Thursday, August 23, 2007

جمهورية الأمن......والخوف


إذا هيأ الشطط في الإدراك والتفكير لأحد الأشخاص أن يجرب المشي فوق الماء ثم فشل فلابد أنه سيفكر ملياً قبل إعادة الكرة. وإذا كان هذا الشخص من الخبل بحيث يحاول إعادة المحاولة مرات أخرى فالمؤكد أنه سيدرك – ولو بعد حين – أن ما يرمي إليه غير قابل للتحقيق بقوانين الطبيعة ومنطق الأمور. الخلاصة أن الإنسان – ولو كان محدود الذكاء والتجربة – يتعلم من أخطائه، خاصة إن تكررت بشكل لا يدع مجالاً للشك في فشل التطبيق. ويعرف هذا الأمر كما هو معلوم بمفهوم "التجربة والخطأ". مناسبة هذا الحديث هو تفجيرات طابا الأخيرة – الثالثة في شبه جزيرة سيناء في غضون عام ونصف - والتي أظهرت فشلاً أمنياً ذريعاً في التعامل مع جماعات العنف السياسي، على الرغم - وهنا تكمن المفارقة - من أن الدولة قد اصرت على اعتماد سلاح الأمن في كل معاركها وتحدياتها تقريباً دون غيره من وسائل القوة المتاحة لديها.

فالفشل الأمني يأتي في وقت ازدهر فيه دور الأمن في السياسة المصرية، حيث صار عنصراً هاماً في معادلة كل القضايا السياسية، إن لم يكن الأهم. فالملاحظ أن النظام المصري يتحسب لأي قرار أو إجراء قد يؤدي إلى تعبئة الجماهير، أو إثارة القلاقل والاضطرابات، فرفع أسعار السلع الأساسية مثلاً يتم بالتدريج، وبشكل غير مباشر (كخفض حجم وجودة رغيف الخبز دون رفع سعره)، وفي توقيتات مختارة بدقة (كالأعياد الرسمية إذ تقل فرصة خروج مظاهرات مناوئة). يتجلى أيضاً الاهتمام بالأمن العام إلى درجة الهوس في الموازنة العامة، وأسلوب تخصيصها للموارد العامة، فقد أظهرت دراسة سامر سليمان المتميزة عن إدارة الأزمة المالية في النصف الثاني من عهد الرئيس مبارك زيادة نصيب وزارة الداخلية في الموازنة العامة على حساب قطاعات أخرى شديدة الأهمية للوطن والمجتمع كالتعليم والصحة، واللذان أهملهما النظام ليس لشح الموارد فقط، بل نتيجة لأولويات القيادة السياسية، وهي الأمن أولاً وثانياً وثالثاً، ثم تأتي بقية الأهداف والخطط في أسفل القائمة. كما أن الأمن يتدخل في الانتخابات بكافة أنواعها لدفع مرشحي النظام وإعاقة خصومه. والأمن متواجد بأكثر مما هو لازم في الحياة الثقافية والجامعية، حتى مباريات الكرة لا تقام قبل الحصول على موافقة الجهات الأمنية. أدى ذلك الوضع بالطبع إلى زيادة نفوذ الأجهزة الأمنية في الدولة وتعاظم تأثيرها في عملية صنع القرار السياسي حتى أن رئيس الوزراء الأسبق د.عزيز صدقي حذر من أن "وضع كهذا لا يمكن إلا أن يقود البلاد لكارثة مروعة، حيث لا صوت يسمع ويصل للقيادة السياسية سوي صوت الأجهزة الأمنية".

ووضع عنصر الأمن في الحسبان هو أيضاً القاسم المشترك بين تحرك الدولة المصرية في جميع مسائل السياسة الخارجية، وما إشارات الرئيس مبارك المتكررة إلى أهمية عامل "الاستقرار"، سواء أكان الحديث يتعلق بالقضية الفلسطينية، أو بالوضع في العراق، أو جنوب السودان إلا دليل واضح على المدى الذي وصل إليه الهوس الرئاسي بالأمن.

