Showing posts with label Al-Sisi. Show all posts
Showing posts with label Al-Sisi. Show all posts

Wednesday, August 23, 2017

يوم تحين لحظة التغيير في مصر (1) صعوبات على الطريق

إذا كانت الجهود الرامية لإصلاح الواقع في مصر قد اصطدمت بصخور عدة، كارتفاع مستويات القمع، وتقلص مساحات التعبير عن الرأي، ورقاد الأحزاب والمثقفين في سبات عميق، فلا مناص – ولا بأس – من الانشغال بالمستقبل والتدبر في أمره. فالوضع الحالي ليس مستداماً وليس مستقراً مهما أوحت الشواهد بغير ذلك، بل يمكن القول أنه يحمل في طيات بنيته وأطره وأدائه بذور تغييره، طال الوقت اللازم لذلك أم قصر. إذ لا يمكن تصور أن تتزامن لفترة طويلة عوامل كممارسة أعلى درجات القمع والمعاناة المجتمعية من أسوأ الأزمات الاقتصادية مع موت العملية السياسية بالكامل وتفاقم الفشل الإداري في كل القطاعات دون أن يحدث أي انفتاح ولو جزئي في النظام السياسي. لكن المعضلة أنه حين تحين في المستقبل لحظة تغيير كبرى – أياً كان نوعها ومقدماتها وتوقيتها – فإن قوى التغيير ستجد أنفسها أمام بيئة غير مهيأة بالمرة للتغيير. ففي الحاضر علل مستعصية ستقف في اللحظة الفارقة حجر عثرة أمام نجاح أي تغيير سلمي ومتوازن وبناء.
أول تلك العلل هو غياب البديل القادر على ملء الفراغ السياسي وقت الأزمة، نتيجة لضمور الحياة السياسية، واقتلاع مؤسسات المجتمع المدني وتأميم الإعلام. المفارقة أنه كانت هناك ثمة حياة سياسية أيام مبارك (الذي قامت ضده ثورة أنهت عهده)، لكنها كانت محكومة بقواعد صارمة، تحافظ على منصب الرئيس وهيمنة الأجهزة الأمنية وسيطرة الحزب الحاكم على البرلمان. برغم السلطوية، لم تمت السياسة، وأعلنت عن نفسها من خلال منابر مختلفة، كالنقابات وصحف المعارضة ومسيرات الشارع (وفي وقت لاحق استعانت بالأدوات الرقمية كالمدونات ووسائل التواصل الاجتماعي). اليوم يبدو ذلك القليل من السياسة (والمحصور في الهامش) من قبيل الرغد والبحبوحة السياسية. فقد لفظت السياسة بشكلها التقليدي أنفاسها الأخيرة في السنوات الأخيرة، واختُزِلت - وهي بطبيعة الأشياء عملية معقدة ومتعددة الأوجه ومترامية الأطراف - في شخص واحد تعاونه الأجهزة الأمنية، ولم يعد هناك حتى حزب حاكم. كما اختُزِلت عملية الحكم - والمنوط بها إدارة تناقضات المجتمع والتعبير عنها – في السيطرة والقمع. باختصار صرنا بصدد سلطة بلا سياسة.  
يبدو الأمر، إن شبهناه بمباريات كرة القدم، وكأن قواعد اللعبة تغيرت جذرياً: حق للجميع أيام مبارك نزول الملعب ومداعبة الكرة لكن تسجيل الأهداف ظل امتيازاً حصرياً لمبارك ونجله وحزبه، فيما اكتفى الآخرون بركل الكرة في أركان الملعب. أما الآن فليس من حق أحد نزول الملعب من الأساس سوى الرئيس وأجهزته ومعاونيه. لذا اكتظت بالآخرين مدرجات المتفرجين أو سلالم الخروج من الاستاد.
وبديهي أن مصر ستدفع ثمناً باهظاً لذلك حين تحين لحظة التغيير. يتذكر الجميع مثلاً أن تهميش القوى العلمانية في العقود الثلاثة لعهد مبارك أدى إلى سيطرة الإسلاميين على كل الإنتخابات بعد رحيله (ومجموعها خمسٍ جرت في الفترة من مارس 2011م إلى ديسمبر 2012م). أما اليوم فالجميع – من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين –  في التهميش سواء. وحين تتداعى الأوضاع ويستوطن الفراغ، ستسعى كل الأطراف بشكل محموم لفرض إرادتها وحسم الأمور لصالحها. بيد أن غياب الأطر السياسية الشرعية، وطول فترة الكمون في الهامش، ينذر بخطر أن تسقط البلاد في قبضة العنف. إذ يولد العنف دوماً من كونه خياراً أخيراً يتم اللجوء إليه حين تتوارى السياسة، وحين لا توجد آليات واضحة تحظى بالتوافق الوطني لحل الخلافات بين الفرقاء.  
ثاني تلك العلل يكمن في انخفاض مستوى الثقة في مؤسسات الدولة جميعاً إلى أدنى مستوياتها، ليس فقط في كفاءتها المهنية وقدرتها على الإنجاز، بل في إخلاصها ووطنيتها أيضاً. يأتي ذلك رغم أن النظام الحالي جاء منذ اللحظة الأولى محمولاً على صهوة الوطنية، وما طفق منذئذ يقتات على سنام مشاعرها الجياشة. لقد كان لافتاً في غمرة الثورة في يناير 2011م أن المتظاهرين صبوا جام غضبهم على الشرطة والحزب الوطني الديمقراطي فحسب، ولذلك استهدفت طاقتهم التدميرية أقسام الشرطة ومقار الحزب على مستوى الجمهورية، فيما لم تُمس بسوء تقريباً باقي المباني والمصالح الحكومية. أما الاحتفاء العظيم يومئذ فكان من نصيب ضباط الجيش وجنوده.
كانت هذه هي الصورة في 2011م، لكن مياهاً كثيرة جرت في نهر السياسة المصرية منذ ذلك الحين. فالحياد الذي اتسم به موقف المؤسسة العسكرية في 2011م تحول في غضون سنوات قليلة إلى دعم كامل وظاهر للنظام، وعلى نفس المنوال أصاب التسييس جزءاً من مؤسسة القضاء العريق، مما جعل منه طرفاً أساسياً في معادلة الحكم. انفصمت إذاً كل أواصر الثقة أو كادت بين الدولة وقطاعات واسعة من المجتمع، ولم يبق ثمة من محصنين - بالهيبة والسمعة - داخل إطار الدولة المصرية. وعليه فإذا وصل السخط الشعبي على نظام الحكم ذروته يوماً، فستمتد نيرانه بلا شك إلى كل المؤسسات، وهو أمر شديد الخطورة، وينبغي بكل وسيلة تجنبه.
