Tuesday, September 4, 2018

تأملات في وثنية الدولة وقداسة الجيش: سوريا نموذجاً


تباينت الطرق التي نظر القوم من خلالها إلى الشأن السوري النابض بالأحداث والصور والمشاعر منذ عام 2011م. هناك من أطبقت عليهم قسوة الأحداث الصواعق - جنون الموت الذي سرى، وبحور الدماء التي أريقت، والمدن التي صارت خرائب ينعق البوم في أطلالها - فتعلقوا بأهداب العاطفة، باحثين في ثنايا مبكاها عن السلوى والنسيان. وهناك من فروا إلى الماضي التليد، متشبثين في مواجهة الحدث الطازج بالأفكار المعلبة؛ رافعين لواء القومية العربية، ولاعنين الاستعمار وسنينه، ومبشرين بنصر قريب. وهناك من أووا إلى الكهف البهيم، واستعصموا بغض البصر هرباً من ألم تنوء به القلوب وقلق يجافي الطمأنينة.
لكن هناك أيضاً اولئك الذين لا يلوون على شئ سوى تقصي الحقيقة، الحقيقة وحدها، بغض النظر عن وعثاء السفر وآلام الرحلة. ربما كان بالفعل المدخل الأهم للتعاطي مع ما حدث ويحدث في سوريا هو الاستئناس بالعقل عبر مواجهة الأسئلة والإشكاليات الجوهرية التي يطرحها واقع الصراع المعقد هناك، والتي لا مناص من مواجهتها والإجابة عليها. فقد طرح الصراع السوري على العقل العربي مجموعة من الأسئلة الصعبة وغير المسبوقة، فإما أن يواجهها بشجاعة وتجرد، وإما أن يغض الطرف عنها هرباً من برحاء الفكر ومشقة المواجهة، فاتحاً الطريق على مصراعيه لمآسي أخرى وأوجاع جديدة. من هذه الأسئلة المهمة سؤال "الدولة"، تعريفها ومسئوليتها وشروط وجودها، وسؤال الجيش الوطني، تكوينه ومهامه ودوره. فمع عسكرة الثورة السورية وتنامي نفوذ الجماعات المتشددة المسلحة واشتداد أوار الصراع بينها وبين الدولة، انبرى البعض دفاعاً عن "الدولة" في سوريا وعن جيشها "الوطني" الذي يواجه عصابات مسلحة تتخذ الدين مطية والإرهاب منهجاً. الأمر في نظر هؤلاء بسيط ومحسوم ولا يحتمل أي جدال: ثمة دولة وطنية وجيش وطني يواجهان ميليشيات مسلحة، فمن الأولى بالمساندة؟ الدولة وجيشها بالطبع.
لكن هل الأمر حقاً كذلك؟ أم أنه ثمة لثاماً ينبغي إماطنه؟


الدولة القومية بين الحقيقة والوهم   
للولوج في نقاش شائك كهذا، لا مفر أولاً عن فهم ماهية الدولة القومية (nation-state) من منظور العلوم السياسية، باعتباره مفهوم سياسي من الطراز الأول. فالمجتمعات الإنسانية وهي تحاول تنظيم نفسها منذ الأزل مرت بمراحل مختلفة وصيغ متنوعة، منها الإمبراطوريات والممالك والإمارات والإقطاعيات والدول البابوية ودول المدينة ذاتية الحكم (city-states) وحكم القبائل. آخر هذه الصيغ هي صيغة الدولة القومية التي ولدت مع اتفاقية وستفاليا في القرن السابع عشر، ثم انتشرت حول العالم في القرون التالية حتى وصلت إلى المنطقة العربية في النصف الأول من القرن العشرين. تتمتع هذه الدولة بسيادة مركزية معترف بها على إقليم جغرافي محدد، ولها إطار سياسي وقانوني واضح، ودستور وراية ونشيد وطني، ومواطنون متساوون في الحقوق والواجبات، وهي الدولة التي يفترض أنها تجمع تحت مظلتها أبناء أمة واحدة، أو (Volk)، وهو المفهوم الذي استعارته الإنجليزية من الفلسفة واللغة الألمانية.(1) 
ليست الدولة إذن هبة سماوية ولا لها طبيعة مقدسة، بل هي كيان مصنوع. وعلاوة على ذلك، وبالنظر إلى تاريخ إنساني أستمر آلاف السنين، تعد الدولة صيغة حديثة للغاية، فضلاً عن أن حدودها غير ثابتة أو مقدسة، بل هي قابلة للتعديل المستمر. فقد تفككت مثلاً دول كالإتحاد السوفيتي واليوغوسلافي والتشيكوسلوفاكي ليتشكل منها عشرات الدول المستقلة. وحتى في الوطن العربي، حيت تنتشر هرطقة عبادة الدولة، تكرر هذا النسق غير مرة في العقود الست الأخيرة. مثلاً، اتحدت مصر وسوريا وشكلا الجمهورية العربية المتحدة في 1958م، ثم ما لبث أن انفصم عراها بعد ثلاث سنوات ونصف، كما انقسم اليمن واتحد ثانية (وربما ينقسم جنوبه مجدداً)، وبزغت عدد من دول الخليج ككيانات سياسية مستقلة في السبعينات، وظهرت دولة جنوب السودان في 2011م، وما فتئ الأكراد منذ عقود يطالبون بدولة مستقلة. إذن، شئنا أم أبينا، فإن الدول القومية قد تتحد أو تنقسم أو تتغير حدودها تبعاً لتغير الزمن والظرف.  
الإشكالية أنه وبإستثناء دول قليلة مثل اليابان وأيسلندا ومصر، فإن غياب التماثل بين حدود الدولة والأمة ظل هو القاعدة الرئيسة في عالم الدول القومية، وخصوصاً في الوطن العربي وأفريقيا، حيث ولدت معظم الدول بقرار فوقي، وبلا أي تطابق بين الدولة السياسية وبين هويات وانتماءات مواطنيها. وكان من نتاج انتشار الهويات فوق القومية وتحت القومية في هذه الدول اندلاع العديد من الصراعات بين الدول وفي داخل الدول. الأدهى من ذلك، وربما بالتحديد بسبب ذلك، عمدت النخب الحاكمة في هذه الدول إلى "خلق" هوية جديدة لهذه الكيانات السياسية الوليدة، عبر استخدام فخاخ من رموز وصور وأغاني وكلمات نافذة تمس الأفئدة.
عمت التجارة بالأوطان فضاعت الحقيقة أدراج الضلال المبين. غاب مفهوم الدولة كتنظيم بشري قابل للتغيير رغم بساطته عن أذهان الكثيرين في الوطن العربي، وسادت تصورات مشوهة عن مفهوم الدولة وتاريخه، إما جهلاً بالمنطق والتاريخ، وإما بسبب انتهازية من يروق لهم استدامة الوضع الراهن بفلسفته وأطره ودينامياته. فمن أجل تثبيت دعائم حكمها، عملت النخب الحاكمة في الأقطار العربية على الترويج لخرافة أن الدولة كيان مقدس ودائم أبد الآبدين، وأن الولاء لها من حسن الفطن والخروج عليها خيانة عظمى، وأن حتى انتقادها اقتراب لا يصح من قدس الأقداس. صارت الدولة هي الدين الجديد فيما هي محض اجتهاد إنساني قابل للصواب والخطأ، وهي بالطبع وليد الظروف السياسية والاجتماعية السائدة. هذا التقديس - الذي يرى أن كل شئ في المجتمع، من السياسة للإقتصاد ومن الفن للرياضة، يحب أن ينبع من الدولة ويظل تحت سيطرتها - عبر عنه الزعيم الفاشي موسوليني حين قال في خطاب في أكتوبر 1925م: "كل شئ داخل الدولة. لا شئ خارج الدولة، لا شئ ضد الدولة".(2) وفي كوريا الشمالية تكاد تتحكم الدولة بكل شئ، بما فيها دقائق الحياة الخاصة لأفراد الشعب، مثل ملابسهم وقصات شعرهم والموسيقى التي يسمعونها. أما عربياً، فقد ساد وتوغل وتَقَدَّس دين الدولة هذا بالذات في سوريا الأسدية. ألم يرفع رجالها وجنودها إبان أزمة بداية الثمانينات شعار "لا إله إلا الوطن ولا رسول إلا البعث"؟(3)


