculiarities. Yet, after around 100 years of state ideology indoctrination and simmering nationalism, the artificial borders of Arab states are seen as deep-rooted, almost sacred. Even new states like Jordan (established in the 1920s) and the oil-rich Gulf states such as Qatar, Bahrain and the United Arab Emirates (born only in the 1970s), have forged a formidable national identity despite their late entry into the realm of nation-states. Although challenged by a number of sub-state and supra-state affiliations, the Arab state has prevailed, physically and psychologically. There is a belief in the region that Arab states are immortal, their land is sacred and their present-day borders will never change.  
But then came the stalemate of the Syrian civil war, which pitted the state against a motley group of militias that aspire to change the country’s political map. The kaleidoscopic nature of the combatants, and the many claimants to Syrian land, led to a situation summarized by the famous catchphrase ‘there will be no Syria after Assad.’ In the scheme of things, indeed, the chances of maintaining Syria’s integrity are slim if the Alawite-led regime of Assad is jettisoned. For Syrians and Arabs in general, this situation poses a political and moral dilemma. Is it morally right to support a dictator as ruthless as Assad in order to maintain Syria’s geographic integrity and avoid its partition? Or isn’t opposing a regime that killed hundreds of thousands of its people, and displaced millions, a moral obligation?
Second, the war in Syria pitted against each other two nefarious parties: A tyrant regime and fanatic Islamic groups. To be sure, in the course of the war, both parties looked in many respects like they were cut from the same cloth. Both demonstrated that they are enemies of freedom, committed hideous crimes against humanity; and stirred sectarianism and exacerbated the Sunni-Shia rift. Both are the past. There is no shred of doubt that neither, in the judgement of any sensible mind, can ever lead the way to a better future.
The same dynamics are at play in various, if not most, Arab states. In power, there is usually an autocratic regime - sultanistic, dynastic, or theocratic – that has a long history of oppression and socioeconomic mismanagement. In the opposition, there is an Islamic party whose ideas are incongruent with liberal democracy and whose cadres are short on the skills of governance. Without other alternatives, Arabs are confronted with hard choices. In Syria’s current “dance of death,” the choice has been between despotism and religious fascism, Mukhabarat barons and warlords, a republic of fear and a dystopian caliphate, or, more simply, between Assad and ISIS. In such a tradeoff between hell and inferno, neither predator is entitled to “the lesser evil” status.
The Arab uprisings of 2011 had offered a rare opportunity, a clear path out of the dilemma. In Cairo’s Tahrir Square, Bourguiba Street in Tunis, the Pearl Roundabout in Manama, Bahrain, and other sites brewing with fury and hope, the pro-democracy activists raised the banner of reform. They advocated the creation of a humane and just political order that is neither autocratic nor Sharia-based. But the torch of revolution was quickly snuffed out, perhaps laid to waste by these two potent forces in Arab politics: Tyrannies defending entrenched interests, and Islamic parties, long waiting in the wing for a cunning takeover. Six years after the so-called Arab spring, Arab peoples wonder: Now what? Where is the way forward? And what kind of future lies ahead for Arab societies if the choice remains confined to these two forces of the past?
The third question raised by the war in Syria is whether resistance to tyranny by force is legitimate. Peaceful forms of dissent are unquestionably legitimate, both legally and politically. But taking up arms against a dictatorship is entirely different. Obviously, no such debate would take place in an established democracy, where peaceful dissent is tolerated, and where the system’s constitutional and legal lines are clearly demarcated. But when it comes to a regime as that of Assad - whose ruthlessness is unparalleled even by Arab world standards - a window for debate has opened.
This question is rooted in old philosophical debates about the state’s monopoly of the use of coercion, which Max Weber argued is “one of the defining characteristics of the modern state.” But Weber’s theory has many detractors. Frantz Fanon, for instance, posited that violence can have a cathartic and liberating effect; only violence pays, he said. In her cerebral book On Violence, Hannah Arendt used the perplexing argument that under certain circumstances (such as self-defense), violence “can be justifiable, but it will never be legitimate.” And wearing the hat of a public intellectual, Jean Paul Sartre went as far as advocating armed resistance against the state, using the famous line: Terrorism is the atomic bomb of the poor.