ثم أن تفكك مؤسسات الدولة وتحولها إلى جزر منفصلة لا رابط ولا تنسيق بينها إلا القليل لا يبشر بخير. فحين يفرض التغيير نفسه يفترض أن يحدث بالدولة، لا بمعزل عنها. فمصر دولة ذات بيروقراطية عتيدة، تبسط وجودها الأخطبوطي على كافة مناحي الحياة، ولذلك لا يمكن تجاوزها أو القفز من فوقها. وعلى الرغم من أن الرئيس السيسي قد وضع الحفاظ على مؤسسات الدولة هدفاً رئيسياً لحكمه، فإن ذلك لم يتحقق، على الأرجح لاختلاف مفهومه عن ماهية "الدولة" والأسلوب الأمثل لاستعادة "هيبتها". بل كان أن حدث العكس تماماً: كفاءة متدنية في الأداء، وتراكم للأخطاء والخيبات في كافة القطاعات، واعتماد متزايد على المؤسسة العسكرية (للاستفادة من انضباطها وكفاءة أدائها) أدى لمزيد من تدهور أداء المؤسسات المدنية.  
والأكثر من هذا غياب القيادة الحكيمة، فلا نحن الآن إزاء ديمقراطية سليمة متسلحة بقواعد الحكم الرشيد، ولا حتى ديكتاتورية آمرة ناهية ترصد مواطن الزلل داخل الدولة فتقومها سريعاً بسلطة الحاكم الفرد. بل نحن بصدد حالة من السيولة والانقسام انطلق على إثرها المرؤوسون في مواقعهم يوطدون نفوذهم، ويشيدون بكل دأبٍ قواعداً من المؤيدين والمريدين. يظهر هذا أكثر ما يظهر في المؤسسات الأمنية، والتي يفترض أن يكون التنسيق والتعاون فيما بينها أعلى ما يكون، بالنظر إلى تقارب الاختصاصات، ووحدة الأهداف (كمحاربة الإرهاب والجريمة). لكن التعاون استبدل بالتنافس، وبزغ بوضوح السعي المنفرد للظفر بالسلطة، ولزيادة رأس المال السياسي عبر الاستثمار في المشاريع الإقتصادية ووسائل الإعلام، وبناء شبكات واسعة من العلاقات في الدولة والمجتمع ودوائر المال والأعمال.  
بالتوازي مع ذلك، سقط نموذج الثورة السلمية في أذهان الشباب، وهم بطبيعة الحال وقود أي تغيير حقيقي ومعوله. إذ حدث لهم تغير هائل على المستوى النفسي والوجداني منذ لحظة يناير، والتي كان شعارها الأثير هو "سلمية". كان الثوار عندئذ أيفاعاً في ميعة الشباب، وكانوا بالطبع حديثي العهد بالسياسة، مدفوعين في حماسهم بالأمل والإخلاص وسلامة الطوية، لكن الانخراط في نهر السياسة الآسن، وانكباب الأطراف كلها على نفخ جمرات الصراع والفتنة، ترك آثاراً كبيرة عليهم.  
فالسنوات المحمومة التي تلت إقصاء مبارك، والعنف الذي ترعرع ثم تربع فيها، ثم عودة الدولة على أسنة الرماح في عام 2013م، هزت كيان الشباب، وربتهم على أن القوة - والقوة فقط - هي ما يفيد وينفع في مضمار السياسة، وأن الأحلام البريئة والشعارات النبيلة التي حملوها على أكتافهم في يناير لا تغني ولا تسمن من جوع. اليوم يؤمن كثير منهم أن إسقاط النظام "بأكمله" ضرورة، وأن بناء ما هو جديد يستدعي هدماً كاملاً لما هو قديم، كما سقط بعضهم فريسة لروح الانتقام والرغبة في التشفي في غرمائهم. ليس هذا بمستغرب، فالعنف معدٍ، والأنظمة العنيفة كثيراً ما تولد معارضة شبيهة بها: عنيفة وشديدة المراس.  
بانصرام الثورة، واختطاف الحلم، وسجن الرفاق، وانفجار حمامات الدم، تكسرت النصال على النصال، وبلغ الغضب الحلقوم، ولذلك ما طفقت أفئدة الشباب ترسف في أغلال اليأس والبغضاء وخيبة الأمل. طاقات الغضب المكظوم ونوازع الشر المكبوتة اليوم هائلة، ولا ينبغي الاستهانة بها أبداً. وبديهي أنه إن واتت الفرصة الشباب لتفريغ هذه الطاقات في حمأة صراع مستقبلي، فستكون العواقب وخيمة، وهو ما يخصم قطعاً من فرص النجاح حين ترسو سفينة المجتمع على محطة التغيير.  
ثم يأتي استمرار تدهور النخب المصرية ليضفي ظلالاً إضافية من الشك على إمكانية نجاح أي تغيير إيجابي، إذ أنى للتغيير أن يتحقق في غياب الكوادر والقيادات؟ لقد رسبت النخبة المصرية منذ لحظة الخامس والعشرين من يناير في كل الاختبارات، ولا يرجى منها الكثير، لا في أوقات الاستقرار ولا في أوقات التغيير. فأمراض الحياة الحزبية الرئيسية ما تزال مستمرة ومتفاقمة، مثل تشظى الكيانات الحزبية، وانغماسها في صراعاتها الداخلية، وجنوحها إلى الصراع مع بعضها البعض أكثر من مناطحتها للسلطة، بل ومساندة بعضها للأنظمة بشكل صارخ (ولذلك سميت "بالمعارضة الوفية")، وفشلها في تقديم أي إسهامات سياسية أو فكرية حقيقية. أما النخب المصرية – داخل الأحزاب وخارجها – فلا يزال يحكم أداء أغلبها مزيج سام من الانتهازية والاستبداد والشللية والمداهنة وقصر النظر.
***
ستشتد على الأرجح عقابيل الأزمة حتى منتهاها. وبالتبعة ستكر السبحة، وينفرط العقد، وتنقشع الغيمة، وتبزغ شمس الفرصة يوماً، لكننا غير مؤهلين لاغتنامها. فغياب البديل السياسي، وضعف الثقة في الدولة والنخب السياسية وآلآليات المؤسساتية القائمة، وفتور الحماس للأدوات السلمية في التعبير مع تصاعد مستويات الغضب، كل هذا يفتح الباب على مصراعيه أمام انفجارات العنف الطائش والمراهقة السياسية من ناحية، وجموح الانتهازية والصيد في الماء العكر من ناحية أخرى. أنى لمصر أن تتجنب هذا المصير الماحق؟ هذا هو السؤال الكبير الذي يجدر بالجميع الانشغال به.  