دولة في خدمة مجتمع أم مجتمع في خدمة دولة؟ 
لكن ماذا عن الدولة السورية القابضة على جمر السلطة منذ قرابة الخمسين عاماً؟ الواقع أن النظام الأسدي أخل بكل مقومات وواجبات الدولة الحديثة حين جمع كل الموبقات في سلة واحدة، مثل القتل الجماعي، وزرع الطائفية في قلب المجتمع، وانتزاع الحكم لحساب عائلة واحدة. ثم ووريت هذه الدنايا خلف الشعار والراية والطيلسان، إذ لاذ النظام بشعارات العروبة والاشتراكية وتأليه الدولة لتبرير وإخفاء سوءاته. بعبارة أخرى، لسنا في سوريا بصدد دولة حديثة، بل سلطة قروسطية عصابوية الطابع، استلبت الحكم عنوة، واتخذت المجتمع رهينة، فيما هي تنتحل مظهر الدولة وتروج لحكمها بشعارات براقة لا ظهير لها على أرض الواقع.
قائمة الأوزار طويلة، وعلى رأسها المدى الذي وصلت إليه السلطة الأسدية في استخدام القتل العمد كأداة لإسكات أي صوت معارض. لقد أزهقت ماكينات قتل النظام وحلفاؤه أرواح حوالي أربعمائة وأربعين ألف شخص منذ 2011م (وهو ما يماثل حوالي 85% من مجموع ضحايا الحرب السورية)،(4) وقتلت تعذيباً في جوف سجونها ما لا يقل عن الأحد عشر ألف مواطناً سورياً في السنوات الثلاث الأولى فقط من الصراع.(5) وتمتلئ تقارير منظمات حقوق الإنسان والكثير من التقارير الصحفية بتفاصيل تشيب لهولها الولدان عن الأوضاع داخل سجون النظام: عن سجانين يلتذون بكل صنوف التعذيب، وعن مساجين قضوا نحبهم أو أصيبوا بالهلاوس من هول ما تعرضوا له. وعليه، فليس من الحكمة ولا الدقة وصف النظام الأسدي بالديكتاتوري، فهو أسوأ من هذا بكثير. فالديكتاتورية درجات، لكن أسوأها - حتى في الوطن العربي - يبقى أفضل حالاً بكثير من الدرك الذي انزلقت إليه السلطة الأسدية.  
أما من الناحية التقنية، فقد تضعضعت الدولة في سوريا بشدة حين تقزمت جميع مؤسساتها بما فيها الجيش، وتهاوى مستوى أدائها، وتضخم فقط حجم ودور أجهزة الأمن الداخلي كالمخابرات وسائر الأجهزة الأمنية المسئولة عن حماية أمن النظام. ثم أن توريث الحكم في ظل نظام جمهوري اسماً، واستئثار الطائفة بل والعائلة بأغلب المناصب، يمثل ردة حضارية كبرى، تعيد إلى الأذهان بشكل ما أوضاع أوروبا في القرون الوسطى، أو أوضاع العرب إبان حكم الدولة الأموية، أي قبل ألف وأربعمائة عام تقريباً. فأين كل هذا من سمات الدولة الحديثة؟ 
       
وبالرغم من أن الدولة الحديثة منوط بها تحقيق الوحدة الوطنية عبر حل التناقضات الدينية والعرقية والطائفية والاجتماعية والفئوية والحزبية بين المواطنين في إطار سلمي وقانوني، إلا أن السلطة الأسدية فعلت عكس ذلك تماماً. صار بغض "الآخر" الطائفي قيمة يلتذ الجميع بممارستها، كما أبان خالد خليفة في روايته "في مديح الكراهية"، والتي سلطت الضوء على هذه الأوضاع الاجتماعية المختلة.(6) رسخت هذه السلطة وعن عمد تلك الاختلافات وعمقتها بغية تدعيم بقاءها في الحكم. صار العبث بمكونات المجتمع لعبة يلهو بها النظام لا هدف لها سوى الاستمرار على العرش أياً كانت التكلفة. لم يقتصر الأمر على اعتماد النظام على أبناء الطائفة العلوية في الجيش والأجهزة الأمنية، بل إلى اتباع ما يشبه سياسة الأبارتهايد بين الطوائف. وقد أدى ذلك حتى قبل اضطرام البلاد بنير الحرب في 2011م بكثير إلى خروج المشاعر الطائفية عن عقالها، وإلى اهتراء النسيج السوري، وتحويله إلى جزر منعزلة لا تنبئ أبداً عن حيوية مجتمع موحد ومتماسك.
مثلاً، أدى تصعيد العلويين (ونسبتهم لا تزيد عن 11% من مجموع عدد السكان) الذين كان أغلبهم لأسباب تاريخية وجغرافية من سكان المناطق الجبلية، الفقيرة والمهمشة، إلى عملية خلخلة إجتماعية شديدة، خلقت بدورها بيئة نفسية يشوبها التربص والشك المتبادل بين الطبقات الإجتماعية من ناحية، وبين الطوائف من ناحية ثانية، ووبين سكان المدن والريف من ناحية ثالثة.(7) ولذلك انتشر بين سكان المدن الإشارة إلى العلويين ذوي الأصول الريفية، والمتنفذين سياسياً ومالياً، باعتبارهم "بقر وشراشيح"،(8) فيما نظر الأخيرون إلى سكان المدن نظرة سلبية، رافعين مثلاً قديماً يقول "كل شامي فيه علامة وفيه لآمة" (أي لؤماً).(9) كما يشيع في كتابات الكتاب السوريين، وخصوصا المفكر السياسي عبد الرزاق عيد، الإشارة إلى "رعاع الريف" باعتبارهم من المكونات الاجتماعية الرئيسية التي يعتمد عليها النظام الأسدي. لذا كان طبيعياً إبان الثورة أن يحاول النظام بشكل حثيث تصوير الثورة باعتبارها حرباً سنية على الطائفة العلوية، وفي المقابل، عمد بعض المواطنين إلى التحدث باللهجة العلوية الريفية ابتغاء قربى النظام واتقاء لشره.
في كتابه "سأخون وطني"، عبر الكاتب والشاعر السوري محمد الماغوط عن قناعته بأن "الأوطان نوعان، أوطان مزورة وأوطان حقيقية. الأوطان المزورة أوطان الطغاة، والأوطان الحقيقية أوطان الناس الأحرار."(10) الأوضاع في سوريا آنفة الذكر تثير بالفعل تساؤلاً أساسياً: من الأولى بالرعاية؟ وجود هذه الدولة، أو بالأحرى اللادولة، أم وجود المجتمع وحريته واستقراره وازدهاره؟ فالدولة ما قامت إلا من أجل تنظيم شئون المجتمع بشكل عادل وإنساني وكفء، فما العمل إن انتفت كل الأغراض التي من أجلها قامت؟ 


الجيش والدولة
ثم ماذا عن الجيش السوري "البطل"؟ الشاهد أن منطق السلطة فرض وجوده على كافة الأصعدة في سوريا بما فيها الصعيد العسكري، لإنه ببساطة عقيدة النظام الوحيدة، ومحور انشغاله الوحيد. صارت المحاباة الطائفية في الجيش سياسة رسمية وأداة لبقاء النظام، وخصوصاً بعد الهجوم الإرهابي الذي تعرضت له مدرسة المدفعية في حلب في عام 1979م ومحاولة اغتيال الرئيس حافظ الأسد في 1980م. سُكِن أبناء الطائفة في كل المناصب وعربد رجالها في الأنحاء وصاروا هم والنظام واحد. وتشير الإحصائيات إلى أن حوالي 80-85% من الضباط خريجي الكليات العسكرية هم من العلويين.(11) ويروى أنه إبان وفاة الرئيس حافظ الأسد في عام 2000م أرسل الكثيرون من الضباط العلويين زوجاتهم وأبناءهم إلى قراهم الأصلية انتظاراً لعملية انتقال السلطة، ولم يعد هؤلاء إلى بيوتهم بالعاصمة دمشق إلا بعد إتمام تولي بشار الأسد مقاليد الأمور.(12) والمغزى واضح: حياة ومصائر هؤلاء الضباط هي في خدمة طائفة حاكمة، وليس دولة حديثة حقيقية.
ارتبط إذن الضباط العلويون ارتباطاً وثيقاً بالسلطة، وأصبحوا جنودها في معركة البقاء لا ضباطاً محترفين في مؤسسة تعتمد على مبادئ الجدارة والكفاءة المهنية. صارت العلاقة بين الطرفين تكافلية بامتياز: دعم النظام في مقابل الصعود الاجتماعي والمزايا الوفيرة. يعيش الكثير من الضباط العلويين في المدن الرئيسة في ما يشبه الجيتوهات السكنية (مثل "ضاحية الأسد" في شمال شرق دمشق، وهي أكبر مشروع سكني حكومي للضباط)، بل والأنكى أن توزيع سكن الضباط في بعض الوحدات العسكرية يتم أيضاً على أساس طائفي.(13) يحصل الضباط العلويون إضافة إلى ذلك على السلع الأساسية وكوبونات الوقود بأسعار مخفضة، ويتمتعون بالعلاج المجاني في مستشفيات الجيش، وتتيح لهم مدخولاتهم القدرة على الزواج واقتناء السيارات.  
وكان طبيعياً أن تنخفض بشدة الجاهزية القتالية للجيش السوري. ليس سراً مثلاً أن الجيش انقسم تقريباً منذ السبعينات إلى جيشين: صفوة الفرق العسكرية شديدة البأس (مثل الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري) والتي تمركزت حول العاصمة لحماية النظام من خطر الإنقلابات العسكرية، وهو هاجس النظام الرئيسي في ظل أن عشرة انقلابات عسكرية قد وقعت في سوريا في الفترة من عام 1949م وحتى عام 1970م. أما القوات الأقل تسليحاً وتدريباً فتمركزت قرب الحدود مع إسرائيل أو في المناطق البعيدة عن العاصمة في شمال البلاد وشرقها.(14) حدث ذلك في نفس الوقت التي صدحت فيه ميكروفونات النظام بقصائد الدفاع عن العروبة ومعاداة إسرائيل. أطلق السوريون على جيشهم "الوطني" لقب "جيش أبو شحاطة" استهزاءاً من ضعف كفاءته ونفشي الفساد والطائفية فيه. وانكشف ذلك الضعف جلياً في سنوات الحرب الأهلية حين انهزمت غير مرة أرتال من الجيش السوري أمام ميليشات مهلهلة ضعيفة العدد والتدريب والتسليح. 
وضرب الفساد أطناب الجيش، قبل الثورة وبعدها. ويعرف كل السوريين كيف أنه صار لزاماً على المجندين رشوة رؤساهم بالمال والهدايا من أجل دفع شرهم واضطهادهم من ناحية، أو للحصول على منافع محددة من ناحية أخرى، مثل التمركز في مناطق بعينها أو الحصول على أجازات أطول أو تجنب الخروج في دوريات قتالية. وفي ذروة الحرب الأهلية السورية، وصلت مفارقات الفساد إلى ذروتها حين تورط لفيف من ضباط الجيش في بيع السلاح والنفط للمليشيات المسلحة فيما ألوان الخراب تعم البلاد بسبب الصراع الدموي الدائر بين الطرفين.(15) وفي بحث ميداني مميز للباحث هشام بو ناصيف نشر بدورية (Journal of Strategic Studies)، قال عميد بسلاح الجو السوري نصاً أن "بعض الضباط الكبار يمكن شراؤهم بعلبة سجائر. هل تعتقد أن الجنود سيقاتلون ويموتون من أجل هؤلاء اللواءات إذا ما أرسلوهم لساحات القتال؟ لو كنا دخلنا الحرب مع الإسرائيليين لأمكنهم دخول حمص في ساعتين. ولكن لم ترغب إسرائيل أصلاً في محاربة نظام كالأسد؟"(16)
  