These arguments may be radical, but they could be extremely appealing to the oppressed, especially if backed by religious scriptures. In the drab landscape of Arab authoritarian regimes, whose resilience has bred vexation and despair, there are those who believe that state oppression justifies counter-violence, or jihad. Under duress, they believe, using “all” means of resistance is legitimate, or even imperative. Terrorism was clearly born from this belief. On the other end of the spectrum, there are the hopefuls who still believe that reform can originate from inside the sclerotic regimes, or through a gradual accumulation of social pressure, or perhaps through a stroke of historical luck.
Both are misguided. Neither violence nor inaction will do. Between the distress and the daydreaming, the road to a better future is lost. At any rate, the outcome of the debate on armed resistance will have serious repercussions on the future of political dynamics in the region.    
The fourth question is about the appropriateness of armed foreign intervention. The presence of foreign boots on Arab soil has long been a taboo in the Arab world. This is why, for instance, the majority of Arab people opposed the US-led invasion of Iraq in 2003 despite their resentment of Saddam Hussein and his ruling clique. This is also why both the regime and the opposition in Syria are in a morally difficult situation. Both dragged foreign military forces to the civil war. Assad’s regime has invited a plethora of foreign parties to the conflict (including Russia, Hezbollah and several Shia Iraqi militias), and the opposition recruited to its ranks thousands of foreign fighters from more than 80 countries.
Now in its seventh year, the longevity of the Syrian conflict seems to have set a blatant precedent for the region, introducing a practice which was hitherto loathed. This begs a number of questions: Is it now legitimate for an embattled regime to seek, or invite, outside help if its survival was at stake? In the same vein, is it legitimate for “freedom fighters” to collaborate with foreign brothers-in-arms against a native ruler? And where should the line be drawn concerning the “acceptable” nature and extent of foreign military involvement in a domestic conflict?
The last question involves Israel, the longtime foe of the Arab nation. Egypt had made peace with Israel in the 1970s, followed by Jordan and the PLO in the 1990s. But Israel remained largely ostracized by other Arab states, who maintained that relations with Israel would only be normalized after Israel withdrew from occupied Arab territory—the ‘land for peace’ formula. Most Arab people take a tougher stance, casting Israel in diabolical light and opting for a complete boycott of the Jewish state.       
This hardline perception has not been consigned to memory but it seems to be changing. The horrors committed by the Assad regime and ISIS made the crimes of Israel look, in comparison, rather mild. In the game of calculation, it is apparent that the number of victims killed at the hands of any Arab state in response to social upheaval is significantly higher than those who perished as a consequence of Israel’s violence against the Palestinians. The Arab media has also softened its tone towards Israel. It was striking to note, during the heart-stirring battle for Aleppo, that several Arab dailies reported on Israel’s provision of medical assistance to Syrians injured in the fighting. Their coverage used words that, explicitly or implicitly, hinted at the gulf separating those who inflict pain and those who relieve it, the Arab/Islamist militias and Israel, respectively. This was hitherto unthinkable.  
Concerning Israel, accordingly, several questions have propped up: Has Israel ceased to be the paragon of evil in the Arab world? Is the Palestinian question still the central conflict in the region, as Arab governments have claimed for the past seven decades? If not, could this lead to a historic breakthrough in Middle East peace talks?  
As of today, these five questions have not been delicately nuanced in the minds of Arab thinkers and practitioners, let alone become part of a public debate. However, they will surface tomorrow as events continue to unfold with velocity in a region that has turned into an open war theatre, a ‘museum without walls.’ These bewildering questions, and the war of ideas they will probably generate, might mold and remold the region in ways never seen before. A change may be just around the corner, so we better be prepared for it.

Nael M. Shama

* This essay appeared in The New Arab (English) on April 17, 2017.