وللحديث بقية في الجزء القادم من المقال.        

د. نايل شامة

* نُشرت هذه المقالة بموقع المنصة (بتاريخ 23 أغسطس 2017).

Monday, June 26, 2017

جمود السياسة وأعاصير الفشل في مصر

فيما يواصل الخطاب الرسمي التبشير بالغد الصبوح الذي ينتظر الشعب المصري بعد هنيهة من الصبر الجميل، تجوس في سماء السياسة والمجتمع في مصر غيوم مدلهمة عابسة مكفهرة القسمات تخفي أضواء المستقبل، وتبسط ظلالاً داكنة من الجزع والوحشة في سماء الحاضر. أربعة عواصف على الأقل تجمعت نذرها في الأفاق، ويشتد أوارها يوماً وراء الآخر، ماضية - إن لم يتم إجهاضها سريعاً - بخطى واثقة نحو ما لا يحمد عقباه.
أولاً: اشتدت وطأة العمليات الإرهابية كماً وكيفاً. فمن ناحية شهدت الشهور الأخيرة اتساع نطاق الهجمات الإرهابية وخروجها من الحيز الجغرافي الضيق الذي انحصرت فيه لعدة أعوام في محافظة شمال سيناء، والذي أشار إليه الرئيس عبد الفتاح السيسي بكونه لا يزيد عن 1% من مجموع مساحة شبه جزيرة سيناء. خرج الإرهاب من مكمنه وامتدت أياديه لتضرب عدة مناطق استراتيجية بالعمق المصري - في أقاليم القاهرة والإسكندرية والدلتا والصعيد - وجنوب سيناء. أما على صعيد الكم فتشير الإحصاءات الصادرة عن معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط إلى زيادة عدد العمليات الإرهابية في نطاق محافظة شمال سيناء من 143 في عام 2014م إلى 426 في عام 2015م ثم 681 في عام 2016م. ثم كان أن دخلت القبائل مؤخراً على خط المواجهة المسلحة مع فرع تنظيم الدولة الإسلامية في شمال سيناء، وهو تطور مآله لا ريب تعاظم الصراع وإطالة أمده. أما الهجمات التي وقعت خارج نطاق شمال سيناء فقد انخفض عددها في عام 2016م مقارنة بالعام السابق، لكن زادت خطورتها وأعداد الضحايا الناجمة عنها في الشهور الأولى من عام 2017م.
سنوات تربو على الأربع انقضت من حرب ضروس مع الإرهاب أظهرت عجز الدولة عن التعامل بكفاءة مع هذا التهديد المتصاعد من زاويتين رئيسيتين. الأولى هي الخطط الأمنية المطبقة على الأرض في خضم المواجهات المباشرة، والثانية تتعلق بالإطار السياسي والفكري الذي زرع الريح فحصد العاصفة، إذ وفرت السياسات المتبعة البيئة المناسبة لبزوغ وتمدد الإرهاب من حيث أراد حصاره واستئصال شأفته. وهو ما أومأ إليه مؤخراً مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان حين حذر من أن الإجراءات الأمنية العنيفة التي تنتهجها الحكومة المصرية تغذي التطرف والإرهاب ولا تقطع دابرهما، مضيفاً أنه ما هكذا يُواجه الإرهاب.   
ثانياً: تشهد الساحة المصرية منذ ديسمبر الماضي استهدافاً منظماً للمسيحيين المصريين، شمل تهجيرهم قسرياً من منازلهم بمحافظة شمال سيناء، واستهداف كنائسهم بالقاهرة والإسكندرية وطنطا وسانت كاترين، إضافة إلى استهداف حافلة تقل مسيحيين في طريقهم للصلاة في المنيا. والأكثر مدعاة للقلق من استهداف العاصمتين الأولى والثانية للدولة المصرية في غضون أشهر قليلة هو أن استهداف الكاتدرائية المرقسية بالإسكندرية في أبريل الماضي وقع أثناء تواجد البابا تواضروس بها، أما حادث المنيا فيكشف عن اتجاه لاستهداف الأقباط في أكثر الأماكن الأمنية رخاوة، وفي أبعدها من الناحية الجغرافية عن مركز الأحداث. هذان التطوران – استهداف أهم القيادات وعامة المسيحيين على السواء - ينذران إن تكررا بتداعيات ونتائج بالغة الخطورة.   
ويدرك المتابع لسلوك وخطاب الفرع المصري للتنظيم أنه ليس في نيتها الإحجام عن استهداف المسيحيين، بل من المرجح أن يتسع المدى الجغرافي وتطول قائمة الأهداف الحيوية لحملتهم الدموية. وبديهي أنه لن تقف عقبى ذلك عند تهديد الأمن العام، وتقويض شرعية النظام، وخفض موارد الدولة من السياحة والاستثمارات الأجنبية فحسب، بل قد تتعداه إلى شق صفوف المجتمع وزرع بذور فتنة طائفية لا يعلم إلا الله آثارها ومداها. 