المسلمات المُفْتَرَيات
سد ذرائع الفساد والجهل يقتضي ثورة فكرية شاملة تشمل حتماً إعادة النظر في كل المفاهيم والمسلمات السائدة في الواقع السياسي العربي. يعزز الحاجة إلى ذلك أن الكثير من تلك المفاهيم لم تولد سوى من رحم أطراف تمتلك مصلحة مباشرة في ترويجها بين الجماهير. ولعل بإمكان الوضع في سوريا، وهي حالة حية شاخصة أمامنا، ونابضة بالصور والمعاني والدروس، أن تساعدنا على تلك المراجعة.
فيما يخص سوريا، ثمة أسئلة عديدة جديرة بالبحث والتفكير. على سبيل المثال، هل تستدعي المصلحة الحفاظ على الدولة والنظام القائمين بها؟ ولو كانت الإجابة بالإيجاب، فهل يستحق الأمر كل هذا القدر من التدمير والهلاك؟ في نفس الإطار، كيف يمكن لمن قتل مئات الآلاف وشرد الملايين أن يدعي من الأساس أنه "يحافظ على الدولة"؟ هل في ذلك حفاظ على [1]الدولة أم أنه محض خداع، كمن رفع المصحف فوق السيف، أو بشر بالأمن بحد الخوف؟ ثم إذا كانت الدولة الحقيقية هي الشعب، فما الرأي في دولة الأسد وما هي إن دققنا سوى طغمة وصولجان وهراوات وشعارات؟ ثم ما الحكم إن شب صراع بين عصابة وعصابات، لكن الأولى ترتدي سترات رسمية موحدة وتقف تحت علم الوطن، والثانية محض ميليشيات سوداء تتدثر برايات خضراء حتى تُثْخِنَ في الأرض؟ ما السبيل الأمثل لوصف صراع كهذا؟   
لن يتغير الوضع المنكود في سوريا وغيرها من الأقطار العربية غداً أو بعد غد، وحتى يسدل الله رحمته ويبسط قبس النور فيضه، لا مندوحة من اتخاذ الوعي والمعرفة سلاحين في مواجهة وعثاء الظلم ودياجير الظلام. هذا هو الدرب ومن هنا يأتي الخلاص.

د. نايل شامة
* نُشر هذا البحث قبلاً بواسطة مركز الدراسات الإستراتيجية والدبلوماسية.

الهوامش:
(1) لفهم أعمق لمسألة الدولة القومية ونشأتها والفارق بين مفاهيم الدولة والأمة، راجع المصادر التالية
Ernest Gellner (2009) Nations and Nationalism. (New York: Cornell University Press). 
Benedict Anderson (1983) Imagined Communities: Reflections on the Origins and Spread of Nationalism. (New York: Verso). 
Gianfranco Poggi (1990) The State: Its Nature, Development and Prospects. (California: Stanford University Press).
Hugh Seton-Watson (1977) Nations and States: An Enquiry into the Origins of Nations and the Politics of Nationalism. (Boulder: Westview Press).  
(2) أنثوني كورت، Hannah Arendt’s Response to the Crisis of her Times، أمستردام، Rozenberg Publishers، 2008م، ص 69.
(3) أحمد زكي، آل الأسد وأسرار سقوط آخر الطغاة، القاهرة، كنوز للنشر والتوزيع، 2013م، ص 124.
(4) "Syrian Observatory Says War has Killed More than Half a Million رويترز، 12 مارس 2018م، https://www.reuters.com/article/us-mideast-crisis-syria/syrian-observatory-says-war-has-killed-more-than-half-a-million-idUSKCN1GO13M .
(5) "Syria Accused of Torture and 11,000 Executionsبي بي سي، 21 يناير 2014م، https://www.bbc.com/news/world-middle-east-25822571.  
(6) صدرت الطبعة الأولى من رواية "في مديح الكراهية" عن دار أميسا للنشر والتوزيع (فرع بيروت) في عام 2006م، وقد اختار موقع "ليست ميوز" الرواية ضمن قائمة تضم أفضل مائة رواية في العالم عبر التاريخ. 
(7) للمزيد من الدراسات الرئيسية التي تلقي الضوء على الحياة الاجتماعية والسياسية للطائفة العلوية ودورهم في الجيش السوري، راجع المصادر التالية:
Hanna Batatu (1981) Some Observations on the Social Roots of Syria’s Ruling, Military Group and the Causes for its Dominance, Middle East Journal, 35(3), pp. 331-344.
Hanna Batatu (2012) Syria’s Peasantry, the Descendants of its Lesser Rural Notables and Their Politics (Princeton: Princeton UP).
Alasdair Drysdale (1979) Ethnicity in the Syrian Officer Corps: A Conceptualization, Civilisations, 29(3/4), pp. 359-374.
Nikolaos van Dam (2011) The Struggle for Power in Syria: Politics and Society under Asad and the Ba'th Party (London: I. B. Tauris).
(8) خضر خضور، "Assad’s Officer Ghetto: Why the Syrian Army Remains Loyal"، مركز كارنيغي للشرق الأوسط، نوفمبر 2015م، ص 6، http://carnegie-mec.org/2015/11/04/assad-s-officer-ghetto-why-syrian-army-remains-loyal-pub-61449 .
(9) حنا بطاطو، "Some Observations on the Social Roots of Syria’s Ruling, Military Group and the Causes for Its DominanceMiddle East Journal ، عدد 35، رقم 3، صيف 1981م، ص 336.
(10) محمد الماغوط، سأخون وطني: هذيان في الرعب والحرية، بيروت: دار المدى للثقافة والنشر، 2004م (الطبعة الرابعة)، ص 11.
(11) هشام بو ناصيف، "Second-Class: The Grievances of Sunni Officers in the Syrian Armed ForcesJournal of Strategic Studies، السنة 38، رقم 5، 2015م، ص 632.
(12) خضر خضور، "Assad’s Officer Ghetto: Why the Syrian Army Remains Loyal"، ص 1. 
(13) للمزيد من المعلومات عن مشروعات إسكان الضباط في سوريا، وعن مشروع ضاحية الأسد بالتحديد، راجع الدراسة المتميزة التي أجراها الباحث خضر خضور والمشار إليها تفصيلاً في الهامش رقم 6. 
(14) نيكولاوس فان دام، The Struggle for Power in Syria: Politics and Society under Asad and the Ba'th Party، لندن، I. B. Tauris، 2011م، ص 47.
(15) دوروثي أول، هولجر ألبريخت، كيفن كولر، "For Money or Liberty? The Political Economy of Military Desertion and Rebel Recruitment in the Syrian Civil Warمركز كارنيغي للشرق الأوسط، نوفمبر 2015م، ص 7، https://carnegieendowment.org/2015/11/24/for-money-or-liberty-political-economy-of-military-desertion-and-rebel-recruitment-in-syrian-civil-war-pub-61714.
(16) هشام بو ناصيف، "Second-Class: The Grievances of Sunni Officers in the Syrian Armed Forces"، ص 638. 