ومن المفارقات أنه في مقابل ازدياد دور الأمن في الحياة العامة، ازداد إحساس المواطن بعدم الأمان، إذ جاءته الضربات الإرهابية في كل مكان، فمن القاهرة، وهي العاصمة المركزية، وموطن أكثر الاستحكامات الأمنية تشدداً إلى أكثر المنتجعات السياحية انعزالاً في أقصى الشرق (طابا وشرم الشيخ ودهب) وأقصى الجنوب (الأقصر). ولم يقتصر الإحساس بعدم الأمان على من قصد منتجعاً سياحياً، بل امتد إلى من قاده حظه العاثر للإدلاء بصوته في يوم انتخابي عصيب، ومن فكر في التعبيرعن رأيه بالمشاركة في مظاهرة، أو اعتصام سلمي (وقد رأينا كيف هُتكت أعراض االناشطات في وضح النهار)، بل ولم يسلم المصلون في دور العبادة من الاعتداءات. وقد وصل هذا الإحساس للمواطن في كل مكان، فأصبح لا يحبذ دخول قسم الشرطة لأداء معاملة من أي نوع، بل ولا حتى المرور من أمام القسم، تجنباً لأي مضايقات "أمنية". وفي ظل وضع كهذا أصبح الإلحاح على ترديد تعبير "مصر بلد الأمن والأمان" يثير الغثيان عوضاً عن الفخر.

كيف يستقيم إذن هذا التناقض الصارخ بين إعطاء الأولوية القصوى للأمن في كافة مناحي السياسة المصرية، وبين انعدام الأمن العام كما أوضحت تفجيرات سيناء الثلاث؟ الإجابة تنبع في واقع الأمر من ذات السؤال. فالمنطق الأمني راح يفرض نفسه - عن عمد وجهل - بلا داعي في كل شئون المجتمع، وهو بالضبط ما ينبغي فهم أحداث سيناء من خلاله. فتناول ظاهرة الإرهاب من خلال عدسة "أمن النظام" فقط لن يجدي أبداً، والاستمرار في تجاهل الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية سيؤدي لا محالة إلى تفاقم الأزمة، تماماً كما أدى نفس المنطق - بشكل مباشر وغير مباشر – إلى استفحال كافة مشكلات المجتمع المصري، من تعثر عملية الإصلاح الديمقراطي، وغياب الحريات، إلى تدهور مستوى التعليم، وانحسار الدور الإقليمي المصري. مرد ذلك أنه في الأنظمة غير الديمقراطية لا يتطابق بالضرورة أمن النظام السياسي مع أمن المواطن، وفي كثير من هذه الحالات تنحاز الفئة الحاكمة لمصلحتها الشخصية على حساب مصلحة المجتمع والوطن ككل.

إلا أن الأمر هنا غير مرتبط فقط بالتفرقة بين مفهومي "أمن النظام" و"أمن الوطن" رغم صحته التامة، بل بحقيقة أن الإفراط في حماية النظام قد يؤدي في النهاية إلى الإضرار بأمن النظام ذاته، وما تجربة المواجهات العنيفة بين الدولة والجماعات المسلحة في التسعينات ببعيد. فقد أُعطي الضوء الأخضر للأمن، كي يستأصل شأفة الإرهاب، واستخدمت في ذلك كافة الأساليب الوحشية. لا شك أن ذلك صب في مصلحة النظام الحاكم مرحلياً، إلا أن الأثر الذي تركته تلك الممارسات على المدى البعيد كان في غير صالحه، فطال أمد الصراع، وتهاوت شرعية النظام، وازداد بالتالي إحساسه بالخوف وعدم الأمان، ليلجأ إلى الخيار الأمني مجدداً، وتستمر دائرة الخوف في الدوران.

بات واضحاً أن سيادة التفكير النمطي وغياب الخيال السياسي عن صناع القرار – وفي مقدمتهم رئيس الجمهورية – يديم الصراعات الاجتماعية عوضاً عن حلها (وأزمات القضاة والصحفيين والأقباط خير نموذج). هذا المسلك لا يضر فقط بأمن الوطن والمواطن، بل وبأمن النظام السياسي أيضاً. وتعاطي الدولة مع انفجار طابا في أواخر 2004 دليل واضح، فالاعتماد على أجهزة الأمن فقط، وترك العنان لهم ليعيثوا في الأرض فساداً دون حساب، ولد احتقاناً شديداً انبثق من رَحِمِه انفجارات شرم الشيخ ودهب، وكلاهما لم يضر بالمجتمع والاقتصاد فقط، بل وبالنظام وهيبته وشرعيته واستقراره أيضاً.

للأنظمة السياسية في أيامها الأخيرة سمات مميزة، كالإصرار على تجاهل المنطق، والعناد، وقصر النظر، فتصبح كالدبة التي قتلت صاحبها وهي تحاول إنقاذه، أو كالمخبول الذي يصمم على الغرق في هوة سحيقة.

نايل محمد شامة

نُشرت هذه المقالة في جريدة العربي (بتاريخ 28 مايو 2006).


2 comments:

Sara said...

Dear Nael, well written article.Can you please include the full citation of this article...Issue number,and page number.. etc

River Nael said...

Thank you, Sara. Here you go:
نايل محمد شامة "جمهورية الأمن والخوف" جريدة العربي، 28 مايو 2006، العدد 1011، صفحة 11.