ثالثاً: مازال الاقتصاد المصري في حالة من التأزم شديدة ومستفحلة. فبعد أشهر من التلكؤ وجر الأرجل، استقرت الجكومة أخيراً في نوفمبر الماضي على ما رأت فيه حلاً للأزمة، وهو تحرير سعر الصرف. لكن الأزمة الاقتصادية مازالت تراوح مكانها بعد أكثر من ستة أشهر من تطبيق الإجراءات الرامية لتعزيز موارد الدولة من العملة الصعبة وتطويق السوق الموازية للنقد الأجنبي. وتشير الأرقام الرسمية الصادرة من الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى ارتفاع معدل التضخم السنوي إلى 31.7% و32.5% و32.9% في شهور فبراير ومارس وأبريل الماضية، وهو معدل قياسي لم يتحقق منذ أكثر من ثلاثين عاماً، أما زيادة أسعار الغذاء والمشروبات فقد تجاوزت على مدار عام حاجز الأربعين بالمائة. في نفس السياق، توقع تقرير لمؤسسة "يولر هيرميس" الائتمانية أن تشهد مصر في عام 2017م أسوأ معدل نمو اقتصادي منذ عام 1967م، أي منذ خمسين عاماً كاملة، وفي سنة تلقت فيها الدولة هزيمة عسكرية ثقيلة.  
رابعاً: برغم تلك الأزمات المستعرة، ما انفكت السياسة متابعة سباتها العميق، فيما يواصل سيف الأمن البتار العصف بالدستور والقانون، وانتهاك الحريات والحقوق بلا رادع أو وازع. وتُظهر أزمات السلطة المستمرة مع السلطة القضائية والأزهر وأطراف في الإعلام إلى انصباب اهتمامها على السيطرة التامة، بالتوازي مع سقوط معايير رأب الصدع المجتمعي ووأد الأزمات في مهدها من سلم أولوياتها. وما التطور الأخير بحجب العشرات من المواقع الخبرية على موقع الإنترنت إلا حلقة في سلسلة طويلة تشي بضيق صدر السلطة بأقل القليل من الاستقلال واختلاف الرأي.
يستمر انسداد الأفق السياسي هذا فيما تبدأ الإجراءات الممهدة لانتخابات الرئاسة 2018م في أقل من عام في بيئة سياسية جدباء، وغياب لكل أنواع الحريات، وعزوف لكل المرشحين المحتملين عن حتى البوح بنواياهم مخافة البطش وتلويث السمعة. يتزامن ذلك مع اختزال السياسة المصرية بكل تعقيداتها ومستوياتها في شخص واحد ومؤسسة واحدة. ذلك أمر جسيم في بلد كمصر، إمكانياته البشرية هائلة لكنها محجوبة ومحاصرة، فصارت كالسيوف في أغمادها يأكلها صدأ النسيان.
ثم جاءت موافقة مجلس النواب على اتفاقية تعيين الحدود البحرية بين القاهرة والرياض - والتي تتضمن نقل السيادة على جزيرتي تيران وصنافير للسعودية – ثم مسارعة الرئيس السيسي في التصديق على الاتفاقية (برغم استمرار النزاع القانوني حول سلامتها الدستورية والقانونية) لتصيب شرعية النظام في مقتل، ولتُفقد قطاعات واسعة من الشعب المصري ثقتهم في النظام السياسي بأكمله. يرى هؤلاء أن النظام القائم بشخوصه ومؤسساته ما عاد مؤتمناً، ليس فقط على رفاهة الشعب وتحقيق تطلعاته في الاقتصاد والأمن، بل حتى على الحفاظ على وحدة الوطن وسيادته على كامل أراضيه. يفاقم هذا التطور الجلل من عمق الأزمة السياسية، ويهدد بحدوث تداعيات سياسية ودستورية واجتماعية لا يبدو أن بمقدور السلطة الحالية التعامل معها بكفاءة.
***
تغذي هذه الأزمات بعضها البعض، ليزيد استحكام الأزمة وليتعمق مأزق الشرعية. لكن الدولة تجابه هذه الحزمة من التهديدات بجعبة خاوية الوفاض من الرؤى بعيدة الأمد والحلول السياسية الناجعة، مواصلة تربصها الدوائر بكل أشكال الاحتجاج، واتكائها على ما بقي من شعبية الرئيس عبد الفتاح السيسي وخطاباته العاطفية، التي توقظ مشاعر الأمل والحماس لبرهة، لكنها لا تغني ولا تسمن من جوع وفقر وإرهاب واستبداد.
ولهذا احتجبت الشمس في سرادق الغيم طويلاً دون بادرة على حل أو حلحلة لأيٍ من معضلات السياسة والاقتصاد والمجتمع الرئيسة في مصر. ومن نافلة القول أن أكبر النار من مستصغر الشرر، وأن تجاهل الأزمات يفاقمها، وأن العواصف الناشئة قد تتحول سريعاً لأنواء هوجاء تنثر الوبال وسوء العاقبة. وعليه فحري بمن بيدهم مقاليد الأمر أن يغوا وينتبهوا ويبادروا سريعاً بإصلاح الخلل من جذوره قبل أن يعصف الريح الصرصر بكل شئ.  