[1]

What Does the UAE Want in the Red Sea?


The foreign policy of the United Arab Emirates offers a curious case study for scholars of international relations: a small state with a tiny population and historically little presence on the world stage, but with outsized – and seemingly ever-expanding – ambitions. Over the past decade, while consolidating its status as a regional financial center and international business hub, the UAE has quietly become a rising military power in the Middle East.
Abu Dhabi Crown Prince and Deputy Supreme Commander of the United Arab Emirates (UAE) Armed Forces Mohammed bin Zayed (center) attends the Arab Islamic American Summit in Riyadh, Saudi Arabia May 21, 2017. REUTERS/Jonathan Ernst
Since the watershed of the Arab Spring, the UAE has pursued an increasingly assertive and interventionist foreign policy, the effects of which are most evident in the Red Sea basin and Horn of Africa. Here, the UAE has sought to become a major political actor, maintaining a formidable military presence, handing out lavish economic aid and taking on the role of kingmaker and peace broker. The rigorous efforts of the UAE in the Red Sea basin and the Horn of Africa region included establishing military bases; constructing, refurbishing and running ports; providing maritime services; and building police stations, health clinics, schools and sewage infrastructure for the indigenous populations. Today, the UAE operates ports in four of the seven countries bordering the Red Sea (Egypt, Somalia, Yemen, and Saudi Arabia), and military bases in Yemen, Eritrea and Somaliland. The UAE’s presence in the region also includes the establishment of a modern military base in Berbera (the center of trade traffic in East Africa and the largest port in Somalialand), an airfield, deep-water port facilities and logistics support area in Eritrea’s Assab, a formidable naval presence in two islands in Bab el-Mandab Strait and a plan to set up a base for military training in the Yemeni Island of Socotra, located in the Arabian Sea south of the Yemeni mainland. 
The UAE has been ratcheting up its economic activities in the Red Sea basin as well. In 2000, Dubai government-owned, Dubai-based port operator DP World won a 20-year concession to operate the Port of Djibouti. Its efforts in Egypt began around a decade ago when it took over the operation, development and management of Ain Sokhna Port, crucial for being the closest port to the Egyptian capital, Cairo. Last year, it signed an agreement with the Suez Canal Authority to establish a company that would develop an area of 95 kilometers in the Ain Sokhna area. In Saudi Arabia, DP World operates the South Container Terminal at the Jeddah Islamic Port, and in 2017 it won a contract to develop the entire port, in support of Saudi Vision 2030 and the $500 billion NEOM mega project.
A shipment of grain is unloaded at Hodeidah, Yemen August 5, 2018. Emirati troops are waging an amphibious assault on the Yemeni Red Sea port. REUTERS/Abduljabbar Zeyad
These port deals were won through negotiation, but elsewhere the UAE has employed more forceful measures. The UAE has used its heavy involvement in the Yemen conflict (as part of the Saudi-led coalition fighting Houthi rebels) to expand its geopolitical power in the region. In 2015, UAE-backed forces seized the port of Aden – once the British Empire’s busiest port – from the Houthis. In 2016, the UAE captured the ports of Mukalla and Ash-Shihr, about 300 and 375 miles east of Aden, respectively, as well as two strategically-located islands in the Bab el-Mandab Strait. Emirati troops secured the Red Sea port of Mokha in 2017, and are now engaged in an amphibious assault on Hodeidah, the only major Yemeni port not yet under Emirati control.
But why has the UAE shifted from being a buyer of security to a supplier of it? It could be argued that the UAE’s foray into East Africa is due to the importance of the Red Sea as a vital artery for the transportation of the country’s hydrocarbon exports. Through its two narrow chokepoints – the Suez Canal in the north and the Bab el-Mandab Strait in the south – around 3.9 and 4.8 million oil barrels, respectively, flowed every day in 2016. Control of seaports, moreover, helps in opening markets, generating economic opportunities and, in times of conflict, projecting military power.    
The Emirati leadership’s obsession with the threat of Islamism certainly plays a role. Not only does the ruling elite (particularly Mohammed bin Zayed, Crown Prince of Abu Dhabi and the UAE’s de facto ruler) harbor a deep sense of enmity toward militant Islamists, it perceives them as an existential threat to its domestic authority. The UAE has likely been propelled to adopt a policy of direct intervention because a number of militant Islamist groups are currently active in East Africa, including the Bosaso-based Al-Ittihad al-Islami group, the Eritrean Islamic Jihad Movement, the Justice and Equality Movement and Al-Takfir wal-Hijra group in Sudan, and Al-Shabab in Somalia.
Yet, there’s more to it than that. The passing on of leadership in 2004 from Sheikh Zayed, the founder of the state, to his heirs, Khalifa and Mohammed, seems to be the real dynamic behind policy change. While Zayed favored dialogue, quiet diplomacy and non-entanglement in the quarrels of other states, his successors are more proactive and daring. Their actions are sometimes tainted with an element of recklessness. Awash with cash and ambition, they have sought to turn the country into a regional power with outstanding military might, a little Sparta on the Persian Gulf.   
Several regional developments have emboldened the Emiratis. These include the vacuum created by the debilitation of the Arab world’s heavyweights; the formation of a crescent of instability in Libya, Sudan, South Sudan, and Yemen; the ossification of the Gulf Cooperation Council; the shift in American geostrategic priorities; the UAE’s entanglement in the Yemeni conflict; and the rivalry with Iran. Still, in the oil-rich Gulf states, decision-making processes are highly personalized, leaders replace institutions, and ego-centered dynamics shape much of the political output. So without the change at the helm of the UAE, old perceptions and policies would have probably remained unchanged. Bent on punching above its weight, the UAE has under the new bold leadership become, as one researcher pointed out, “a small state with a big ego.” Its long arms have not only reached into the poorer states of East Africa, but also into Syria, Libya, Egypt and other Middle Eastern states.  
Arab politics is undergoing massive changes. After decades of fixating on big states, researchers of the international relations of the Middle East ought to keep a close eye on small states, such as Qatar and the UAE, who are no longer young, vulnerable and inward-looking. While the big Arab states are becoming slow to think and act, these smaller states are dynamic, agile and highly influential. The UAE’s security policies in particular will continue to have a huge impact on developments in nearly all of the region’s hot spots, including Yemen, Libya, the Arab-Israeli conflict and the Saudi-Iranian rivalry. Its success last month in effecting a rapprochement between Ethiopia and Eritrea, who had been engaged in hot and cold war for two decades, is the latest proof of that influence.
As the grounds are cracking, and a new regional order is rising, it is all too crucial to pay high attention to the new agents of power.   

Nael Shama  
* This essay appeared in Reuters Opinion  on August 27, 2018 under the title “Ambitious UAE Flexes Military Muscle”
* Photo: Reuters .

Thursday, May 31, 2018

Now Available on Amazon and other bookstores


New Book: The World Views of the Obama Era: From Hope to Disillusionment (edited by Matthias Maass).

This book presents selected non-US views of the Barack Obama administration. Each chapter investigates eight years of the Obama presidency from a different national perspective. By bringing together fourteen country studies from all regions of the world, this volume offers an accumulative global view of the Obama White House’s foreign policies and bilateral affairs. It provides an outside perspective on a presidency that was initially greeted with much enthusiasm world-wide, but seemed to fall out of favor over time in most countries. The overwhelming hope that was associated with the election of Obama in 2008 turned to disillusionment world-wide; the changes in US external affairs he promised were only partially fulfilled and the world was reminded that America’s place and role in the world would not change dramatically, not even under the inspirational Obama. The chapter that provides the perspective from Egypt is written by Nael Shama.  