د. نايل شامة

* نُشرت هذه المقالة بموقع المنصة (بتاريخ 26 يونيو 2017).


Monday, September 15, 2014

الشرعية في مصر: المأزق والمهرب


لماذا استوطنت حمى الهستيريا ضفاف نهر النيل في مصر؟ لماذا غمر غبار الحرب ومفرداتها وطقوسها وشعائرها حياة المصريين؟ لماذا طفقت سرديات نظرية المؤامرة تبسط وجودها على كافة النقاشات حتى غدت طقساً وطنياً بامتياز؟ لماذا جرى على نحو محموم (بل ومسموم) توظيف الشعارات والأغاني الوطنية سياسياً؟ إجابة كل تلك الأسئلة وثيقة الصلة بالشرعية السياسية ومصادرها. فالشاهد أنه ثمة إفلاس سياسي اليوم يشابه إفلاس جماعة الإخوان المسلمين حين كانت في السلطة، فاستدعت الدين لترميم السمعة وتثبيت الشرعية. بدوره استدعى مأزق الشرعية الراهن هرولة حتمية باتجاه خطاب الوطنية الزاعق، وذلك لانتفاء البدائل وغياب كل مصادر الشرعية الأخرى.
لا يمكن مثلاً للنظام السياسي في مصر أن يستمد مشروعيته من جدية الالتزام بمباديء الديمقراطية والشرعية الدستورية. فقد أطاح هذا النظام في لحظته الأولى برئيس منتخب ديمقراطياً، ولم يبادر بعدها بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة كما طالب متظاهرو 30 يونيو. كما أن إصدار قانون التظاهر والتنكيل بالنشطاء واستمرار انتهاكات حقوق الإنسان لا يدع أي مجال للتباهي باحترام الديمقراطية، والواقع أنه حتى المسئولون يعلنون صراحة أن استعادة الأمن (وليس تعزيز الديمقراطية) تأتي على رأس أولوياتهم.
أيضاً لا يملك النظام الجديد جسارة رفع لافتات مناهضة إسرائيل، أو الادعاء بالانكباب على نصرة الشعب الفلسطيني، خاصة في ظل استمرار التنسيق الأمني مع إسرائيل ووصول الجفوة مع حركة حماس إلى حد انقطاع التواصل. لقد بدا واضحاً خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة أن قضايا التنمية والاقتصاد لا السياسة الخارجية هي شاغل الرئيس الجديد، وأن القضية الفلسطينية ليست على أجندة سياسته الخارجية على المدى القصير، وأن تعبيره الأثير "مسافة السكة" موجه أساساً لدول الخليج الغنية بالنفط والمساعدات.
كما لا يمكن الاستناد إلى شرعية الإنجاز في ملفي الاقتصاد والخدمات (حتى الآن على الأقل) مع استمرار تفاقم مشاكل نقص الوقود وانقطاع الكهرباء وارتفاع الأسعار. أما سياسياً فقد تصدع تحالف 30 يونيو الذي أقصى محمد مرسي في العام الماضي. عاد محمد البرادعي إلى منفاه الاختياري، وآثر حمدين صباحي السلامة، وعاد شباب الثورة إلى سيرتهم الأولى: غاضبون ومعارضون، ومن ثم مهمشون ومهشمون. ولأن الخواء السياسي ينبغي ملؤه، فلم يبق للنظام الجديد سوى أن يبني معمار شرعيته على الأعمدة الآتية:
أولاً، الشروع في إقامة شرعية جديدة، قوامها "ثورة" الشعب في 30 يونيو، والتحامه مع الجيش لتخليص الوطن من براثن الفاشية الدينية. التمكين للشرعية الجديدة يتطلب بداهة القضاء على شرعية 25 يناير وإهالة التراب على صناعها وأهدافها، أو على الأقل تنحيتها عن الوعي العام. من هنا بمكن فهم حملة التشويه التي تتعرض لها ثورة يناير بلا هوادة من جانب ساسة وإعلاميي النظام الجديد. على سبيل المثال، وُصف ثوار يناير من قبل وزير التموين في حكومة حازم الببلاوي ب "الخونة والإرهابيين"، دون أن يبادر أي مسئول إلى الاعتذار أو النفي أو التوضيح، ما يشير إلى رضا السلطة أو على الأقل عدم انزعاجها من مضمون هذه التصريحات.
ثانياً، تبني خطاب شعبوي عتيق يلتحف برداء الوطنية، ويشعل لهيب المشاعر بالإلحاح على أن أخطاراً محدقة تكاد أن تنال من وحدة الوطن وسلامته، حتى لو أدى ذلك الخطاب إلى تعزيز ثقافة الكراهية ضد الآخر في الداخل، وتلويث علاقات مصر مع الخارج. إن أردأ هوية تلك التي يقوم فيها تعريف الأنا أساساً على كراهية الآخر. ولقد أدى التعاطي الديماجوجي لوسائل الإعلام في الشهور الأخيرة بالفعل إلى تقسيم الوطن نفسياً إلى فسطاطين، وهو أمر لا يقل خطورة عن التقسيم الفعلي، وإلى نشوب أزمات دبلوماسية مع ثلاث دول على الأقل، ما استوجب اعتذاراً رسمياً من وزارة الخارجية المصرية في حالتين منها (مع الولايات المتحدة والمملكة المغربية).
وغني عن البيان أن الوطنية الحقة رباط فكري ووجداني يجمع أبناء الوطن جميعاً في مجتمع قادر على تحديد مرتكزاته الأساسية، وعلى إدارة تناقضاته الداخلية. أما الوطنية السائدة الآن فهي في جوهرها وطنية رثة، إذ أنها مجرد أداة لكسب النقاط السياسية وإقصاء المخالفين. فلأن الرموز تعكس بالضرورة واقعاً أو معنى ما، فلابد بداهة من وجود صلة عضوية بين الأصل والرمز المشير إليه، أما إذا انتفت تلك الصلة، تصير الرموز مجرد أوثان، تعبد لذاتها وبشكل تجريدي من دون الإله الأصلي. بعبارة أخرى، ما الفائدة من علم يرفرف عالياً في السماء أو نشيد يصدح في الأركان فيما أبناء الوطن يهيمون في تيه أرضه وغياهب سجونه؟  
ثالثاً، استدعاء تجارب تاريخية زاخرة بالمعاني وقادرة على إثارة الشعور بالنوستالجيا (مثل تجربة جمال عبد الناصر)، ثم الالحاح على أن الحاضر يستنسخ الماضي، رغم اختلاف السياق والرجل والتجربة.   
لقد كان جمال عبد الناصر منذ الصغر متمرداً على واقعه، عصياً على الانصهار في بوتقة نظام فاسد، ولذلك ثار عليه وهو لم يكمل بعد الخامسة والثلاثين من العمر. أما عبد الفتاح السيسي فاستمر يتدرج في المناصب في عهد حسني مبارك حتى صار مديراً للمخابرات الحربية، واصفاً إياه حينئذ في حفل رسمي ب "ابن مصر البار". كما أن انحيازات عبد الناصر الاجتماعية والاقتصادية وسياسته الخارجية تضعه حتماً على طرف نقيض مع ما هو ظاهر حتى الآن من توجهات السيسي. لكن في الالتحاق باسم عبد الناصر وسؤدد مجده وإنجازاته (لإضفاء المشروعية على الوضع الراهن) إغواء لا يقدر الكثيرون على كبح جماحه.  
لم يكن غريباً أن يجيء الشعار السياسي لحملة السيسي الانتخابية خالياً من أي رسائل أو توجهات سياسية محددة، ومكتفياً بالنداء المجرد "تحيا مصر". فمن معين الوطنية ينهل الرجل وقود شرعيته، وعلى سنام مشاعرها العنفوانية يوطد حكمه الوليد. لكن "خطاب" الوطنية لا يغني عن فعلها ومعناها ومرادها، وحين ينقشع الوهم وتتبدد السحب، سيجدر به أن يقدم لشعبه ما هو أكثر من حمل الراية، وغناء النشيد، والخطابة في مهرجانات الأمن القومي.        