Thursday, May 24, 2018

ماذا أدرك حسني مبارك؟



ربما كان لزاماً علينا، إذ تحل هذا الشهر ذكرى ميلاد الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك التسعين، أن نعيد قراءة عصره الممتد خاصة في ضوء المعلومات الواسعة التي صارت متاحة عن كواليس الحكم ودقائق عملية صنع القرار في عهده، لعل الرشد يبين من الغي، والسمين يميز من الغث. والشاهد أنه رغم اعتلائه سدة الحكم في مصر لثلاثين عاماً، فإن مبارك لم يبرهن على كونه سياسياً محنكاً، أو رجل دولة ذي استراتيجيات بارعة ورؤى بعيدة الأمد. كما لم يُظهر معرفة عميقة بمبادئ الاقتصاد أو أساسيات الإدارة. وبسبب غياب الطموح، سقطت البلاد في سنوات مبارك فريسة للجمود وفتور الهمة، ثم تكالبت عليها علل الفساد وسوء الإدارة، ونما في كنفه خطر التوريث وأهدرت حقوق الإنسان.
أرهق الناس القتر وأغشاهم الضيم، فتوهجت لظى الفتن في كل الربوع، وتوالت نذر الخطر، حتى سقط حكمه غير مأسوف عليه في لحظة التحرير الثورية في 2011م. لكن الإنصاف يقتضينا أن نقول أن مبارك - رغم تواضع معارفه وقصور تفكيره – أدرك بلا ريب مجموعة من المبادئ السياسية البسيطة والمهمة في آن، والتي شكلت بوصلة الحكم له عبر سنواته الطويلة على مقعد رئيس الجمهورية.   
أدرك مبارك مثلاً أن للقمع في النظام السياسي المصري سقف لا يجب أن يتعداه، وأن ثمة علاقة شرطية بين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وبين مستويات هذا القمع. فالمرجل بحاجة للتنفيس عما يعتمل في داخله من قلاقل وشكاوى. فإن أطبقت صعوبة المعايش على رقاب المواطنين، صار لزاماً على السلطة تخفيف القبضة الأمنية، وفتح المجال السياسي وحرية التعبير نوعاً ما. لذلك دشن مبارك عهده بالإفراج عن المئات من المعتقلين السياسيين الذين زج بهم السادات إلى السجن قبيل اغتياله في خريف الغضب، ثم سمح بمساحة فسيحة من الحرية في الثمانينات لصحف المعارضة (وللقنوات الفضائية في آخر عقد في حكمه). ولاستكمال الشكل "الديمقراطي"، وجه بتعديل المادة 76 من الدستور في عام 2005م لتحويل استفتاءات الرئاسة إلى انتخابات تنافسية بين مرشحين مختلفين.
في نفس الإطار، أعطى مبارك أهمية كبيرة لعملية الإيحاء للداخل والخارج بوجود حياة ديمقراطية في البلاد. ظل النظام سلطوياً بالطبع، لكن مبارك أدرك أهمية تصوير الأوضاع بحسبانها تمضي في طريق الديمقراطية، وإن تأخر الوقت أو توالت العثرات. كانت كلمة مبارك المفضلة في خطبه وتصريحاته الصحفية هي "الديمقراطية" (وليس "الدولة" أو "الجيش")، يكررها بلا كلل أو ملل. وبرغم أن الحديث ظل فارغاً لا سند حقيقي له على أرض الواقع، إلا أن تكرار الإشارة إلى مفهوم الديمقراطية والانفتاح السياسي أعطى الانطباع، ولو بشكل غير مباشر، أن ذلك هو الهدف والمسعى، وأن الظروف فقط تعطله، أو ترجؤه إلى حين.  
برغم السلطوية، وهيمنة الأجهزة الأمنية، وسيطرة الحزب الحاكم – الذي تحول لملاذ لزرافات من الانتهازين والطائعين - على كل المجالس النيابية لثلاثة عقود، لم تقضي المعارضة نحبها في عهد مبارك، وظلت الأحزاب والنقابات حاضرة في المشهد، وأينعت المظاهرات بين الفينة والأخرى. لم يمانع مبارك في أن تظل هناك مساحة ما من العمل السياسي، حتى لو كان تأثيرها محدوداً على السياسات العامة وفلسفة الحكم. لم يطلب إذعانا كاملاً أو يفرض صمتاً مميتاً.      
أدرك مبارك أيضاً الأهمية المركزية لعلاقة مصر بدول الكتلة الغربية. تعود تلك الأهمية إلى خلل رئيسي يشوب بنية الاقتصاد المصري منذ عشرات السنين، يتمثل في الفجوة الكبيرة بين الإيرادات والمصروفات. لسد هذه الفجوة المتعاظمة لا مندوحة من الاعتماد على دول الغرب، القادرة على منح مصر تدفقات معتبرة من المساعدات والاستثمارات والسياحة، إضافة إلى دعم سياسي يعضد موقف مصر لدى المؤسسات المالية الدولية والجهات المانحة. أدرك مبارك منذ البداية هذه الحقيقة الساطعة، وأدرك أن الحفاظ على العلاقة الوثيقة مع الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية يتطلب قدراً من المواءمة بين الحفاظ على حكمه من ناحية، ومطالب هذه الدول المتزايدة مع بداية الألفية الجديدة من ناحية أخرى، والمنصبة على إجراء انفتاح سياسي واقتصادي، يتضمن احتراماً أكبر لحقوق الإنسان ودوراً أوسع للمرأة.
ولذلك لم يكن ممكناً في عهد مبارك أن يتعرض مثلاً مواطن من الدول الغربية في مصر لتعذيب منهجي لعدة أيام متواصلة يودي بحياته، ثم يلقى جثمانه بعدها بلا اكتراث في جوف الصحراء دون تحرج أو تبصر أو مبالاة بالعواقب السياسية الوخيمة لذلك. أيضاً لم يكن ممكناً في سنوات مبارك أن يتصاعد في وسائل الإعلام الرسمية سعار أحاديث المؤامرة، أو أن تتطاير الاتهامات العشوائية للغرب بالتآمر على مصر بلا ضابط أو رابط، دون أن تبادر السلطات إلى تخفيف حدة هذا الهجوم، إن لم يكن انتصاراً للحقيقة، فحرصاً على علاقات استراتيجية ذات أهمية قصوى للبلاد.   
أيضاً، لم يتنازل مبارك عن سيادة مصر السياسية فوق كامل ترابها الوطني أبداً. ربما هادن في أمر أو أمور، أو تنازل في شأن أو شؤؤن، كما أفل تأثير مصر الخارجي على عدة ملفات إقليمية، واضمحل في أخرى، فيما عربدت إسرائيل وبزغت قوى إقليمية جديدة. تبدد مجد مصر المؤثل إذن وباءت كثير من مساعي مبارك في السياسة الدولية بالإخفاق، لكنه امتلك من الإباء ما دفعه لئلا يحنث بالعهد، فلم يلطخ اسمه بخزي التنازل عن أي قطعة من أرض الوطن، محترماً في ذلك خطاً أحمر لم يملك أي حاكم مصري منذ عام 1952م تجاوزه. داخلياً، امتلك مبارك أيضاً شيئاً من الحكمة أهله لأن يكون ديكتاتوراً بمعنى الكلمة، أي بمعنى القدرة على السيطرة على أركان الدولة ومفاصلها. لم يحدث مثلاً أن تطاحنت أجهزة رسمية تحت سمعه وبصره ثم غض الطرف عنها دون أن يبادر إلى كبح جماحها وتحصين تماسك الدولة بسياج من اليقظة والشدة. لذلك ظل الصراع بين المؤسسات مكتوماً، ولم تتحول الدولة إلى ممالك متفرقة، أو شلل مصالح متناثرة، تصارع بعضها البعض طيشاً وطمعاً، بحثاً عن رأس المال السياسي والنفوذ الاقتصادي والإعلامي.
***
ربما يكمن الفارق الرئيسي بين مبارك وكثير غيره من حكام المنطقة العربية - فضلاً عن الاختلافات الفردية بينهم - في درجة سلطوية أنظمتهم. وهو الفارق الذي تشير إليه أدبيات العلوم السياسية بين نظم "السلطوية الناعمة" و"السلطوية الخشنة"، إذ تتميز النظم الأولى بسماحها بوجود قدر ما من التنافس السياسي (فيما تبسط السلطة الحاكمة هيمنتها عبر مجموعة من الوسائل المباشرة وغير المباشرة)، أما الثانية فتبطش بشراسة، وتبغي بدناءة، وتؤله الحاكم الفرد بفجاجة، وغالباً ما تمهد الطريق بحماقة لأسوأ الكوارث وأمضاها.    

د. نايل شامة
* نُشرت هذه المقالة بموقع الحوار المتمدن (بتاريخ 24 مايو 2018م).

Saturday, April 7, 2018

عن أشباه الدول في العصر الحديث


انشغل الرأي العام الأمريكي لشهور طويلة بقضية جنائية هي بلا شك من أكثر القضايا إثارة للمشاعر الجياشة، ما بين تعاطف مع الضحايا وحنق على المتهم ورغبة في إيقاع أشد أنواع العقاب به. تتعلق القضية بالطبيب الأمريكي لاري نصار الذي قام على مدار نحو عشرين عاماً قضاها كطبيب لفريق الجمباز الأمريكي للسيدات بالتحرش الجنسي بمئات الفتيات في سن الطفولة والمراهقة. أوضحت التفاصيل المفجعة للقضية كيف تحرر المتهم - المدان الآن والمحكوم عليه بالسجن لفترة تتراوح بين 40 و 175 سنة - من كل وازع أو ضمير، فنهشت يداه أجساد الفتيات، مما تسبب لهن في أثر نفسي مدمر ظل يلازمهن رغم مرور السنين، كما أدى إلى انتحار والد إحداهن.
انخلعت القلوب وهي تستمع لشهادات الضحايا الأبرياء وهن يذرفن الدمع أنهاراً وترتعش حناجرهن فيما يشرحن كيف اغتصب نصار - الذي أسمته وسائل الإعلام "بوحش الأطفال" - بكارة الفتيات الصغيرات، وكيف دمر حياتهن وحياة أسرهن. قالت إحداهن أن في ذاكرتها ثقوباً سوداء تعود لتهاجمها حتى الآن في كوابيسها، وقالت أخرى مخاطبة المتهم: لم أستطع أن أكون شخصاً طبيعياً بعد ما فعلت بي. لقد فقدت جزءاً كبيراً من طفولتي بسبب ما تعرضت له. وقالت ثالثة: لقد تركت ندوباً على روحي لا أعتقد أنها ستندمل أبداً. 
توالت الشهادات تقطع نياط القلب، ثم وصلت الدراما الإنسانية أثناء الاستماع لإفادات الضحايا إلى ذروتها حين قام والد مكلوم تعرضت بناته الثلاث لانتهاكات جسيمة من قبل نصار بمحاولة الانقضاض على المتهم داخل قاعة المحكمة، فانبرى له في ثوانٍ خاطفة حرس المحكمة، وأوقعوه أرضاً قبل أن يتعرض له. هذه اللقطة الأخيرة جديرة ببعض التأمل، فمهما اقترف المجرم من جرائم، ومهما بلغت درجة السخط عليه، يبقى أن له كمتهم ومدان حقوق وضمانات تحميه من بطش الضحايا وذويهم.
في مقابل هذا المشهد الكاشف، تأمل ما يحدث في بلادنا العربية يومياً من عصف وتنكيل بكل حقوق المتهمين، يزداد كلما ازدادت بشاعة التهم الموجهة إليهم. ففي حالات الاتهام بالقتل أو الاغتصاب أو الإرهاب، نجد من يستحل لنفسه إهانة المتهمين، والتعدي عليهم بالقول أو الضرب، متناسياً أولاً أهم قاعدة قانونية يعرفها الجميع، وهي أن المتهم برئ حتى تثبت إدانته، وأن بشاعة التهمة لا تنفي أبداً تلك القاعدة الذهبية، وما يتصل بها من قواعد مثل أن الشك يفسر دوماً لصالح المتهم، وأن عبء إثبات التهمة يقع على النيابة. ثم أن الإدانة إن وقعت فمؤداها أن يظل العقاب بيد الدولة ومؤسساتها القانونية، لا أن يتم إنزال العقاب بصورة عشوائية همجية تستجيب لشهوة الانتقام ودفقات الغضب.
يصل الأمر إلى أكثر ما هو فداحة حين تقوم بتلك الاعتداءات المشينة قوات الأمن - أو إنفاذ القانون - نفسها. وفي بعض الأحيان يصل الأمر إلى أن تقوم هذه القوات "بتصفية" المتهمين على رؤوس الأشهاد، بل والإعلان عن ذلك بلا مواربة في البيانات الرسمية وكأنهم بصدد التبشير بفتح مبين. يتناسى هؤلاء وأولئك أن هذه دولة وليست قبيلة، وأن مواجهة الإرهاب والجريمة ليست عراكاً في شارع يتم فيه ضبط لص متلبساً بسرقة دابة أو حبل ملابس، فيبادر أهل الحارة إلى صفعه على قفاه وكل ما وصلت إليه أيديهم وأرجلهم في جسمه، وهم يتصورون أن في ذلك انتصار للحق وانتقام من السارق الدنئ.
ما هكذا تدار الأمم.
لقد أقرت كل التشريعات القانونية الحديثة لائحة طويلة من الضمانات والحقوق للمتهم سواء أثناء مرحلة التحقيق الابتدائي أو أثناء مرحلة المحاكمة. تتضمن تلك الحقوق حق المتهم في السكوت، وفي الاستعانة بمحام، وفي معرفة السبب وراء توقيفه، وفي الدفع ببطلان إجراءات التحقيق، وأن يحاكم المتهم بواسطة سلطة قضائية مستقلة، وأن تكون الجلسات علنية، وأن تتم وفق إجراءات سليمة تحفظ حقوق المتهم وكرامته. كل تلك الضمانات وغيرها الكثير لم تُشَرع من باب تدليل المتهم، بل بغية الوصول إلى الحقيقة عبر إعلاء سيادة القانون وضمان التوازن بين حقوق الدفاع وبين حق المجتمع في القصاص.   
الثابت أن الالتزام الدقيق بنصوص الدستور والقانون هو الخط الفاصل بين فسطاطي الحضارة والبدائية. ففي زمن الشعوب البدائية كانت الغريزة العفوية هي المحرك الرئيسي للفعل ورد الفعل في شتى مناحي الحياة. أما وقد قامت الحضارات منذ آلاف السنين فقد استبدلت المشاعر بالنظم، والغرائز بالقوانين، والأعراف بالنصوص. ومع التطور الإنساني صار للدول دساتير وتشريعات ولوائح تنفيذية شاملة، تنظم وتحدد بأدق التفاصيل حياة المجتمع في سائر الأوجه. يشمل ذلك التنظيم بالطبع قضاءاً متعدد الدرجات يحفظ حقوق الجميع، ويبتغي تحقيق العدل مسترشداً بتراث قانوني ضخم تم تطويره وتنقيحه وسد ثغراته عبر مئات السنين.    
يجدر الذكر في سياق الحديث المتكرر عن "الدولة" وسبل نهضتها أن قوة الدولة لا تقاس ببطش الأجهزة الأمنية، أو إطلاق العنان لها لتعيث في الأرض فساداً طالما تحدق بها أخطار أو يتربص بها أشرار. وأن معيار الدولة الحق هو أن تكون بلا مشاعر أو أهواء أو انحيازات أو ضغائن، وأن مقياس الحكم عليها دوماً هو التطبيق الصارم للدستور والقانون. الأفراد عرضة لأن يكونوا هوائيين، تجرفهم مشاعرهم ذات اليمين وذات اليسار، أما الدولة فلا ينبغي أن تكون كذلك، وإلا فقدت أهم مقوماتها كدولة تنتمي للعصر الحديث، وصارت بحق "شبه دولة"، عبئاً على مواطنيها وعالة على العالم.  
ببصيرة نافذة وعبارة موجزة، لخص العالم النفسي سيجموند فرويد المسألة حين قال أن الحضارة بدأت أول مرة حين قام رجل غاضب بإلقاء كلمة بدلاً من قذف حجر. ذلك بالضبط هو الفارق بين عصر البربرية ونزقه وأدواته وبين عصر الحضارة ومنطقه ومؤسساته. فمن فيهما يستحق أن تُرفع أعمدته وتُنشر مبادئه؟  

د. نايل شامة     
* نُشرت هذه المقالة بموقع الحوار المتمدن (بتاريخ 8 أبريل 2018م).