د. نايل شامة
* نُشرت هذه المقالة بموقع الحوار المتمدن (بتاريخ 12 سبتمبر 2014).

Wednesday, June 11, 2014

The Dilemmas of Egyptian Foreign Policy


Although Egypt is a political powerhouse in the Middle East, its foreign policy hardly reflects that. Under its longtime president Hosni Mubarak, Egypt receded into a long phase of quietism and withdrawal. Mubarak is gone, but 'Mubarakism without Mubarak' has persisted, even under the short-lived rule of the Islamist president Mohamed Morsi. As soon as he steps forth into the presidency, Egypt's new ruler, Field Marshal Abdel-Fattah Al-Sisi, will find himself on the horns of multiple foreign policy dilemmas. The way he tackles them will shape the substance, orientation and purpose of Egypt's foreign policy in the near future.
1- Resources and Aspirations
Egypt traditionally sees itself as the natural leader of the Arab world. In his manifesto The Philosophy of the Revolution, former Egyptian president Gamal Abdel-Nasser (ruled 1954-1970) rambled on about a leading role in the region that is "wandering aimlessly about seeking an actor to play it." This role, he added, "should at last settle down, weary and worn out, on our frontiers beckoning us to move, to dress up for it and to perform it since there is nobody else who could do so."[i] The foreign policy of Nasser's successor, Anwar Sadat, particularly the go-it-alone peace deal with Israel, led to Egypt's ostracization in the region. But Sadat was confident that Egypt's isolation in its sphere of influence was only temporary, and that Arabs were bound to follow in its footsteps. Although Mubarak was not interested in the flamboyance of leadership, preferring instead to be a distant, bureaucratic president of a status quo state, he still clung to a vital Egyptian involvement in the Palestinian problem.
The recent rise of Al-Sisi in Egyptian politics revived nationalist sentiments and ambitions after decades of dormancy. Fostered by state institutions and the pro-regime mass media, ostensibly as a bulwark against Islamism, these nationalist sentiments bred a wave of great expectations. On Egypt's cafes and television shows, analogies are frequently drawn between Al-Sisi and Nasser, the leader whose reign witnessed the most dynamic and change-oriented Egyptian foreign policy in modern times. Great hopes are pinned on Al-Sisi's leadership. He will be another Nasser, his supporters wish, taking on the mantle of leadership, defying international powers and restoring Egypt's wounded prestige in the world.
But times have massively changed. Capitalizing on political determination and the availability of resources, Nasser could, with relative ease, fund revolutionary movements in Africa, provide support for Arab states against Israel and lead the developing world, under the umbrella of the Non-Aligned Movement, against the plots of superpowers. His electrifying charisma added an element of inspiration and magic to his foreign policy. For more than ten years (1956-1967), the role Nasser had envisaged as a young officer rested indeed on Egypt's shores.  
Egypt's dire economic situation today inhibits its ability to play the same role. Three years of political turmoil took a great toll on its economy, slowing down economic growth and foreign investment flows and reducing tourism and export earnings. In foreign affairs, the economic crisis increased Egypt's vulnerability and deepened its dependence on Gulf states, especially Saudi Arabia, Kuwait and the UAE, who together provided more than $20 billion in various forms of assistance to Egypt since Morsi's ouster.[ii] As a result, Egypt's foreign policy has been increasingly wedded to the interests of Gulf states, with less autonomy and a narrow margin of maneuverability being the outcome.  
The change in Egypt's stance toward the Syrian conflict is proof of this. Morsi had vocally supported the Syrian "revolution." He severed diplomatic ties with Syria's regime during a rally in which hardline Islamists called for "jihad" against Bashar al-Assad. But a few weeks after the coup, Egypt's Foreign Minister Nabil Fahmy announced that Egypt is reevaluating its relationship with Syria, adding that Morsi's decision to cut diplomatic ties with Damascus would be "re-examined."[iii] In the following months, Cairo's policy on Syria came closer to that endorsed by its Gulf allies, indicating a policy that is "shaped by donors."[iv]
Al-Sisi must find a creative answer to this predicament: How to reconcile needed economic aid from donors with an independent foreign policy? Without aid, Egypt's ailing economy will continue to suffer, but for a populist president like Al-Sisi, dependency on - or worse, acquiescence to - the small oil Sheikhdoms will come at a huge cost: diminished popularity and reminiscence of the notorious days of Mubarak, not Nasser.       
2- Authoritarianism and the Outside World