Saturday, February 24, 2018

نواياكم الطيبة تفرش الطريق للجحيم


ثمة قطاع كبير في النخبة المصرية بتعريفها الواسع يدعو للإعجاب والحسرة في آن. أفرادها - رجالاً ونساءً - أناس أفاضل، حسنو الخلق طيبو النفس، مسالمون ومهذبون، بعيدون عن الدنايا والصغائر، يعاملون الجميع بالحسنى، ولا يعتدون على أحد. أكفاء في تخصصاتهم حقاً، منهم الأطباء والمهندسون والصحفيون وأساتذة الجامعات وسائر تخصصات التكنوقراط. هم مواطنون مثاليون فيما يبدو.
تراهم بالإضافة إلى ذلك يهرعون باستمرار لفعل الخير وبذل الصدقات. تجدهم بنوايا صادقة وضمائر متقدة في مقدمة الصفوف إن احتاجت إلى مجهوداتهم وحافظاتهم مستشفيات الأطفال أو مدارس ذوي الاحتياجات الخاصة أو القرى الأكثر فقراً. ينفقون عن إيمان عميق بأهمية العمل الخيري في التنمية ورفع البلاء عن المكلومين. كما أن حبهم للوطن يبلغ حد العشق. يرتبطون به ارتباطاً عضوياً لا تنفصم عراه. تنخلع قلوبهم إن ألمت بالبلاد الملمات، وترقص قلوبهم طرباً لانتصاراته وأفراحه.  
لكن هل يكفي هذا؟   
الواقع أن كل هذا يبقى مع بالغ الأسف هباءاً منثوراً لا يغني ولا يسمن من جوع، ليس فقط لإنه غير مجدٍ في وطن أكل الدهر على مقدراته وشرب، وتداعت عليه الأمم استخفافاً وطمعاً، بل لأن إسهاماتهم على سخائها ومشاعرهم الطيبة على عمقها تعد جزءاً من مشكلة الوطن الأزلية لا حلاً لها.
الأزمة متعددة الأوجه. أولها - وأهمها - أن جل مجهوداتهم غير مسيس، وتلك مشكلة كبرى. فما خرج عن نطاق السياسة - بإطارها القانوني والحضاري والإنساني - خرج من الحياة برمتها، وبالتالي لن يودي أبداً إلى تقدم، أو يفضي إلى نهضة. السياسة في واقع الأمر تشمل كل شئ في حياتنا، هي كسرة الخبز وصحفة الطعام وكوب الماء وحبة الدواء ولفافة التبغ وضمادة العلاج وتذكرة الترام، وهي السكن ومستوى الخدمات والأسعار والفساد والشفافية وكرامة المواطن، هي الماضي والحاضر والمستقبل. ولذلك قال أرسطو منذ ألفي وأربعمائة عام أن الإنسان "حيوان سياسي"، لأنه بعكس كل الكائنات الأخرى يتفاعل باستمرار مع غيره في إطار واقع اجتماعي وسياسي، معتبراً أن الكائن الذي لا موقف وانتماء سياسي واضح له لم يسمُ بعد لمستوى الإنسان الحق.
ولذلك فإن عملية تنحية السياسة عن أفكار الناس وعن المجال العام الجارية على قدم وساق إنما هي عملية تحايل بامتياز (مهما تمأسست بالوعد والوعيد، مستعينة بأدوات القوة ورأس المال وأفانين الكلام)، إذ هي تنحي عن الحياة أهم ما فيها وتختصرها في مجرد شكليات وممارسات اجتماعية بروتوكولية كهز الرؤوس وتنهدات الحسرة وتمتمات الأمنيات الطيبة. وعليه، فإن فعل الخير مثلاً ليس منفصلاً أبداً عن جوهر السياسة، مهما بدا غير ذلك. فالعطاء ليس جنيهات تعطى للمريض والفقير والمحتاج دون التطرق للأسباب التي أودت بهم ابتداءً لدائرة العوز والمرض.
لكن عالبية أفراد تلك النخبة لا يطرحون تساؤلات أو يزنوا مسلمات أو يدعون لمساءلة، وبذلك فإن ما يفعله هؤلاء من "خير" - وهو قطعاً مؤثر في أوساط واسعة من المجتمع - يديم أوضاعاً قائمة، تظلم الإنسان وتنشر الزيف وتؤجل المستقبل. غاية ما يمكن أن تفعله هو تخفيف جزئي لألم كاسح. كمن يعطي مريض الداء العضال دواءاً مخففاً للصداع، أو من ينعم على إنسان مصلوب على سارية التعذيب بقطعة حلوى، يمضغها لهنيهة قبل أن يعاود الجلاد مهمته السرمدية.  
المعضلة الثانية هي أن هؤلاء لا يدركون هول الموقف وفداحة الكارثة في هذا الزمن البائس الهشيم. مما يسهل من استغلال مشاعرهم الطيبة من قبل السلطة، أي سلطة، اعتماداً على تشوش الرؤية واختلال المفاهيم. على سبيل المثال، إن عدم القدرة على التمييز بين مفاهيم الوطن والدولة والنظام والحكومة، وإلقائهم بالجملة في سلة واحدة، يمكن أن يجعل من حب الوطن مطية لتأييد حاكم (أو جماعة حاكمة) قد يكون هو نفسه أحد أهم عوامل التردي المهيمن على الوطن. وبذلك فهم - على مذبح الوطنية الشماء - يطعنون الوطن في عنقه بأريحية كستنائية وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.
بالمثل، فإن المشاعر الدينية الجياشة يمكن بناءً على مصالح النخبة الحاكمة تبديلها، أو توجيهها في إطار دون آخر، أو حتى قلبها رأساً على عقب. لذلك وجدنا هؤلاء الطيبين المتعلمين تارة يؤيدون الحرب (لأن الجهاد فرض)، وتارة يدعمون مسيرة السلام (عملاً بالآية الكريمة "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها")، تارة يدعمون الرأسمالية (فقد أقر الإسلام الملكية الخاصة)، وتارة يدعمون الإجراءات الاشتراكية (ألم يقل الرسول أن "الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار"؟). ثم هم تارة يًدفعون إلى دعم الديمقراطية والتعددية السياسية، وتارة أخرى إلى الاعتقاد بأن الديكتاتورية هو أنسب نظام سياسي لشعوبنا.
المشكلة أن هذه النخبة، وإن كانت صغيرة حجماً قياساً إلى مجموع سكان الوطن، لكنها عظيمة تأثيراً بحكم أن أعضائها أفضل تعليماً، وأكثر امتلاكاً للثروة، وأكثر ظهوراً في وسائل الإعلام وفي دوائر التأثير السياسية والمالية. ليتهم أدركوا أن الوجود الإنساني في حد ذاته عبء، وأن التأثير مسئولية، وأن التقاعس عن المسئولية جرم كبير، وأنهم يضرون من حيث أرادوا النفع. ألم نسمع منذ الصغر عن الدبة التي قتلت صاحبها من قرط الوفاء منزوع العقل؟ فالتفكير والوعي وإعمال العقل جزء من كينونة الإنسان وعلاقته بمحيطه، فلا قيمة لحب بلا وعي، ولا لإخلاص بلا حصافة.
باستمرار الأطراف كلها في أداء أدوارها المرسومة بلا تغيير، تستمر المسيرة الجنائزية الحزينة المهيمنة على حيواتنا منذ مئات السنين: أوضاع مزرية تنوء بها القلوب، ونوايا طيبة لا مردود لها، وعجلة شرسة لا تتوقف عن الدهس والهرس، وجوقة ترقص وتقرع الدفوف على لحن الإنجازات البالي، وتبشر في قاع العتمة بنصر قريب، ووطن أحوج للتغيير يغلق بابه ويوصد مزلاجه وكأنه ليس في الإمكان أفضل مما هو كائن، وسلطة تمتطي هودجاً أعرجاً في عصر الصواريخ والإنترنت فائق السرعة. هل أخطأ ادوارد سعيد، ولو قليلاً، حين اتهم المستشرقين - مثل جيرار دي نرفال وادوارد لين وجوزيف كونراد وسائر كتاب الخطاب الكولونيالي - برؤية الشرق من زاوية استاتيكية تغفل حركة التاريخ فيه؟ على هذه الأرض ثمة أشياء لا تتحرك كثيراً.   
لكن هذا المصير الذي تساهم هذه النخبة الساكنة في استدامته ليس بالطبع قدراً محتوماً. ففي مقابل الجمود المهلك، يوجد التغيير البهيج الذي هو جوهر الوجود الإنساني وسر تطوره. ذلك التغيير الذي شغل كثير من الفلاسفة، من فلاسفة اليونان والصين منذ آلاف السنين، وحتى هيجل وماركس في القرن التاسع عشر، وأنطونيو جرامشي وميشيل فوكو في القرن العشرين. يشمل هذا تغييراً في علاقة الفرد بالدولة، وتغييراً في دور وكفاءة مؤسسات المجتمع، وفي القيم الحاكمة للمجتمع، وفي العلاقات الإقتصادية بين طبقات المجتمع وعلاقتهم ببعضهم البعض. هو باختصار تغيير مبتغاه مجتمع أكثر عدلاً وإنسانية ورحمة وسعادة ورفاهية.  
ترى ما هو موقف هذه النخبة من تغيير كهذا؟ وإن هلت بشائره، فما عسى يكون موقفهم من الصراع الذي سيتولد بالضرورة بين قوى التغيير والقوى المستفيدة من بقاء الوضع الراهن؟ هل سيقفون في صف الماضي على حساب المستقبل؟ تلك أسئلة مثقلة بالهواجس والقلق، فعلى أرفف التاريخ المصري الحديث، نماذج عدة من كوارث مريعة ساهمت بها النخبة المتعلمة، صمتاً وغفلة. ألم يرقص بعضهم إبان تنحي عبد الناصر في خضم كارثة الهزيمة المريرة؟ ألم يساندوا قرارات السادات العنترية في سبتمبر الغضب؟ ألم يلبثوا على أريكة الكسل لثلاثين عاماً وهم يتصورون أن صولات وجولات مبارك في الفساد والاستبداد والتوريث هي "العبور الثاني لمصر"؟      
***
شبه الفيلسوف اليوناني هيراقليطس التغيير بالنهر. فكما يستمر النهر في التدفق والعطاء، وهي مسألة حتمية وأبدية، يجب أن يظل التغيير عملية مستمرة. وإذا كان هذا حال كل نهر وكل حضارة، فما البال بنهرنا الآسن الذي انطفأت فراديسه، وجفت غدرانه، وهرب اليمام من شاطئيه واستوطنت رياح السموم الوبيل ضفتيه؟ وما البال بوادينا المنهمر بالحياة الميتة والليال الدوامس، أرض الثكالى والمرضى، حيث الدماء مستباحة، والأرواح مهدرة، والعقل في سبات عميق، والناس تسقط أعمارهم في مسيرة السعي وراء البقاء، أرواحهم معلقة في ذؤابة الألم، ومن شرفات عيونهم يطل القهر والكمدرواخهم أ.
لا وقت لدفن الرؤوس في رمال الخيلاء الكاذب،  فلنبادر بالتغيير قبل أن تأتي نار سقر فلا تبقي ولا تذر.