The ouster of Morsi, and the subsequent crackdown on the Muslim Brotherhood (MB), unleashed all the demons of the authoritarian state, which had been dormant since Mubarak's overthrow in 2011. In the name of combating terrorism and restoring the 'prestige' of the state, thousands have been killed and arrested in the span of a few months, an Orwellian protest law was issued and dissent has been quashed using all possible means. Such draconian measures cannot take place in today's globalized, interconnected world, which attaches great importance to liberties and human rights issues, without international ramifications.  
Indeed, widespread human rights abuses in Egypt elicited major responses from various international players. The African Union, for instance, suspended Egypt's membership days after Morsi's removal in July 2013. As a result, Egypt (along with international pariahs Zimbabwe and Sudan) was last January excluded from attending the high-profile US-Africa Leaders Summit, which will take place in Washington next August. Also, a joint declaration was issued last March by 27 member states in the United Nations Human Rights Council, expressing concern over Egypt's excessive use of force against protestors, and asking the Egyptian authorities to hold those responsible for the abuses to account. In the same vein, the outcry of international journalists over the trial of the journalists of Al-Jazeera's Cairo office continues unabated, causing embarrassment for the Egyptian government in major world capitals.  
Al-Sisi will soon be caught between internal and external allies. A large segment of his power base rejects any conciliation with the MB, and advocates continuing – or even escalating – the crackdown on dissidents, Islamists and revolutionary youth alike. Moreover, any attempt to reform state institutions, especially the gigantic security apparatus, will be resisted by a state that has become too old and too corrupt to change its notorious ways. On the other hand, blatant authoritarianism at home will continue to strain Egypt's relations with the outside world, especially the United States and European countries, undermining foreign aid, investment and Egypt's international reputation.
3- Few Allies, Many Antagonists
Egypt has few allies in the region: the Gulf states. With the exception of Qatar, which dances to a different drum, these states have an abundance of petrodollars and harbor an abundance of antipathy towards Islamist movements - the perfect allies of today's Egypt. Conversely, because of their support for the MB, Turkey, Qatar and Hamas are seen in Cairo as barefaced adversaries. Egypt's relations with neighboring Libya and Sudan are cordial, but fraught with tension. The Sudan did not toe the line of Egypt over Ethiopia's Renaissance Dam, which Egypt regards as a menace to its share of Nile water. The inability of Libya's government to curb arms trafficking across the border, and to control the Islamic militias that are hostile to Egypt's regime, and the latter's reluctance to extradite members of Gaddafi's regime who live in Egypt are causes of friction in Egyptian-Libyan ties.[v] Egypt's formal diplomatic relations with Iran have been severed since 1980, and their restoration is nowhere on the horizon.          
Egypt therefore is semi-isolated in the region where it is centered, the Middle East. Proximate states such as Libya, Qatar, Sudan and Hamas – and, in the wider region, Turkey, Iran and Ethiopia – are not allies. They all fall within the scope of hostile, unfriendly or, at best, neutral states. In response to this inimical milieu, the strategy of the post-Morsi regime has rested on escalation. Cairo expelled the Turkish ambassador in November, recalled its ambassador to Doha in January, and an Egyptian court labeled Hamas a terrorist organization in March. Media assaults on Ankara, Doha and Hamas have verged on hysteria, reflecting how distant reconciliation is.     
However, not only cannot a strategy that is premised on confrontation survive, especially for a pivotal country with leadership aspirations, but it could also be very detrimental. For instance, suffocating Hamas for too long might drive its radical elements to forge ties with the Islamist insurgents in Sinai. Also, Egypt will not be able to mediate between the belligerent Palestinian factions, Fateh and Hamas, or between Israel and the Palestinians if it continues to boycott Hamas. Moreover, the legitimacy of Egypt's new president will be undercut if he is seen at home as colluding with Israel against the besieged and poverty-stricken Palestinians. Likewise, a protracted state of tension with two regional powers like Turkey and Iran is neither constructive nor conducive to regional stability.
Which strategic formula will Al-Sisi embrace to confront these threats, break out of this isolation, and restore Egypt's stature in the region? Escalation may undermine Egypt's national security and ignite a new Arab Cold War, to whose ill winds no state would be immune, but inaction could be costly, too. So will Al-Sisi manage to strike a balance between both courses of action, with skill, intellect and prescience?

Foreign policy victories and failures were kingmakers and breakers in Egypt. The nationalization of the Suez Canal Company and the 'Crossing' in 1973 made Nasser and Sadat national heroes. In contrast, the 1967 defeat heralded Nasser's political demise, and Sadat's separate peace with Israel 10 years later precipitated his assassination. Undoubtedly, Al-Sisi will soon be put to serious tests. Will his foreign policy be his crowning glory or his knockout punch?       

Nael M. Shama
* This article appeared first on AhramOnline on June 11, 2014.


[i] Gamal Abdel-Nasser, The Philosophy of the Revolution, Cairo: Information Agency, 1954, p. 68. (in Arabic)
[ii]  "Gulf Aid to Egypt Since 30 June More than $20 Billion: El-Sisi" AhramOnline, 6 May 2014, http://english.ahram.org.eg/NewsContent/1/64/100653/Egypt/Politics-/Gulf-aid-to-Egypt-since--June-more-than--billion-E.aspx.
[iii] "Egypt to Re-evaluate Relations with Syria," Al-Jazeera.com, 21 July 2013, http://www.aljazeera.com/news/middleeast/2013/07/201372013042628686.html.
[iv] Michele Dunne, "Foreign Policy Shaped by Donors," Sada, 3 April 2014, http://carnegieendowment.org/2014/04/03/foreign-policy-shaped-by-donors/h6z0.
[v] Mohamed Elmenshawy, "Bad Neighbor, Good Neighbor: Libya-Egypt Relations," Middle East Institute, 21 March 2014, http://www.mei.edu/content/bad-neighbor-good-neighbor-libya-egypt-relations.