د. نايل شامة
* نُشرت هذه المقالة بموقع المنصة (بتاريخ 24 فبراير 2018م).


Thursday, February 1, 2018

The Scourge of Petrodollars

The Middle East, perhaps more than anywhere else, is a region of contrasts and contradictions, the kind that life throws our way to teach lessons and lift the fog of ignorance. One of those popped up last month when the New York Times spared no detail in describing the world’s most expensive home, a chateau near Versailles owned by the Saudi Crown Prince Mohamed bin Salman. With text and image, the article described at length the exquisite chateau and its 57-acre landscaped park: ceilings adorned with chandeliers and fresco paintings, Carrara marble statues, an underwater chamber with fish swimming overhead, and the park’s gold-leafed fountain and hedged labyrinth. An earthly paradise, no doubt.       
In his short-yet-speedy ascent to power, which included his appointment as minister of defense in 2015 and as crown prince last June, Mohamed bin Salman (often referred to by the English acronym MBS) has exhibited a penchant for a lavish lifestyle and splurge spending. The list of splashy purchases he made over the past two years includes a $500 million yacht, the record-breaking $450 million “Salvator Mundi” painting by Leonardo da Vinci and that $300 million French mansion. Rather ironically, MBS acquired these extravagances against the background of a Saudi budget deficit totaling 297 billion riyals in 2016; growing poverty and high youth unemployment; the recent detention of hundreds of businessmen and princes on opaque anti-graft charges; and massive spending on a pointless war on Yemen.
In foreign relations, MBS (the de facto Saudi ruler since 2015) has wrought havoc on a regional cauldron already bubbling with volatile conflicts and pressures. Under his direct leadership, Saudi Arabia blockaded Qatar, reportedly attempted a coup in Doha, forced Lebanon’s prime minister to resign and kept him against his will in Riyadh, intensified a cold war against Iran and waged a ruthless war against the Arab world’s poorest country, Yemen. 
Yemen has borne the brunt of Saudi military might, but it has also exposed its folly. It is estimated that the war in Yemen costs the Saudi budget around $200 million daily. The Saudis tout that their efforts are aimed at supporting Yemen’s legitimate government and defending the region from the spectre of Iranian expansionism, but the grim realities on the ground put their words to shame. As a result of nearly three years of intense aerial bombardment and a naval blockade, Yemen - already plagued for many years by poverty and instability - has plunged into the abyss of total collapse.
Since the Saudi war on Yemen began in 2005, at least 13,000 civilians have been killed, more than three million people have been displaced, and the country has been hit by the largest worldwide outbreak of cholera in five decades. Today, of 28 million Yemenis, around 20 million (71 percent) are in need of some humanitarian assistance, including 17 million who are considered food insecure and 14 million who do not have access to safe drinking water or sanitation. With around 7 million Yemenis just “a single step away from famine,” the country is facing a famine “of biblical proportions” warned one prominent aid worker.    
If we juxtapose these two images - the joie de vivre of the Saudi crown prince and the hellish misery resulting from the war he wages - a thorny question will inevitably hover in the air: Other than towards securing a luxurious life for the ruling family and bankrolling military adventures in the region, where has the largest inflow of wealth in the modern history of the Arab World gone? These windfall gains began pouring on Saudi coffers in the 1930s. A 1945 State Department memo described the discovery of oil in Saudi Arabia as “one of the greatest material prizes in world history.”
Yet, rather than focusing on enlightenment, social progress and human development, the ‘black gold’ was invested in power, its building, consolidation and projection. To be sure, the new wealth elevated Saudi Arabia in the scales of power from a playground - where regional and international forces grappled with each other in pursuit of influence - to a major player to be reckoned with on the regional and global stage. But then what? What has this massive political and economic power brought? The untold truth in regional discourses, the elephant in the room, is that the largest windfalls bestowed on the Middle East in modern history have been a curse in disguise, and a major source of misery in the region. 
Since it was founded, Saudi Arabia has been ruled by a single family. The rule of the country and control of its riches have been passed down from one generation to the next like a family heirloom. The Saudis forged a drab state at odds with the order of modern nations. Its buildings, freeways, shopping malls and cars may be modern and fancy, but they are just a façade hiding an archaic polity. The ruling family has opted for a sociopolitical system that is allied to the ulema; protected by a network of draconian security agencies that show no mercy towards dissidents; steeped in nepotism and influence-peddling; wedded to obscurantism; and that asserts its presence in world politics using the power of Riyalpolitik.   
Worse still, at the heart of this peculiar regime – depicted by one political scholar as a “pious kleptocracy” - is a culture that harbors a deep animosity towards liberties and any form of bottom-up change. This hostility has been so powerful - as though freedom is a plague from which one should take refuge - that it has shaped the genes of this state, both politically and culturally. Of course, in the Arab world most, if not all, regimes tend to oppose reform, but the ruling Saudi family has the financial means to bail out autocrats, give them the kiss of life when threatened, and, if necessary, replace them with other subservient autocrats in order to buoy their regimes and the region’s club of despots.
This explains why numerous despots who were swept out of office (such as Idi Amin of Uganda and Tunisia’s Ben Ali) have found in Riyadh a comfortable haven. Deep down, this was a gesture of fidelity to fellow dictators, companions of the road who keep the regional order running as it is, corrupt and undemocratic. It also shows indifference, even subtle contempt, to the people who endured agony and despair under the rule of these dictators.  
Unsurprisingly, then, the Kingdom was, almost by instinct, unalterably opposed to the voices of the Arab street clamoring for liberty in the potent 2011 wave of protests, the Arab Spring. The calls for reform in Tunis, Cairo, Sana’a and Manama jolted Saudi Arabia into immediate action, spending massively in support of embattled dictators and digging in for a long fight against the forces of change. From day one, Saudi Arabia became the Arab Spring’s foremost enemy. Not only did it support the dictators up to the hilt, but it also encouraged regional and international powers to toe the same line. This belligerent posture soured Riyadh’s longstanding relations with Washington. President Obama, the oil princes thought, did so little to save Egypt’s Hosni Mubarak and Tunisia’s Ben Ali, who, lest we forget, had killed hundreds of peaceful protestors under the gaze of the world.
Culturally, the kingdom’s conservatism has undermined the efforts of liberal religious reformers in Egypt and the Levant, attempting to renew the religious discourse and reconcile Islam with modernity. Much has been written about the Islamic Republic of Iran’s attempts to export its “revolution”, but much less about Saudi Arabia’s export of its Islamic “ideology.” Based on a marriage of power between the ruling family and the clerics, the kingdom has espoused a narrow, dogmatic and ultra-conservative variant of Islam, Wahabism. Not only is this version pitted against modernism, against life itself, but it is also against the true principles of Islam.   
To buttress its image among Muslims as the voice of Islam and “the guardian of the holy mosques,” and to gain political currency, Saudi Arabia made a concerted effort to spread this narrow understanding to Muslim-majority countries In the Arab world, Africa, and East and Central Asia. Decades of massive funding to charities, mosques, learning centers and, in Pakistan and Bosnia, madrassas and training camps run by zealot Wahhabis produced generations of young Muslims who loathe nonbelievers, view women as a source of fitnah (temptation or affliction), and consider armed struggle to be the panacea for all ills. Similarly, years of generous support for the “mujahedeen” in Afghanistan bred Al-Qaeda, which orchestrated the 9/11 attacks, and which has morphed into what is now known as global jihad.   
To add insult to injury, Saudi Arabia has in recent years been heaping oil on the fire of sectarian strife, adding an unnecessary cause of unrest to a region already awash with conflict and instability. This owes itself to the intense Saudi rivalry with Iran, which has possessed the new generation of Saudi rulers. MBS, in particular, has exhibited an increasing appetite for war, risk-taking and harnessing sectarianism to win allies and roll back Iranian influence. Today, nearly all civil conflicts in the region, especially in Yemen and Syria, have turned into quintessentially proxy wars between Riyadh and Tehran loaded with a heavy dose of sectarian overtures.    
***
Various scholars have championed the argument that Saudi Arabia is fated for a quick collapse. Renowned British historian Robert Lacey heralded his best-seller book on the Kingdom by a harsh statement: “In theory, Saudi Arabia should not exist—its survival defies the laws of logic and history.” But it, and alas continued to use its vast wealth to back dictators, hamper change, toy with the fates of other nations, ignite sectarianism and spread a radical version of Islam. Saudi Arabia is certainly not the only source of evil in a region caught in the grip of numerous misfortunes. However, if these practices go on unabated, can a democratic, progressive and non-sectarian Arab world ever see the light of day?   

Nael Shama

* This essay appeared in The New Arab (English) on January 31, 2018.